الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

جريمة جرّت جرائم  
سورة المائدة   الآيات 27 - 37


يستفتح البيان بقصة من التاريخ كانت أول جريمة تقترف على هذه الأرض، الظلم فيها واضح وسببها تافه لكنها كانت البداية لتتبعها جرائم، قال تعالى: { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ } أي قُص عليهم قصة أخوين حسد أحدهما الآخر لسبب لا علاقة له به بل لسببه هو في نفسه، فإذا سألت متى كان ذلك جاء البيان { إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا } وقت أن قربا قربانا يتقربون به إلى الله لهدفٍ كل واحد يسعى إليه، كان أحدهما مزارعاً فاختار قربانه من الزروع لكنه لم يتخيّر الأجود ولا الأحسن ولا الأفضل، بل اختاره من عامة زروعه، وكان الآخر تاجر غنم فتخيّر كبشاً أملحاً سميناً كثير اللحم، وكان العرف أن القربان المتقبل تنزل نار من السماء فتأكله، { فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ } ربما لأنه لم يكن مخلصاً صادقاً في دعواه أو أنه لم يتخير أجود شيء عنده أو لأمر ما لم يظهر في السياق، فحقد الذي لم يُتقبل قربانه على أخيه بدل أن يراجع نفسه ويعيد الكرة ويبحث عن سبب رفض قربانه، أخذته العزة بالإثم { قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ } ما ذنب الآخر الذي تُقبل قربانُه!! الله هو الذي قبل فلا يُسأل عما يفعل، ولكن اعتداد هذا الأخ بنفسه وغرورُه جعله يتطاول على أخيه ويسيء صحبته. كان الأخ حكيما عاقلا أخبره عن سبب عدم قبول قربانه بطريقةٍ لطيفةٍ لا تجريح فيها { قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ } فأخبره أن سبب عدم قبول قربانه هو نفسه أو في نفسه لأنه لم يكن على درجة من التقوى تؤهله لقبول القربان، فكأنه قال له:راجع نفسك وتب من ذنبك وأقلع عن الغرور والكبر، اتق الله في نفسك فيما تأتي وتذر، وتابع الأخ كلامه { لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ } وعزة الله إن امتدت إليّ يدك بسوء وصممت على قتلي ما أنا بالذي يمد يده إلى أخيه بالسوء، خاصةً إذا كان ذلك في إذهاب نفسٍ عزيزة عليّ قريبة مني، لا جبناً ولا ضعفاً ولكن خوفاً من الله أن أقف بين يديه فيسألني عن هذه الجريمة { إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ } فلا أعمل إلا ما يرضيه ولا أسيء إلى مخلوقاته. { إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ } إني أحب أن ترجع عاقبة السوء على المسيء ولا أريد بل ولا أفكر أن أسيء إلى أخي من أمي وأبي ولكني أحب أن ينال الظالم جزاء عمله كاملا، أريد أن ينزل بك إثم قتلي والإثم الذي كان يمكن أن أقترفه لو قتلتك، وإثم عملك المخالف لشرع الله واعتداؤك على نفسٍ محرمةٍ دون مسوّغٍ شرعيٍ أو قانوني، لتكون عاقبتك كبدايتك، ونهايتك تناسب أعمالك السيئة { فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ } لأنك ظلمت نفسك وظلمت أخاك وارتكبت خطيئة لم تُسبق إليها { وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ } جمع ظالم والظالم هو الذي يضع الأمور في غير موضعها وأنت وضعت القتل موضع العطف والتعاون والتناصح فظلمت نفسك وظلمتني. لم ينفع نصحٌ ولا دعوةٌ مع الظالم، أصر على باطله وتمادى في غيّه { فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ } زينت له نفسه الباطل فأطاعها وعمل عملاً سيكون له ما بعده، فلما قتله حمله على منكبيه لا يدري ما يفعل به، وعن هذا المعنى عبّر القرآن { فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ } خسر نفسه وخسر أخاه وخسر محبة أبويه وتحمل وزر من سيأتي بعده وها هو يحمل أخاه مدة من الزمن قيل سنة أو نحوها مايدري ما يصنع به، { فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ } إقتتل غرابان فقتل أحدهما صاحبه ثم حفر في الأرض ودفنه فيها، فكأن الله عز وجل بعث إليه غراباً يبحث في الأرض أي ينكتها أو يحفرها ليعلمه عملياً كيف يواري أي يخفي سوأة أخيه الذي قتله فكان معلمه غراب، وناهيك خسارةً أن يتعلم الإنسان من الحيوان، { قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي } لام نفسه أن أحوجه عمله السيء أن يتعلم من الغراب كيف يواري سوأة أخيه فنادى ويله يقول له: هذا أوان الحاجة إليك فاحضر لترى خيبتي وضعفي وعجزي، لم أبلغ أن أصل إلى درجة أن أكون مثل هذا الغراب الذي أخفى سوأة أخيه فأواري سوأة أخي، أكله الهم والندم { فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ } جريمة أوجبت عقوبة ، جريمة ما أفظعها، { مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ } يعني الفعل الذي فعله أحد ابنيّ آدم { كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا } كان الناس أيام آدم رجلين فقتل أحدهما الآخر فكأن القاتل قتل جميع الناس إلاّ نفسه، وهذا المعنى الذي قصد إليه فكأنما قتل الناس جميعا، وهو واقع الحال لأنه لم يبق إلاّ القاتل، وقوله { مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ } أي قتلها بغير قصاص، لأن القتيل لم يقتل فلم يستحق القتل، فكأن القتل جاء ظلماً وعدواناً وهذا عين ما قاله { أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ } أي قتل لقصد الإفساد في الأرض، والله خلق الأرض نظيفة وخلق عباده أطهاراً، فقتلهم لا يجوز إلا بمسوغٍ شرعي، ولما لم يكن كان اعتداءً وكان يعادل قتل الواحد قتل الناس جميعا، وفي المقابل { وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا } وإحياؤها بتأمين أسباب الحياة لها من مأكل ومشرب ومسكن وملبسٍ وسائر ما تحتاج إليه الحياة، ونفهم من هذا أنه لا يجوز قتل أحدٍ أو تجويعه أو حبسه أو حرمانه من حقوقه إلاّ بإذن الشرع، وأي فعلٍ يسيء إلى المخلوق دون مسوّغ شرعي يعتبر محرّما ويعاقب فاعله بحسب الشرع، وبيّن الله ذلك عبر الرسالات التي أرسل إلى الناس عبر القرون، { وَلَقَدْ جَاء تْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ } فبيّن الرسل بالأدلة القطعية حقوق الإنسان وواجباته فهل إلتزم الإنسان بما دعته إليه الرسل! يأتي الجواب { ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ } فبيّن أنهم لم يستجيبوا لداعي الحق بل ركبوا رؤوسهم وتمادوا في غيهم، أساءوا إلى العباد والبلاد وأفسدوا الأرض والناس، ولما كانت وسائل الإفساد متعددة وكان الله قد أمّن للأرض وسائل حمايتها ناسب أن يذكر بعد هذه القصة قصة إفساد الناس للأرض والعلاقات الإجتماعية بين اهلها ورأس ذلك ما يعرف في الفقه بالحرابة، وهي الخروج على الحاكم وقطع طريق الناس وظلمهم بأخذ أموالهم أو قتلهم أو إخافتهم فجاءت الآيات تبيّن حد الحرابة فقال: { إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } حصر عقوبة الذين يحاربون الله أي أولياءه لأن الله خلق الناس ليعمروا الأرض لا ليخربوها ليصلحوها لا ليفسدوا فيها ليتعاونوا لا ليتقاتلوا، لذلك جاءت العقوبات بحسب الجرائم، { وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا } أي يعملون أعمالا ينشرون الفساد في الأرض بدل المحبة والأمن والسلام، وجريمتهم تستحق عقوبة تساويها فذكر هنا أربع عقوبات: يقتّلوا، يصلّبوا، تقطع ايديهم وأرجلهم من خلاف، ينفوا من الأرض، وقوله يقتّلوا فيها زيادة مبنى لتدل على زيادة المعنى، فالمحاربون يخيفون الناس أولا فينشرون في الأرض الرعب، قد يقتلون وقد لا يقتلون وقد يقتلون ويأخذون المال وقد لا يأخذون المال ويقتلون، وقد لا يقتلون ولا يأخذون المال بل يكتفون بإخافة الناس، فكان لا بد من عقوبة لكلٍ، وهذا محله كتب الفروع، وقوله { إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ } أي فعلوا ما فعلوا ثم تابوا وأسلموا أنفسهم للحاكم { فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } هؤلاء يسقط عنهم حق الله ويبقى عليهم حق العباد، فبدل أن تقطّع إيديهم وأرجلهم من خلاف، تقطع أيديهم إن أخذوا المال وبدل أن يصلبوا ويقتّلوا، يصير القصاص حقاً لأولياء المجني عليه، ومن حقهم العفو، ولا يصلّبوا وإن أخافوا السبيل استحقوا الحبس على رأيٍ وظاهر النص ينفوا من الأرض وذلك يفسّر بالحبس، ولما كان معاقبة المفسد في الأرض تقصد لردعه ومنعه بيّن الله أن العقاب وسيلة ردعٍ فقال { ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا } على أن عذاب الدنيا لا يسقط عذاب الآخرة، { وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } يتناسب وعظَم الجرم الذي اقترفوه، فالتشريع محكم جمع فيه بين العقوبة والعفو وبين العفو قبل القدرة وبعدها فما أحوج مجتمعات اليوم إلى مثل هذا ترفع عنها الظلم وتضبط حركة الحياة فيها، تعيد للحياة صفاءها ونقاءها. ولما كان في تقوى الله صلاح الفرد والمجتمع ناسب أن يوجّه الخطاب إلى المؤمنين يأمرهم بتقوى الله والسعي فيما يقربهم إليه فقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ } أي اجعلوا بينكم وبين عذابه واقياً يقيكم، هو فعل ما امر به وترك ما نهى عنه { وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ } أي ابحثوا عن الطريق الذي يوصلكم إليه ويقربكم منه، ولما كان الجهاد ذروة سنام الإسلام وضامن صلاح الفرد والمجتمع ناسب أن يذكر أحد الأشياء التي تقرب إلى الله فقال: { وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ } اي ابذلوا جهدكم في نصرة دين الله وإعلاء كلمته وإقامة العدل بين الناس ورفع الظلم عن خلق الله، افعلوا ذلك زاهدين بالمادة والمال والجاه لتقيموا المجتمع الافضل، فتحققوا السعادة لكم ولأولادكم وإخوانكم { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }. وبيّن ان حب المال قد يدفع الإنسان إلى البخل به في هذه الحياة، فإذا ضمن ما هو أهم منه بذله وهو في هذا وذاك يحب نفسه أكثر من المال ومستعدٌ أن يبذل ماله مهما كان كثيرا لينقذ نفسه، { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } يبذلون كل شيء ليخلصوا من عذاب جهنم فلا يتخلصون { يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } ما أغبى الإنسان يحرص على المال في هذه الحياة يجمعه من حله ومن غير حله ويمنعه مستحقيه ويحبه أحياً أكثر من حب نفسه، لكنّ عاقبة ذلك سيئة ونتيجته مخزية، ففي الآخرة يزهد به ويبذله مع عدم وجوده، فليت المال يكون في اليد ولا يكون في القلب، يعين على الطاعة ونشر الفضيلة ورفع الظلم وإقامة العدل، فاللهم وفقنا وسددنا.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة