الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

نور الحق ساطعٌ  
سورة المائدة   الآيات 51 - 66


إن المجتمعات قد تتعدد وربما طغى بعضها على بعض فيجب على العاقل أن يبحث عن الصديق الصدوق الذي يأخذ بيده إلى الطريق المستقيم، يقوّمه إذا أخطأ ويصوّبه إذا اعوجّ، ومن هنا استفتح البيان بقوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء } تنصرونهم وتستنصرون بهم، تقبلون قولهم ومشورتهم والعاقل هو الذي يسعى أن يكون قريباً من أولياء الله حريصاً على الحق ساعياً في تحصيله، فكما أنّ أصحاب الملل يوالي بعضهم بعضاً يجب أن يكون أصحاب الحق كذلك، { بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } يثقون ببعض ويستعينون ببعض ويقبلون قوله ويحكّمونه في أنفسهم، ولما كان العدو هو صديق العدو لذلك استخدم المنطق فقال: { وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } لأننا حين نتولى النصارى واليهود نرضى قولهم وننفذ حكمهم ونخضع لما يأمروننا به فكأننا شاركناهم الحياة وخضعنا لهم، لا أقول نقاتلهم ونعاديهم ولكن نتوسّط معهم فتكون لنا شخصيتنا المستقلة التي تنشر الخير وتؤثر في غيرها وتحذر من الشر بخلقٍ كريم فنكون دعاة للإٍسلام بالقدوة والموعظة الحسنة.
ولما قرر أن من يتولهم فإنه منهم حكم حكماً فيه شيء من القساوة ردعاً للمخطئ وتصويباً لمساره فقال: { إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } أي لا يوفقهم إلى ما فيه صلاحهم، و"ال" في الظالمين اسم موصول والظالمون صلته، وصلة الموصول علة الحكم، فلأنهم ظالمون لا يهديهم الله فينير بصيرتهم ويصوب مسارهم ويقوّم ما اعوج من أخلاقهم، ثم بين حال طائفة من الجبناء ضعيفي الشخصية الذين لم تخالط بشاشة الإيمان قلوبهم، بل ربما كان في قلوبهم شيء من النفاق أو ضعف ثقة بالله الواحد القهار فقال: { فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ } أي في إرضائهم وطاعتهم والعمل بما يقترحون والخوف منهم أن يصيبهم مكروه بمصارحة أهل الكتاب بالحقيقة، مع ان واجب المؤمن أن يصارح أهل الكتاب بالحق ويدعوهم إلى الإيمان بمحمد ويبين لهم أنهم مخطؤون معرّضون إلى المسؤولية الجزائية لكن ما تصنع بالجبان؟؟ لما سُئِل لماذا توالي الكفار قال: { يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ } أي مصيبة أو بلاء أو حاجة فنستعين بهم، فلربما كانوا أقوياء أكثر منا فنعتمد عليهم ونتقوى بهم، وهذا من ضعف الإيمان، إن الثقة كل الثقة يجب أن تكون في الله وفيما شرع الله لأن المخلوق مهما كان قوياً فهو ضعيف ومهما كان غنياً فهو فقير ومهما كان عزيزاً فهو ذليل يمرض أو يموت فماذا يصنع، وقد أرانا الله هذه الحقيقة عياناً بياناً كي نعتبر فقال: { فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ } أي بنصر المؤمنين على عدوهم وإعزازهم بعد ذلهم وجمعهم بعد تفرقهم } أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ { مصيبةً يصيب بها اليهود أو النصارى تجعلهم عاجزين فقراء ضعفاء، { فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ } لأنهم أظهروا خلاف ما أبطنوا فوقعت بهم الواقعة، ولما كانت المصائب والأسفار ومعاملة الناس المادية تكشف أخلاقهم وتظهرهم على حقيقتهم ناسب أن يبيّن لنا ندمهم على لسان المؤمنين { وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ } يتعجب المؤمنون من صنيع الكافرين والمنافقين وقد ظهر الحق يسألون سؤال إستنكار عن الذين اعتقدوا أنهم ينفعونهم، يصدقونهم ويثقون بهم، فلما حق الحق وظهر أمر الله تبيّن كذبهم وخداعهم فتبرؤا منهم واعرضوا عنهم باحثين عن مصالحهم العاجلة { حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ } خسروا الدنيا والآخرة هم ومن اعتمد عليهم، { فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ }. ولما كان التخلي عن الدين يشبه من بعض الوجوه موالاة الكافرين عقب الآية السابقة بقوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ } إن التمسك بالدين سبب للسعادة الأبدية، والتخلي عنه سبب للخسارة، فالدين يبقى والخسارة لمن يتخلا عنه، عبر عن هذا المعنى بقوله: { فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } أخلصوا له الطاعة والإيمان والعمل، أحبّوه فحكموه ورضوا بحكمه وأنسوا به وانقادوا بكليتهم إليه فأحبهم، قبِل طاعتهم وأثابهم عليها فانعكس ذلك في سلوكهم فأحبوه، ودليل ذلك صفتان اتصفوا بهما: { أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ } هذه هي الصفة الأولى، وأما الصفة الثانية فقوله: { يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ } وهؤلاء قمة الأخلاق، قال عليه الصلاة والسلام: إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجالساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا الموطؤن أكنافا الذين يألفون ويؤلفون" فهذه ذلتهم على المؤمنين، يصبرون عليهم يتحملون منهم يحنون عليهم، أعزة على الكفرين لا يخضعون لهم بل يعاملونهم معاملة الأنداد، ومجاهدتهم في سبيل الله إنما تكون برفع الظلم عن عباد الله وإقامة العدل بين خلق الله بنصرة الضعيف وإغاثة المحتاج، { وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ } لا يجبنون عن قول الحق والدعوة إليه والعمل بما يحتمه عليهم إيمانهم وطاعتهم لله عز وجل، ثم بين أن هذا كله منةٌ من الله يشكر عليها { ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ } نعمة من الله يتفضل بها على أولياءه { وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } أي يوسع على من شاء ممن يعلم صلاحه واستحقاقه ويعلم خفاياه وخباياه، ثم بين أن الولاية المطلقة لله وحده ولرسوله والذين آمنوا فقال: { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ } ثم وصف المؤمنين بأنهم مطيعون لله بجميع أحوالهم وسكناتهم { الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ } خصصوا أنفسهم لله وخضعوا له ظاهراً وباطناً جوهراً و مخبرا، فاستحقوا الثناء بقوله: { وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ } وعدهم بأحسن ثواب وأكرم جزاء. يجب أن يكون المسلم معتزاً بإيمانه ودينه واثقاً بربه لا يرضى في معتقده أي تهاون أو إساءة لاجرم نادى الله المؤمنين بعنوان الإيمان فقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء }كان اليهود والمنافقون يسخرون من المؤمنين ويستهزؤون بهم، وكان لهم أصدقاء من المؤمنين يوادونهم فبيّن لهم القرآن أن ذلك لا يجوز، فقال هنا: { مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ } لأنهم اهل كتاب فهم أولى بالإيمان بكل الكتب، سيما وأن الله أخذ العهد على الأنبياء أن يؤمنوا بكل نبيّ آمن بهم، فأهل العلم أولى باتباع أمثالهم وأعرف بالحق وأحرص عليه، من هنا كان في استهزاء اليهود بالإسلام إساءةٌ مزدوجة، وعطف عليهم الكفار لأنهم جهلة، والجاهل لا يساوي العالم ولكنّ العالم لما تنكّر لعلمه وتصرف تصرف الجاهل حُق له أن يلحق به، وقوله: { أَوْلِيَاء } جمع ولي وهو القريب وفي الشرع من تنصره وتستنصر به، فمنعوا من نصرهم لأنهم يخالفونهم في العقيدة والمنهج فلا يمكن أن يتفقوا على الحق، ومنعوا من الإستنصار بهم لأنهم ليسوا أهلاً للنصرة فلا يوثق بهم، وقد تنكروا لخالقهم، ثم حض على مراقبة الله بالسر والعلن فقال: { وَاتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } أمر بتقوى الله بطاعته واجتناب ما نهى عنه، وقوله إن كنتم مؤمنين جملة شرطية حذف جوابها إما لأن ما قبله دلّ عليه، أو لتذهب النفس به كل مذهب، والأصل في المؤمن أن يوالي الله ويثق به ويعتمد عليه ولا يلتفت لغير المؤمنين، خاصةً المستهزئين بدينهم، زاد البيان فقال: { وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا } إن العاقل يحترم الآخر فلا يجرحه ولا يسيء إليه وإن لم يقدس ما يقدسه المسلم فلا أقلّ من أن يحافظ على مشاعره ولا يستعديه عليه، والإستهزاء بالشعائر يسيء إلى أصحابها وإتخاذ العبادة لهواً ولعبا يحرك المشاعر وينشر العداوة ويغذي روح التعصب والتطرف، ولا يليق بأهل البلد الواحد أن يتعادوا، لذلك تراه يذيّل الآية بقوله: { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ } ولو عقلوا لما فعلوا ذلك، ففعلهم يدل على عدم عقلهم لأنهم فيه يستعدون غيرهم ولا يحصلون على فائدة، وهنا يشرّف القرآن أهل الكتاب بالوحي إلى رسوله ليبلغهم سؤالاً يجول في النفس يحير المسلم { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ } لماذا تعادوننا هل أسأنا إليكم؟؟ أتعادوننا لأننا آمنا بالله إلاهاً واحداً لا شريك له، وما أنزل إلينا في القرآن الكريم، وما بيّنه رسول الله صلى عليه وسلم في السنة المطهرة، وما أنزل من قبل على أنبياء الله من آدم إلى عيسى في الزبور والتوراة والإنجيل وصحف إبراهيم، أهذه جريمة يستحق العقاب عليها؟؟أم هي ذنب نستحق عقوبة عليه، وأن أكثركم فاسقون أي خارجون عن دائرة الإيمان ومخالفة الكتب، فقد كان يلزمكم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم لورود البشارة به في التوراة والإنجيل وفي كتب الأنبياء من قبل، فلم تفعلوا، وأولتم النصوص على وجهٍ غير التي هي عليه { قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ } أفعل التفضيل هنا ليس للمقارنة هنا بين أهل الكتاب والمسلمين ولكنه لتقرير واقع بين أهل الكتاب أنفسهم، فاليهود جحدوا نبوة عيسى ولم يؤمنوا به والنصارى غلوا فيه ورفعوه فوق قدره، فتارةً جعلوه إلهً وأخرى ابن إله والحق بين هذين الغلو والتفريط، وقوله { بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً }، الأصل في المثوبة أن تكون في الخير لكنه هنا استعملها في مكان العقوبة على سبيل الردع، { عِندَ اللّهِ } أي في شرعه وما بيّن بقوله: { مَن لَّعَنَهُ اللّهُ } أي طرده من رحمته، { وَغَضِبَ عَلَيْهِ } لأنه تنكر لحكمه ورفض الإذعان له وخالف أمره، { وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ } وهم أهل السبت على رأيٍ: وقيل شبابهم مسخوا قردة وشيوخهم خنازير، { وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ } الذين عبدوا العجل فقد حذرهم موسى من ذلك فلم يحذروا ونصح لهم فلم ينتصحوا ووعظهم فلم يخافوا، وما إن سنحت لهم الفرصة حتى صنعوا العجل وعبدوه من دون الله، ولما حذرهم هارون أصروا على باطلهم { لن نبرح عليهم عاكفين حتى يرجع إلينا موسى } من هو الأشر؟؟ الذي يؤمن برسالات الله وأنبياء الله أم الذي ينكر رسالات الله ويسيء إلى الأنبياء!!! أترُك القرآن يقرر ذلك فيقول: { أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ }، فالقرآن قرر أن من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت اولئك شر مكانا يوم القيامة حين يدخلون جهنم وأضل عن سواء السبيل أي لم يعرفوا الطريق المستقيم الذي يوصلهم إلى رضوان الله في الدنيا والسعادة في الاخرة، و { سَوَاء السَّبِيلِ } هو المعبّر عنه بالصراط المستقيم، فلا إفراط ولا تفريط، ثم ذكر طائفةً من المنافقين دخلوا على النبي فأظهروا الإيمان بألسنتهم وخرجوا من عنده كما دخلوا فقال: { وَإِذَا جَآؤُوكُمْ قَالُوَاْ آمَنَّا }والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وجمعه للدلالة على مكانته بين أصحابه وأن مجيئهم إليه مجيءُ إلى الجماعة المسلمة، { وَقَد دَّخَلُواْ بِالْكُفْرِ }أي دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم صحبة الكفر، فالباء للمصاحبة وكأن النبي صلى الله عليه وسلم لمح في أعينهم الكفر أو النفاق، { وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ } كأنهم خرجوا كما دخلوا واستخدم "قد" مع الفعل الماضي ليستحضر صورتهم أمام كل قارئ للقرآن، وبيّن سعة علم الله فقال: { وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ } ولعله أطلع نبيه على حالهم حين دخلوا عليه وخرجوا من عنده، { وَتَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ } الإثم أي إرتكابه وهو الذنب القاصر على فاعله، كمثل شرب الخمر أو أكل الميتة، والعدوان هو موجب الإثم الذي فيه اعتداءٌ على الآخرين كمثل السرقة والغصب والقتل، وأكلهم السحت أكلهم المال الحرام الذي يوجب ذماً في الدنيا وعقوبة في الاخرة، فكل لحم نبت من سحت فالنار أولى به، لذلك رأينا القرآن يذمهم أشد ذم فيقول: { لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } بئس فعل جامد للذم، كأنه قال بئس شيئاً عملوه، فاستحقوا الذم عليه، ثم بين وظيفة العلماء في إصلاح المجتمع وإنقاذه من الفساد فقال: { لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } وظيفة العلماء أن يبينوا للناس الحق ويدعونهم إليه، ووظيفة الربانيين أن يربوا الناس على الأخلاق الفاضلة من حب الوطن والدين والناس والسعي في عمارة الأرض وإصلاحها، لكنهم لما لم يفعلوا قال القرآن: { لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ } فجاء بلولا التي هي حرف امتناع لامتناع، وجاء بعدها بالفعل المضارع وذيّل الآية بقوله: { يَصْنَعُونَ } وقد كان بإمكان الربانيين والأحبار بما أوتوا من علم ودراية في تربية البشر أن يجعلوا من ذلك طريقاً إلى إصلاح المجتمع، لكن لما لم يفعلوا استحقوا أن يذم عملهم، وعبر عن عملهم ب { يَصْنَعُونَ } لأن الصناعة عمل يصحبه التفكير والإبداع، ولما بيّن بعض مخازي أهل الكتاب زاد البيان بقوله: { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ } إن أحسن وأرقى طريق لتفسير القرآن هي تفسير القرآن بالقرآن، بناءً عليه فقد سبق أن قال الله: { الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء } فيعني { يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ } أي هو فقير عاجز عن التوسعة عليهم، ولعل ذلك كان حين ابتلاهم الله بسبب عدم إيمانهم بمحمد فضيّق عليهم الرزق، وإنما قلت ذلك لأن السياق يؤيده، { غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء } ليس في الاية حديث عن إثبات صفة لله، إنما هي تتحدث عن واقع اليهود ومقولاتهم الباطلة، لذلك ناسب أن يرد عليهم مقولتهم بمثلها، فإن من اتهم غيره بالفقر هو الفقير، لذلك قال:} غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ } دعاء عليهم أن يفتقروا فيعرفوا حقيقة الفقر، { وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ } لأنه قول فاسد باطل، { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } ف { يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ }كناية عن الفقر والثانية كناية عن الغنى والكرم، ونظير هذه الآية في وصايا سورة الإسراء { وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ } فيداه مبسوطتان بالخير على خلقه في الدنيا والآخرة جزاءً وتفضلاً، { يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء } يعطي من يشاء ويمنع من يشاء فهو مالك الملك، وإنما دفع اليهود في مقالتهم تلك كراهتهم للمسلمين واشتدت حين نصر الله المؤمنين في بدر، لذلك تراه يقول: { وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا } فبدل أن يراجعوا أنفسهم ويعيدوا حساباتهم فيعودوا إلى الحق تمردوا، وقالوا للنبي لا يغرنك أن لقيت في بدر أناساً لا خبرة لهم في الحرب فانتصرت عليهم لو قاتلتنا لعلمت أننا الرجال، وقد تمردوا على المسلمين وهم حلفاء النبي فاعتدى بنو قينقاع في سوقهم على امرأة وقتلوا الذي دافع عنها وأراد بنو النضير قتل النبي بحجر يلقونه على رأسه، فطغيانهم وتكبرهم وكفرهم زيادةً في معاداتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، لكنهم قوم مختلفون يعادي بعضهم بعضا ويبغض بعضهم بعضا { وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } فهم يجتمعون على حرب المسلمين ويعادي بعضهم بعضا، وما فتئوا يثيرون الخلاف وينشرون العداء ولكن الله لهم بالمرصاد { كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ } والمتتبع لتاريخ اليهود يلاحظ أنهم كلما أفسدوا في الأرض سلط الله عليهم من يردعهم ويكف شرهم، ويمنع عن اولياء الله إلحاق الضرر بهم، { وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا } أي يسعون في الأرض مفسدين، يثيرون الخلافات وينصرون فريقا على فريق { وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } أي لا يثيبهم على فعلهم بل ربما عاقبهم، ومع هذا الهجوم على أهل الكتاب تراه يحنو عليهم ويفتح لهم باب التوبة على مصرعيه فيقول: { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ } "لو" أداة شرط وجوابها لكفرنا عنهم سيئاتهم، فثمة شرطان للتوبة: الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ومن سبقهم من الأنبياء، والثاني اتقاء ما يحبط هذا الإيمان، { لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ } يسترها ليغفرها في الدنيا ويدخلهم جنات النعيم في الآخرة، ثم دعا أهل الكتاب بعامةٍ والمسلمين بالقدوة والموعظة الحسنة بطريقة لطيفة على حد قولهم "إياك أعني واسمعي يا جارة" فقال: { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ } اقامة التوراة إتباع ما فيها وتحقيقه في أنفسهم وفي اهليهم وفي مجتمعهم وكذا إقامة الإنجيل وإقامة ما أنزل إليهم من ربهم يعني القرآن و السنة وما بيّنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما دلّت المعجزة على صدقه ونبوته، ومعلوم أن المسلمين لا يكمل إيمانهم حتى يؤمنوا بالتوراة والإنجيل الذي أنزل الله على أنبياءه والقرآن والسنة، فالآية ترغب المسلمين في طاعة الله وطاعة رسوله وتعدهم بأكرم جزاء في الدنيا لقوله: { لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم } فخيرات السماء تفتح عليهم، وخيرات الأرض تخرج لهم فيسعدون في الدنيا أيما سعادة، ويبسط الله عليهم الرزق حتى يصدق فيهم { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء } ثم بيّن أن المخاطبين فريقان فقال: { مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ } عرفت الحق وتابعته بقدرٍ وهم الذين آمنوا بمحمد من أهل الكتاب ومن العرب وغيرهم، والفريق الثاني وهم الغالبية يصدق عليهم قول الحق { وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ } هكذا نرى أن الله ينصر أولياءه ويخصهم بخير الدنيا والاخرة، يعلي قدرهم وينصرهم على من عاداهم فيسعدون في الدارين، فاللهم وفقنا واجعلنا من أولياءك الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة