الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

ومن أحسن من الله حكما لقومٍ يوقنون  
سورة المائدة   الآيات 38 - 50


بعد أن بينت الآيات حكم الذين يخرجون على الدولة فيخيفون الناس ويرهبونهم ويأخذون المال أعني المحاربين لا البغاة، بينتْ حكم الإستيلاء على مال الآخرين خفيةً من حرز مثله، فقال: { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا } السارق هو الذي يأخذ مال غيره خفيةً من حرز مثله وهو إنسان جبان يقبح بالرجل الكامل أن يفعلها، وإن كان بأخذه المال القليل لا يُقطع وإن ورد في السّنة:"لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده".
ومعلوم أن البيضة ليست نصاباً ولا الحبل وقد تكلّف العلماء تأويله فقالوا إن من يبدأ بالصغير يسرق الكبيرَ، وإذا شرع بسرقة القليل تمرّس في سرقة الكبير، لأنه يستهين بالشرع، وأياً ما كان فيقبح سرقة المال من الرجل لذلك قدّمه هنا وقدّم المرأة في الزنا لأنه أقبح بها وأشد ضرراً لها ولعائلتها ويلحقها عاره ما دامت حيّةً، ولإن كان قبيحاً في حق المرأة فإنه أقل منه في حق الرجل، وقوله: { وَالسَّارِقُ} "ال" فيه اسم موصول في قوة مَنْ الشرطية، لذلك دخلت الفاء على جوابه، كأنه قال من سرقَ فاقطعوا يده ومن سرقت فاقطعوا يدها، وإن ما يجب القطع إذا سرق نصاباً قدّره الشافعية بربع دينار لحديثٍ في ذلك ولفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الحنفية في عشرة دراهم لأن اليد عندهم محترمةٌ لا تستباح إلاّ بيقين وورد في الأثر أن قطع اليد كان في ثلاثة دراهم وفي أربعة وخمسة إلى عشرة، فقالوا المتيقَن عشرة فلا يستباح قطع اليد بأقلَ منه، وتفاصيل ذلك في كتب الفروع لا أطيل بذكرها هنا، ولأنه تعدى على مال غيره يجب معاقبته عقوبةً رادعة ليأمن الناس على أنفسهم وأموالهم، لذلك قال تعالى: { جَزَاء بِمَا كَسَبَا } أي جازوهما بسبب كسبهما السيء { نَكَالاً مِّنَ اللّهِ } أي نكلوا بهما نكالاً كائناً من الله لأنه بأمره ردعاً لهما ولأمثالهما، وتقطع يد السارق من مفصل الكف ومن يراها لا يمكن أن يفكّر في السرقة مهما اشتدت حاجته { وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } غالبٌ لا يُغلب يضع قوته في موضعها ويشرع لعباده ما فيه صلاحهم في عاجل أمرهم وآجله، لذلك رتّب على القطع التوبة فقال: { فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ } جملة شرطية أي تاب إلى الله ورد المسروق إلى صاحبه وأسلمَ نفسه لحكم الله، { فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ } يقبل توبته ويعفو عن زلته، { إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } تعليل لقبول التوبة والعفو عن التائب. ثم وجّه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده إلى كل من يقرأ القرآن عبر العصور فقال: { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء } تعليلٌ لشرع العقوبات وبيانٌ أن فيها مصلحةٌ عامة تحفظ الحقوق لأصحابها وتنشر الأمن والأمان في المجتمع وتربي الناس على مراقبة الله والمهابة منه، فلا يتجرأ أحدٌ على مخالفة أمره أو معصيته، فالله مالك الجميع، وذيّلها بما يوجب الخوف منه والرضى بحكمه { وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } وهي تأكيد على ما سبق في الآية { يُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء } فهو قادر على المغفرة وقادر على التعذيب، حريّ أن يطاع. ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أمّته ويحرص على هدايتها ويبذل في ذلك ما يستطيع ناسب أن يخفف من حرصه فقال: { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْر} لأن بشاشة الإيمان لم تخالط قلوبهم فألقوا أنفسهم في الكفر بسرعة وهم فريقان، أشار إلى الأول بقوله { مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ } منافقون أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر ولله در القرآن ما ألطفه وما أصدقه { قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ }الإيمان قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالجوارح، وهم قالوا بأفواههم عبّر القرآن عن كذبهم بهذا لأنه قول باللسان لم يصاحبه القلب على ذلك بل خالفه، وأكد على كذبهم قوله: { وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ } وهذه طريقة القرآن في بيان كذب المنافقين، فتارةً يكتفي بقوله: { بِأَفْوَاهِهِمْ } وتارةً يزيد {و وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ } والفريق الثاني هم { الَّذِينَ هِادُواْ } أي اليهود وصفهم أو بيّن حالهم بقوله: { سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ } أي هؤلاء القوم يسمعون كلام أحبارهم وعلماءهم الذين ارسلوهم بذلك أشار بقوله: { سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ } ولهذه الآيات قصة سأذكرها ما يعين على فهم الموضوع ثم أتابع تفسير الآيات، حصلت جريمة زنا شريفٌ وشريفةٌ في خيبر زنيا وكان شرع بني إسرائيل أن الزاني المحصن يرجم حتى الموت وكان هذان عزيزين على الأحبار، لم يريدوا تنفيذ حكم الله فيهم فأرسلوهما إلى بني قريظة في المدينة علّهم يجدون حكماً مخففاً فيهما عند محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وقالوا لهما ولمرافقيهم إن حكمَ محمدٌ بالجلد أو إي حكم أخف من الرجم فاقبلوا منه، وإن حكم بالرجم فلا تقبلوا، فترافعوا إلى محمدٍ صلى الله عليه وسلم فحكم بالرجم فلم يقبلوا، فأرسل إلى أعلمهم بشرعهم في المدينة فكان "ابن صوريا" فاستحلفه رسول الله وناشده الله أن يقول الحق هل في الكتاب الذي أوحى الله به الرجم فقال نعم فحكم الرسول صلى الله عليه وسلم برجمهما فرجما عند باب المسجد وهذا معنى الآيات { سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ} أي كثيري السماع لقومٍ آخرين هم أحبارهم وعلماؤهم، وصفهم بصفتين: الأولى { لَمْ يَأْتُوكَ } غير محترمين لرسول الله لم يسعوا إليه بأنفسهم بل أرسلوا من يسأله عنهم، والصفة الثانية {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ } أي يُميلونه عن الجادة ويفسرونه تفسيراً مخالفاً فغيروا حكم الله في الرجم وجعلوه شيئاً آخر لم يأمر به الله، ثم وصفهم بصفة تكشف عن حالهم واصرارهم على الباطل وتنكرهُم للحق وهي عبارة عن ما أوصوا به الوفد { يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا } يعني الجلد أو تسويد الوجوه { فَخُذُوهُ } أي اقبلوه من محمد صلى الله عليه وسلم، { وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ } وإن حكم لكم بغيره فاحذروا أن تطيعوه، ثم حكم عليهم فقال: { وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ } أي وقوعه في الضلال لأنه أعمى بصيرته عن إبصار الحق وأصم سمعه عن سماع داعيه { فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا } لأنه لم يطلب هداية الله واتبع هواه، { أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ } فينير بصيرتهم ويصوّب مسيرهم ويوفقهم للإيمان لأنهم اختاروا الهوى على الحق والضلاَل على الهدى، لاجرم قال الله: { لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ } أي بالقتل والقتال { وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } في نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابه. ثم بيّن أن ما جعلهم يسمعون الكذب هو حب المال والسعي في تحصيله فقال: { سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ } السحت هو المال الحرام كالرشوة وما في معناها وهؤلاء سمعوا كلام علمائهم وقبلوه لأنه كان بجانبه مالٌ يحسّنه، لذلك جمع في الآية بين صيغتين من صيغ المبالغة { سَمَّاعُونَ } كثيروا السماع و { أَكَّالُونَ } أي كثيروا الأكل، وكرر الجملة ليبني على الشيء مقتضاه فقال: { فَإِن جَآؤُوكَ } أي ترافعوا إليك في قضيةٍ فأنت مخير { فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ } ما دمت مع الله مطيعاً له فالله يعصمك إن شئت أن تحكم فاحكم أو لا فلا، وعبّر عن حفظ الله له فقال: { وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا } لأن الله يعصمك من الناس { وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ } أي بالعدل بالشريعة التي بعثت بها { إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } أي يثيبهم في الآخرة ويحفظهم في الدنيا، ثم تعجّب من حالهم يكون عندهم الحق فيعرضون عنه ويبحثون عند من لا يؤمنون به عنه، وهذا دليل على أنهم لا يريدون الحق بالتحاكم إلى النبي وإنما يريدون التيسير وتتبع الرخص فقال: { وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ } الذي بينته رسل الله { ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ } عن قبوله والتسليم له فحكم عليهم بعدم الإيمان { وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ } جرّدهم من أي شكلٍ من أشكال الإيمان ونفى عنهم العلاقة به، ثم بيّن أنه في التوراة شريعةً فقال: { إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى } أي عقيدةً } وَنُورٌ { أي شريعةً تضبط حركة الحياة ونظام الناس، { يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ } أنّثها لأن لفظها مؤنث والنبيون جمع نبيّ والمراد به من أوحى الله إليه، وصف النبيين { الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ } أي النبيون أسلموا لله وانقادوا لحكمه وحكموا بما أمرت التوراة للذين هادوا، ولما كان النبيون لا يبقون مدى الحياة عطف عليهم { وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ} الربانيون جمع ربانيّ وهو العالم بتربية الناس والأحبار جمع حبرٍ وهو العالم بالشريعة، { بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ } أي بسبب ما طلب إليهم من حراسة كتاب الله والسهر على مراقبة تنفيذ الناس لأحكامه، { وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء } أنه الحق، ثم حذّر الحكّام من خوف الناس وأمرهم بمراقبة الله فقال: { فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ } ونهاهم أن يستبدلوا أحكام الله بغيرها طمعاً في مالٍ أو جاهٍ أو سلطان، { وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً } ومهما كان الثمن فهو قليل لأنه في مقابلة الخلود في النار، ثم ختم الآية بقضية شرطيّة { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } لأنهم رضوا غير حكم الله واستبدلوه بحكم المخلوقين واستحلوا مخالفة أمره، ثم ذكر شيئاً من شريعة بني إسرائيل فقال: { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْس } أي تقتل بها { وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ } أي تقلع بها { وَالأَنفَ بِالأَنفِ } أي يجذع به { وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ } فكذلك، { وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } وهذا نقل للحكم من شرع بني إسرائيل إلى شرع محمد صلى الله عليه وسلم حين قال: { فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ } فشريعة بني إسرائيل وجوب القصاص، وشريعة المسيح وجوب العفو، وشريعة محمد صلى الله عليه وسلم وسط بين الشريعتين يجوز هذا وهذا والعفو أفضل، لأن فيه نشراً للفضيلة وحضاً على التسامح وتصفيةً للقلوب يقبل الله ذلك من المسلم ما دام قصده رضى الله، وختم الآية على غرار ما ختم التي قبلها { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ }. { وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ } أي جاء بعد موسى عيسى ابن مريم، وأوحى الله له بالإنجيل يصدّق التوراة ويؤكد على ما فيها من حِكمٍ وأحكام، { مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ } و"من" هنا بيانية، { وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ } أي فيه شريعةٌ وعقيدةٌ تماماً كمثل التوراة، والإنجيل موافق للتوراة لذلك لم يتخل عنه النصارى، والإنجيل يصدقها لأنها متقدَمةٌ عليه { وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ } خص المتقين لأنهم يعملون بالهدى ويستجيبون للوعظ، ثم أمر أهل الإنجيل فقال: { وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ } يجوز أن تكون هذه الجملة جملة خبرية تذكر العلة التي لأجلها أنزل الله الإنجيل، ويجوز أن تكون جملة إنشائية تدعو أهل الإنجيل إلى الحكم بما أنزل الله فيه، فقد أعطاها بعدين ثم ختم الآية بما ختم به نظيرها من قضية شرطيّة { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } أي الخارجون عن دائرة الطاعة إلى دائرة المعصية، خرجوا من الأولى ودخلوا من الثانية فهل أوغلوا؟؟ يمكن أن يكون ذلك. { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ } والمراد هنا جنس الكتاب متلبسٌ بالحق مقترنٌ به حالة كونه مصدقا لما بين يديه من الكتاب فجمع فيه بين جناسين فأطلق الكتاب أولا وأراد به القرآن، ولما قال { بِالْحَقِّ } أضاف إلى ما قبله ملابسة الحق للقرآن، ولما قال { مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ } قصد إما التوراة أو الإنجيل، { وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ } القرآن قطعي الثبوت عام الدلالة، لكنّ الكتب قبله ليست كمثله، لذلك قال: { وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ } القرآن هيمن على الكتب السابقة لأنه قطعي الثبوت متواترٌ محفوظٌ في الصدور بخلاف الكتب قبله، ثم جاءت الفاء الفصيحة كأنه قال إذا كان كذلك { فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ }يعني من الوحي الذي تطابقت به الشريعتان كرجم الزاني، لكنه عممها هنا فقال: { بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ } حذره من اتباع الهوى لأن عاقبته تهوي بصاحبه في الأسفل، { وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ } أي لا تمل إلى آراءهم ولا تنخدع بما يصورونه لك فتجعله صارفاً لك عن اتباع الحق { عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ } ثم بيّن أن عقائد الأنبياء واحدة وشرائعهم متعددة لأن لكل عصر شريعته التي تتناسب وحال الناس فيه، { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا } فالشرائع تنظم حياة الناس، تبين واجباتهم وحقوقهم بحسب الأزمنة المختلفة، فما كان في أيام موسى لا يصلح في أيامنا، فاتّبع المنهج الذي أمر الله به لأنه المنهج الثابت الذي يصلح الحياة والناس، ثم بيّن الحكمة من تعدد الناس فقال: { وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً } ذات دينٍ واحد عقيدةً وشريعة، ولكن لم يفعل { لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم } ليظهر حال البَر والفاجر فيقيم المجتمع الصالح، فواجب على العباد أن يسارعوا إلى طاعة الله، عرفوا الحكمة أو لم يعرفوها، فواجبهم المسارعة إلى الطاعة فإن أمر الله يحقق الخير للناس، لاجرم قال: { فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ } أي سارعوا إليها واجتهدوا في تحصيلها، { إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا }ليحاسبكم فيثيب من يستحق الثواب ويعاقب من يستحقُ العقاب، أشار إلى ذلك بقوله: { فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } فيقيم عليكم الحجة ويقطع العذر، ثم أكّد على ما سبق فقال: { وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ } تأكيد على مامضى ودعوة إلى التزام الشرع والخضوع له والتحذير من الإقتداء بالمنحرفين الذين يسعون في إلحاق الفساد في المجتمع، قال: { وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ } فحذار أن تقع تحت تأثير آراءهم وأفكارهم، وبين ان الأكثرية في غالب الأحوال قد لا تكون على الحق وفي هذا رد على دعاة الديموقراطية وأنها حكم الأغلبية، لكن حكم الأغلبية قد لا يكون صحيحاً، بل الحكم الصحيح الذي يحقق العدالة ويضبط حركة الحياة ويحقق للناس الأمن والأمان هو حكم الله لأن حكم الله لا يحابي أحداً، يقصّ الناس بمقص واحد، قانونه يجري على الجميع وحكمه نافذ على الجميع، الكل سواء تحت لوائه { وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ } فقرر أن الحق يعرف به الرجال ولا يعرف بالرجال، فمن اتبع منهج الله عزّ وساد وحقق لنفسه ولمجتمعه العدل، ومن اتبع الهوى خسر وخاب، وختم الآيات بسؤالٍ تهتز له القلوب وتقشعر الجلود فقال: { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ } العبد بعشرة أحرار والحر بعشرة والناس فوضى لا سراة لهم، ثم قرر على طريقة الإستفهام الإنكاري { وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ } أي لا أحد أحسن من الله حكماً لمن أيقن أن الله هو الخالق لهذا الكون وما فيه، وأن شرعه هو المحقق للسعادة، وأيقن أن الحساب آتٍ فرضي بحكم الله وأقبل عليه وخضع له، فاللهم فقهنا في أحكامك ووفقنا لتطبيقها واجعل حياتنا سعيدةً عامرةً بالإيمان.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة