الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

وقفةٌ مع أهل الكتاب  
سورة المائدة   الآيات 67 - 86


بين القرآن الطريق واضحاً سهلاً قابلاً للتطبيق بيسرٍ لكنّ الغافل لم يتبيّن فاحتاج إلى المزيد، فتوجّه القرآن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخطاب منادياً إياه ب"يا" التي هي لمناداة البعيد، وجعل المخصوص بالنداء الرسول، فجمع فيه بين "يا" و"أي" لأنه يخاطب أقواماً في غفلة يحتاجون إلى ما ينبههم، فجعل في النداء ما ينبههم فقال: { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ } الهاء للتنبيه والمنادى "أي" والرسول هو المخصوص بالنداء، ووظيفته نقل الرسالة إلى المرسل إليه، ما هي هذه الرسالة؟؟ هل تحتاج إلى كل هذا؟؟ { بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ } أمرٌ بتبليغ ما أرسل به كاملا واضحاً لا يُخفي منه شيئا ولا يحابي فيه أحدا وذلك شاقٌ على النفس وعلى المبلغين، لأنه يصدعهم بما يخالف ما اعتادوه. ولما كان الرسول بحاجة إلى ما يعينه على ذلك بصفته البشرية لا بصفته النبوية، ناسب أن يبدأ بالترهيب قبل الترغيب فقال: { وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ } ثم ذكر ما يعينه على التبليغ فيقوي عزيمته ويثبّت قلبه ويغنيه عن مساعدة المخلوقين { وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ }، كان الصحابة يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليل والنهار خوفاً عليه، فلما نزلت هذه الآية أطل عليهم وقال:"إذهبوا فقد كفينا بغيركم" وعصمة الله له تكون بعدم توفيق الأشرار إلى النيل منه وصرفهم عنه، وهذه حقيقة ثبتت على مر التاريخ، المشركون واليهود بذلوا جهدهم لمحاربة الرسول وسعوا في قتله أكثر من مرة وأجاعوه والمؤمنين ولم يستطيعوا الظفر به بل نصره الله عليهم، ولعل الله أن ينصر الصادقين على من عاداهم في مستقبل الأيام، { إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } خبرٌ مؤكد بإنّ والجملة الإسمية، لمس الصحابة صدقه في واقع حياتهم فلم يستطع أحدٌ أن يسيء إليه، بلا كل من حاول عاد خائبا، وهذا يقوي إيمانه وعزيمته ويثبته على ما يلاقي من صدٍ وكفرٍ وسعيٍ في إيذائه، ثم بين له ما يجب عليه بيانه فقال: { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ }أقام "شيء" مقام الدين، لأنه في أغلبه هوى فنفى أن يكونوا على شيء إلى غايةٍ { حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ } لله دره كيف جمع بين أهل الكتاب والمؤمنين فألزم أهل الكتاب الإيمان بكتبهم والقرآن، وألزم المؤمنين بالإيمان بالوحي المتلو وغير المتلو، ثم بين حمقهم وغفلتهم ووقوعهم في أحضان الهوى والتعصب فقال: { وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا } عوداً على بدء لأنهم يعادون المسلمين ويكرهون الخير لهم، ولا يحبون أن ينعم المؤمنون بالقرآن يتلى عليهم فيحيي قلوبهم وينير دربهم ويصوّب مسيرهم ومسارهم، ثم جاء بالفاء الفصيحة يثبت المؤمنين فقال: { فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ } الفاء هي الفصيحة تفصح عن شرط مقدّر والتقدير:"مهما يكن من أمرٍ فلا تأس على القوم الكافرين"، نهاه أن يركن إليهم أو يشفق عليهم أو يحرص على هدايتهم لأنهم غير راغبين في قبول دعوته ولا مهتمين برسالته، والداعية إذا رأى صداً وإعراضاً يتأثر، فهذه الجملة تسلية له ولمن بعده ممن يقرأ القرآن ويجتهد في تبليغه، وقد عودنا أن يعلل الأحكام والأوامر بما يريح النفس ويطيّب الخاطر ويزيل الأسى كلما أمر بأمرٍ يخالفه الناس، وههنا يدعو أهل الكتاب بطريقة مبتكرة مستعملاً الجملة الإسمية جامعا بينهم وبين غيرهم فقال: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا } الأصل في "إنّ" أن تنصب إسمها، فالذين مبنية وآمنوا وهادوا صلة الموصول، والنصارى لا يظهر عليها علامة إعراب وطبيعي أن تكون الجملة مبتدأ إسم إن وخبرها "مَن" وصلتها، لكن يشكل على هذا الصابؤون فهي جمع مذكر سالم ولو كانت معطوفة على إسم إن كان محلها النصب، لكنها مرفوعة فكأنه ذكر الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى وجاء بالخبر والصابؤون كذلك فجعلها مؤخرة في المعنى وإن تقدمت في اللفظ، فالله ذكر الذين آمنوا وهم كاملوا الإيمان، الذين آمنوا بأنبيائهم في وقتهم وآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم في وقته، والذين هادوا هم اليهود والنصارى معروفون والصابؤون هم قوم إبراهيم الذين كانوا يعبدون الكوكب ومن بعده الأصنام، فالآية قررت أن هؤلاء الأربعة { مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } يعني من مكروه يلحقهم في الآخرة ولا يحزنون على شيء فقدوه في الدنيا فهم جامعون بين خيري الدنيا والآخرة ما داموا مؤمنين بالله واليوم الآخر عاملين الأعمال الصالحة التي تنفعهم أو تنفع غيرهم أو تدفع عنهم أو تدفع عن غيرهم.
والإشكال الوحيد في هذه الآية {الصَّابِؤُونَ } فإن كانت معطوفة على "اسم إن" كان ينبغي أن تكون بالياء وقد عمد النحويون إلى وسائل مختلفة للتخلص من هذا الإشكال أيسرها أن تكون متأخرة في المحل وإن تقدمت في اللفظ وأن تكون مبتدأ خبره كذلك ولهم تفاصيل أخرى لا أطيل بذكرها، ثم انتقل إلى بيان حال بني إسرائيل مع أنبيائهم فقال: { لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً } عادة الله أن يرسل إلى الأمم المختلفة رسلاً مختلفين ينشر العدل في الأرض ويمنع الظلم، فيرسل الله الرسل إذا عجز البشر عن إصلاح ما فسد من حياتهم فيتولى الرسل الإصلاح بأساليب مختلفة تخالف هوى البشر فما كان حال بني إسرائيل مع رسلهم؟؟ هل أطاعوهم وتابعوهم على المنهج الذي جاءوا به؟؟ يأتي الجواب {كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ } يخالف أهواءهم يردهم إلى الجادة يقوّم ما انحرف من اخلاقهم { فَرِيقًا كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ } كان حال الرسل معهم لا يسر صديقا، بعض الرسل كذبوهم وفريقاً يقتلون، وفي التعبير "بكذبوا" الفعل الماضي يدل على اللزوم والثبات، كأن تكذيب الرسل خُلق لازم لهم لا ينفك عنهم، و {يَقْتُلُونَ } فعل مضارع يدل على الحدوث والتجدد، فقد قتلوا في المعروفين زكريا ويحيى وحاولوا قتل المسيح لكن لم يفلحوا على رأي المسلمين، ظانين أنهم يفلتون من غضب الله وإنتقامه فأعموا أعينهم عن إبصار الايات وأصموا آذانهم عن سماع داعي الحق، { وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ } أي عقوبة على قتل الرسل وتكذيبهم { فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ اللّهُ عَلَيْهِمْ } أي فسح لهم في الوقت وعفا عنهم، لكنهم لم ينتفعوا بذلك فيقلعوا عن غيّهم ويعاودوا الحق فيتركوا الباطل، { ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ} ازدادوا غياً إلى غيهم وكان حال الأولين العموم وحال التالين كثير وهذا من القرآن إفساح في المجال عسى أن يتوبوا، لذلك ذيّل الآية بقوله: { وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } يربيهم على المراقبة وأن أعمالهم جميعها سرها وعلانيتها معلومة لله بصير بها مراقب لها، وفي هذا حض على التوبة وزجر عن الإستهانة بأوامر الله، وهنا ناسب أن يصوّب عقيدتهم في المسيح ابن مريم فجابههم بالحق فقال: { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ } هل قاله المسيح؟؟ إن الناظر في الإنجيل قد يفسّر بعض الآيات لكن ذلك لم يثبت في شرعنا معشر المسلمين ويمكن تفسيره بحسب شرعنا بخلاف ذلك، فمثلا قوله "تسألونني عن الآب والآب فيّ وأنا فيه"، إشارة إلى ان المخلوق لا يكون إلاهاً بل يكون دالا على الإله، وتجنب القرآن العباراة المبهمة، واستعمل اللفظ الصريح الذي لا يحتمل غيره فقال حاكيا قول المسيح: { وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ } فاعترف ان له ربا وأنه ليس هو الله ونفى قول من زعم أنه الله أو أنه يشارك الله في شيء من صفاته أو ذاته في قضية كليّة مؤكدةٍ فقال: { إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ } فأكد القرآن معتقد المسلمين على لسان المسيح ابن مريم إن من يشرك بالله من بشرٍ أو غيره حرّم الله عليه الجنة لأنه جعل لله شريكاً وسبحانه أن يكون له شريك، وأن من يشرك بالله ظالماً لأنه وضع الألوهية في غير موضعها ونفى أن يكون للمشركين لله ناصر ينصرهم على الله فيحميهم ويدافع عنهم، فنفى أن يكون المسيح إلهً أو ابن إله لينتقل من ذلك إلى نفي أن يكون المسيح أحد الأقانيم الثلاثة فقال: { لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ } رد قولهم الآب والإبن والروح القدس الإله الواحد، { وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ } هو الله الواحد القهار لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك خلق كل شيء فقدره تقديرا، لم تكن له صاحبة ولا ولد، ليس لوجوده بداية ولا نهاية، لم يسبق بعدم ولا يؤول إلى فناء، وبعد هذا البيان ناسب أن يتهددهم فقال: { وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } تهديد ووعيد يذهب بالنفس كل مذهب ومع ذلك يفتح لهم باب التوبة على مصرعيه في جملة مركبة من جملتين حذف احداهما وهي الجملة المعطوف عليها فقال: { أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللّهِ } الأصل في الهمزة أن تدخل على الإسم أو الفعل وصورتها ههنا دخولها على الحرف، هي في الحقيقة داخلة على جملة محذوفة هي المعطوف عليه "أ"يعلمون أن عقيدتهم باطلة { أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ } أي يطلبون مغفرته { وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } . ثم أبطل ألوهية المسيح بدليل حسي لا يقبل النقد ويفحم الخصم فقال: { مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ } أي ليس إلاهاً ولا ابن اله ولا أحد الأقانيم الثلاثة مثله مثل موسى وإبراهيم وهود ولوط وغيرهم، { وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ } كثيرة التصديق برسالات السماء وبرسالة إبنها { كَانَا } هو وأمه { يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ } أي عاجزين محتاجين وهذا أقوى دليل على عدم الألوهية، إذ كيف يحتاج الإله والمفترض فيه أن يكون غنياً عن كل ما عداه، فناسب هنا أن يتعجب من حالهم يبيّن لهم فلا يتبينون { انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ } الدالة على الحق المبيّنة له { ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ } أي كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل وعن الهدى إلى الضلال، وهنا ناسب أن يشرف النبي بالخطاب فيأمره أن يسألهم سؤالاً واضحا يلزمهم بالحق ويردهم عن غيهم { قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا } قدم ضراً على نفعا لأن اتقاء الضر ادعى إلى العبادة من طلب النفع، ومن لا يملك واحداً منهما لا يستحق أن يعبد، والله يملكهما { وَاللّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } فما دام سميعاً عليما يجب عبادته وحده لأنه يعطي ويمنع ويضر وينفع، لذلك ناسب أن يشرّف أهل الكتاب بالخطاب فيقول لهم: { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ } فنهاهم عن الغلو في المسيح عليه السلام كأنه قال لهم لا ترفعوا المسيح فوق قدره الذي شرفه الله به فتجعلوه إلاهاً أو ابن إله وصفوه بما وصفه الله به، وحذّرهم من اتباع الهوى لأنه يهوي بصاحبه خاصةً هوى غيركم { وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ } حذرهم من اتباع أهواء الذين عظموا المسيح وغلَوا فيه فرفعوه فوق قدره، وكرر كلمة "ضلوا" في هذه الآية ثلاث مرات واستخدم "ضل وأضل" فالجاهل ضال والذي لا يدري أنه جاهل موغلٌ في الضلال داعٍ غيره إلى الضلال { ضَلُّواْ مِن قَبْلُ } أي ضلوا قبل أن يتبين لهم الحق، { وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا } أي أَوغلوا في الضلال وتعمقوا فيه حتى أضلوا غيرهم، وهم ثابتون على الضلال متمسكون به، كان المسيح عليه السلام يدعو إلى توحيد الله وإقامة العدل في المجتمع وبين الناس إلى أن جاء إلى تلاميذه رجلٌ معروف بعدائه للمسيح ودينه، فأقر بنبوة المسيح وأنه آمن به وهو يدعو التلاميذ بدعوة المسيح، رفضه التلاميذ وقالوا لا نصدقك فتوسط له أحدهم كان يدعى ابن الوعظ "برنابا" وقال لهم إن الله يقبل توبة التائبين فما بالكم لا تقبلونها، كان شديداً على من آمن بالمسيح متفنناً في تعذيبه وقد تاب والله يقبل التوبة أفلا نقبلها نحن!!! فقبلها التلاميذ، ومضت الأيام وصار يبشر بتعاليم تخالف ما علمهم المسيح، ويقول إن المسيح أخبره بها في المنام فازدهر تلقي العلم بالمنام عن الأنبياء عند النصارى أولا وربما تابعهم المسلمون، ولما كثرت أغلاطه ومخالفاته لدين المسيح الذي يعرفه التلاميذ تنكّر له برنابا وألف إنجيله المعروف بإنجيل برنابا، ونصّ في مقدمته أنه رد على "شاول" وإبطال للتعاليم التي جاء بها ونص على ذلك صراحة في مقدمة إنجيله. بيد أن أهل الكتاب لا يعترفون بإنجيل برنابا ويزعمون أنه من تأليف المسلمين مع أنه وجد في مكتبة الفاتيكان في وسط نصراني بالكامل، ومع هذا فإن فكر بولس هو الذي استقرت عليه الكنيسة بعد المؤتمر المسكونيّ المنعقد في نيقية سنة 325 ميلادية، حين دخلت روما في النصرانية لا لتتنصّر بل لتوثّن النصرانية، وكأني بالقرآن يشير إلى هذا حين يقول: { قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ } فتعاليم بولس الرسول هي التي سادت في نيقية وما بعدها، ولم يعترف المجمع إلا بأناجيل أربعة وهي التي يعتمدها أهل الكتاب: إنجيل متّى ولوقا ويوحنا ومرقص، ومجموعة تعرف بأعمال الرسل هي في معظمها رسائل بولس وقليل منها لغيره، وهكذا استمرت المسيحية على هذه العقيدة وتبنتها قلباً وقالبا، مع أن فيها أمور لا يقبلها العقل، يقبلونها ويقولون هذه من الإيمان، وتحت مسمى الإيمان الغوا العقل واتبعوا التعاليم التي نقلها القرآن وناقشها ورد عليها، ومهما يكن فلا أريد إصلاح عقيدة النصارى أو شرح دينهم، يكفيني أن أثير فيهم الرغبة في البحث فمن يبحث يصل إلى الحق.ثم ذكر القرآن موضوعاً جديداً قديما فقال: { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ } لأن اليهود لم يؤمنوا بالمسيح ويقال إنهم لا يزالون في انتظاره، أما السبب الذي لأجله لعن الذين كفروا من بني إسرائيل فيشير إليه القرآن بقوله: { ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ } ، أمران جعلا نبيّين يلعنانهم: عصيان الله، وكانوا يعتدون أي ثبت إعتداؤهم على عباد الله مجدداً متكرراً، ثم فسر عصيانهم فقال: { كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } ، وما نراه في مجتمعاتنا من منكرات لأوضح دليل على ما قاله القرآن وذمهم عليه، وكأن القرآن نزل الليلة أو الساعة، اسمعه يقول: { تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ } من عبّاد الأصنام والأشخاص وأصحاب النظريات والأفكار المخالفة لدين النصارى، مرة ثانية يذمهم القرآن ويؤكد ذمه باللام التي يمكن أن تكون لام الإبتداء أو الواقعة في جواب القسم المقدر، وأياً ما كان فالآية تؤكد ذمهم { لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ } من أعمالٍ يستحقون العقاب عليها في العاجل والآجل، لذلك فسره بقوله: { أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ } يعني في الدنيا { وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ } أي في الآخرة، { وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء } أي لم يتولوا أعداءهم ولا ركنوا إليهم واطمأنوا بهم { وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ } خارجون من دائرة الإيمان لأنهم لم يلتزموه لا عقيدة ولا شريعة ولا تخلقوا بما يدعوهم إليه، فعادوا المسلمين وبالغوا في عداوتهم ووالوا الكفار وبالغوا في مودتهم، { لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ } لتمكن الهوى في أنفسهم وغفلتهم عن الحق، { وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى } أتباع المسيح انعكس فيهم خلقه وطبعه فكانت أخلاقهم حسنة وتعاملهم سلس، وعلل هنا مودتهم للمسلمين بقوله: { ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } فالعلم والتعبد إنعكس في سلوكهم خلقاً طيباً يقبل المخالف ويتواضع له، { وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ } هذه الآية نزلت في نصارى مخصوصين سماهم القرآن نصارى باعتبار ما كان فهم مسلمون، واختلف أهل التأويل من يدخل تحتها فقال بعضهم النجاشي وبطاركته الذين أسلموا لما سمعوا القرآن وبكوا كما تقول الآية، وقيل قوم من النصارى جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فدعاهم إلى الإسلام وقرأ عليهم القرآن ففعلوا ما تقصه الآية، { وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ } يعني القرآن { تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ } يحمدون الله أن بلغهم النبي فسمعوا منه وآمنوا به { يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ } على أنك رسول الله وعلى أن الاسلام حق وعلى أن الله واحد لا شريك له، { وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا جَاءنَا مِنَ الْحَقِّ } أي شيء يمنعنا من الإيمان بالله والإيمان بكتابه ونبيه { وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبَّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ } في دار كرامته التي أعدها للمؤمنين، فبيّن الله جزاءهم بقوله: { فَأَثَابَهُمُ اللّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ } هذه خاصة يدخل فيها كل من كان مثلهم يؤمن بما آمنوا به ويعمل بما عملوا به فيفوز كما فازوا، ولإن كان سبب نزول الآية مخصوصاً فإن لفظها عام وفاصلة الآية { الْمُحْسِنِينَ } إسم موصول وصلته فتدل على مراقبة الله تعالى وطاعته والسعي في إرضائه، فالإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فاعتقد أنه يراك، راقبه فيما تأتي وتذر فتفوز كما فازوا وفي الناحية الأخرى { وَالَّذِينَ كَفَرُواْ } أي بالله { وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا } يعني المتلوة والمحسوسة { أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ } يقاسون حرها وبردها، فاللهم جنبنا حرها وبردها ووفقنا لنكون من أوليائك نحب بحبك من أحبك ونعادي بعداوتك من خالفك.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة