الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

تذكروا نعم الله  
سورة المائدة   الآيات 10 - 26


استهل البيان بدعوة المؤمنين إلى تذكر نعم الله عليهم، من باب الدعوة للقدوة فقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ} بالحفظ والحماية ورد كيد المعتدين عنكم، في وقت كانوا في أمسّ الحاجة إليها واختلف أهل التأويل في سبب النزول فقالوا نزلت في الحديبية حين صلى المسلمون صلاةً عاديةً ففكر المشركون إن يغيروا عليهم وهم في صلاتهم، لكنهم لم يهموا حتى قضوا الصلاة فقالوا نغير عليهم إذا صلوا العصر فنزلت صلاة الخوف وهذه إحدى الأسباب التي دعت خالد بن الوليد إلى الإيمان لأنه اكتشف أن في محمدٍ صلى الله عليه وسلم سراً لا يعلمه، وقيل نزلت في بني النضير حين هموا بإلقاء صخرةٍ على النبي وقد جلس في ظل حصنٍ من حصونهم، وقيل نزلت في إحدى الغزوات حين نام النبي صلى الله عليه وسلم وتفرق عنه أصحابه، وعلّق سيفه في شجرة فتسلل إليه اعرابي وأخذ السيف وأيقظ النبي وقال: يا محمد من يحميك مني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله، فسقط السيف من يده فتناوله النبي فقال يا أعرابي: من يحميك مني؟؟، قال: يا محمد كن خير آخذ.
وأيّاً ما كان سبب النزول فإن الله صدق بما أخبر به { فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ } أي منعها من الوصول إليكم بسوء أو بشيء تكرهونه، { وَاتَّقُواْ اللّهَ } أي راقبوه، أطيعوا أمره واجتنبوا ما نهى عنه، { وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } تقديم الجار والمجرور للحصر، على الله لا على غيره { فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } كاملو الإيمان، وفي الحديث: "من توكل على الله كفاه". ثم انتقل البيان إلى الحديث عن بني إسرائيل من باب الدعوة بالقدوة وتحذير المسلمين أن يتخلقوا بأخلاقهم أو يسيروا سيرهم فقال: { وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا } كفلاء على قومهم يضبطون حركتهم ويعلمون أحوالهم ويكفلونهم تجاه النبي، هكذا فعل موسى عليه السلام، وعادةً ما يعمد النبي إلى مثل هذا حين يكون أمامه غزوة أو مصلحة تحتاج إلى مراقب يرقب حركة الناس ويضمن خضوعهم للنبي أو للحاكم، ولعل نبي بني إسرائيل اتخذ النقباء استعداداً لغزو أريحا أو القدس، لكن القرآن لم يصرح هنا واكتفى بالتلميح على أنه سيتحدث عن الأرض المقدسة بعد ذلك، إلا أن السياق هنا لبيان أن اليهود لا يقرون على قرار ولا يحفظون سراً ولا يلتزمون بمنهج وقال الله: { إِنِّي مَعَكُمْ } بالحفظ والصيانة والعلم، فشرفهم وكلفهم ليبتليهم أيلتزمون بما يأمرهم به { لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ } ففرض عليهم إقامة الصلاة كما فرضها على المسلمين، وايتاء الزكاة والإيمان بالرسالة وتأييد الرسل بالنصرة والعون والقيام بالأعمال الصالحة التي تنفع العامل نفسه أو غيره أو تدفع عنه أو عن غيره، وإقراض الله قرضاً حسناً إنما يكون ببذل المال بلا منٍ ولا أذى رغبةً فيما عنده، والقرض الحسن هو القرض الذي لا يعقبه سوءً، وتكفير السيئات سترها ليعفو عنها فيما بعد حين يدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار، وبيّن عاقبة من تنكر لأوامر الله وأعرض عنها ومن ارتد عن دين الله وهدي رسله فحكم عليه بأنه ضل الطريق المستوية التي لا عوج فيها ولا أَمْت، لكنّ بني إسرائيل لم يلتزموا وخالفوا فعاقبهم الله في الدنيا عقاباً تقشعر لهوله الجلود ومع ذلك أمر بالإحسان إليهم والصفح عنهم، ما أجمله من كلام قال: { فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ } "ما" هنا زائدة لتقوية المعنى وإثبات أنهم مصرون على باطلهم متمسكون به مبتعدون عن الحق، والميثاق هو العقد المؤكد { لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ } لعناهم أي طردناهم من رحمتنا وجعلنا قلوبهم قاسية لا تقبل الحق ولا تميل إليه بسبب كفرهم ولعن الله لهم وعبّر عن قسوتها بجملة حاليّة { يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ } أي يغيرونه ويصرفونه إلى معانٍ غير المعنى الذي أراده الله وأمر به رسول الله، فلما قال لهم قولوا حطة قالوا حبة في شعيرة يعني حنطة، ولما أمرهم أن يدخلوا الباب سجدا دخلوا على أستائهم كمثل حبو الطفل، وهكذا يغيرّون كلام الله طمعاً في حطام الدنيا، { وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ } النسيان أوله غفلة لا تجوز على الله وآخره تركٌ وهو المراد هنا ، أي تركوا نصيباً أو جزءً مما كلفهم الله بحفظه كالبشارة بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصفته، ثم قال: { وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ } فبيّن أن خُلقهم متشابه وأوصافهم تتكرر ودأب الآخرين كدأب الأولين، إلا أن القرآن ينصف الخصم ويدعوا إلى مسامحته وتقبله ويفتح باب التوبة ترغيبا، لذلك استثنى فقال { إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ } تخلقوا بأخلاق الإسلام واتبعوا منهج محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فإذ لم يظهروا عليك فعامل الجميع بالإحسان فسحاً بالتوبة وحضاً عليها وترغيباً بها، { فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ } وذيّل الآية بما يعين على الدعوة إلى الإيمان والإسلام بالقدوة الحسنة والخلق النبيل فقال: { إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } وهذه دعوة للمسلمين أن يحسنوا التعامل مع الآخر، ويؤدوا إليه حقوقه كاملة لا ينقصونه شيئاً منها فيكونون دعاةً بالقدوة مظهرين أخلاق الإسلام عملياً مع المخالف. ولما تحدث عن اليهود أتبع الحديث عن النصارى فقال: { وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ } أي عهداً مؤكداً عليه كمثل ما فعل مع اليهود وكلفهم تكاليف لم يذكرها القرآن ومن خلال مطالعة الإنجيل تبيّن لي أن جله مواعظ وآداب وليس فيه من الأحكام إلاّ اليسير، كمثل تحريم الطلاق وتحريم الزواج بالمطلقة، إلا أن أحكامه مستمدة من كتاب موسى أو من تعاليم الكنيسة على مر العصور، لا جرم ناسب أن يقول: { فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ } أي تركوا العمل بما كلفهم الله العمل به فنتج عن ذلك فسادٌ كبير ونزاع داخل طوائفهم ومعهم ومع اليهود ومع المسلمين فيما بعد وهو ما عبر عنه قوله: { فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} واغراء العداوة والبغضاء تهييجها وإثارة القلوب على ذلك ما يثمر عداوةً واختلافاً، فالطوائف مختلفة متنافرة وأحيانا متعادية إلا أن الجميع يجتمعون على حرب الإسلام والمسلمين وأوعدهم فقال: { وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } من الأعمال المخالفة، اما شرع الله فبينه رسوله عيسى ومن قبله موسى، وهنا حان الوقت لدعوة أهل الكتاب وفي دعوتهم تثبيت للمسلمين على السراط وحضٌ لهم على اتباع ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم لأن القرآن نزل لدعوة المسلمين فحين يخاطب أهل الكتاب يخاطب المؤمنين ضمناً، وحين يصف منهج الإسلام يحض المؤمنين على اتباعه ويرغبهم في ذلك، فقال: { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا } يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، { يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ } ككلام عيسى في المهد وما قاله، وصفة محمد صلى الله عليه وسلم والتوحيد الخالص الذي جاء به عليه السلام، { وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ } يعني ما لا فائدة فيه، ولا يترتب عليه عمل أو حساب من ثواب أو عقاب، { قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ } هو محمد بما يبيّن من الأصول الأصيلة لدين الله والعقائد التي اتفقت عليها رسالة السماء، { وَكِتَابٌ مُّبِينٌ } بينٌ في نفسه مبيّنٌ للأحكام من الحلال والحرام، وما يحتاج إليه الناس في حياتهم من معاشٍ وغيره وما يصلح حالهم في دينهم ودنياهم وآخرتهم وهو ما فصله في قوله: { يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ } أي يوفق الذين التزموا المنهج وعملوا بما أمرهم به الله من الأعمال الصالحة وسعوا في طلب رضى الله بطاعته يوفقهم إلى الطرق الموصلة إلى السعادة في الدنيا بطاعة الله ما يثمر بصيرة نيرة وعملاً موافقاً لما شرع الله { وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ } أي الجهل والكفر والنفاق والهوى والبحث عن المصالح الشخصية { إِلَى النُّورِ } نور الإيمان والعلم والوحي الإلهي والشرائع، {بِإِذْنِهِ } أي برضاه وتوفيقه: { وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } أي دين الإسلام لأنه أقرب طريق يوصل إلى رضوان الله والفوز بسعادة الدنيا والآخرة، وهاقد جاء وقت الحكم المبرم { لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ } المسيح ابن مريم أبعد ما يكون عن الألوهية لأن الله لا بداية لوجوده وبالتالي لا نهاية، فوجوده لم يُسبَق بعدم ويخلق الإنسان والحيوان في ظلمات ثلاث: ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة، ويخلُق من العدم، أما المسيح فمسبوق بالعدم ومنتهٍ إليه كما زعمت النصارى، حتى ولو كان القول بصَلبه غير حقيقي فسيموت كما يموت البشر، والمسيح خَلَق من الطين: جبله على الأرض وصنعه بيده ثم قال له: كن طيراً بإذن الله وهذه خاصية للمسيح ذكرها القرآن في معرض البشارة به في سورة آل عمران وسيأتي نظيرها في المائدة، ومخلوق المسيح يعيش ويتحرك ما دام مرئياً من الناس، فإذا غاب عن أعين الناس سقط، والمسيح مخلوق من امرأة والله لم يلد ولم يولد، فثبت حكم الله بالأدلة الحسيّة، ولما كان المسيح أعجزَ من أن يكون اللهَ أو ابن الله أو فيه جزء من الله أكّد على الحكم بقوله: { قُلْ } يا محمد { فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا } فالمسيح وغيره من المخلوقين في قبضة الله يحيي من يشاء ويميت من يشاء ولا أحد من المخلوقين يؤثر على الله فيحمي أحداً من الموت لأن جميع المخلوقين من البشر والحجر والشجر وغير ذلك خلق الله وملكه وعبيده { وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاء } نبّه بالقسيم على قسيمه يعني ويهلك من يشاء فقدرة الله تتحكم بجميع الممكنات إيجاداً وإعداما { وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }. ثم انتقل القرآن إلى بيان فساد مقولةٍ قالها اليهود والنصارى زاعمين أنهم قريبون من الله يحبهم الله ليردها بالدليل والحجة كما رد التي قبلها { وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ } عبّروا عن قربهم من الله وحبهم له وحب الله لهم بقولهم أبناء الله وأحباؤه، هذا إدعاءٌ لا دليل عليه أجاب عنه القرآن إجابةً مفحمة معرضاً عنهم مكلفاً رسوله بإبلاغهم الحقيقة التي لا شك فيها { قُلْ } يا محمد صلوات الله وسلامه عليك { فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم }، هذه الفاء هي الفصيحة أفصحت عن شرط مقدّر والمعنى إذا كنتم كما تدعون فلم يعذبكم بذنوبكم، أيعذب المحب أحبابه وأقرب الناس إليه ثم بيّن أن قولهم غير صحيح { بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء } كأنه قال لهم أنتم بشر يجري عليكم ما يجري على جميع البشر وأنتم كغيركم في قبضة الله يعفو عمن يشاء ويعذب من يشاء فالكون كله مملوك له وأنتم من جملته { وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ } فيحاسبكم أنتم وجميع البشر ويحكم على كل واحد الحكم المناسب بحسب أعماله، وأكد على أن كل الخلق مصيرهم إليه يحكم عليهم الحكم المناسب الذي يستحقونه لا يحابي أحداً لأنه عدلٌ وحكمه عدل. مرة ثانية ينادي أهل الكتاب وفي ضمنهم أهل مكة بل والناس جميعا ولأنه شرّف أهل الكتاب بالخطاب إن قلنا المراد بهم اليهود والنصارى فإن المسلمين كذلك أهل كتاب لأن القرآن كتاب الله وهو يقول للجميع { قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ } فمحمد صلى الله عليه وسلم جاء بعد عيسى بما يقارب خمسمائة وسبعين سنة وبعد موسى بحوالي الألف وبعد إسماعيل بنحو ذلك وبين محمد وعيسى ومحمد واسماعيل لم يذكر القرآن رسلاً وإن كانت الكتب القديمة ذكرت رسلاً لم يسمهم القرآن فالله أعلم، إلا أن قوله على فترة من الرسل يدل دلالة شبه مؤكدة أنه لم يكن بين عيسى واسماعيل ومحمد رسل بل كانت فترة من الرسل أي توقف، ويؤكد على هذا أنه إنما أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم ليقطع حجة القوم في نفي الرسالة ويقيم عليهم الدليل الذي يلزمهم بطاعة الله، وقوله { رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ } علله بقوله { أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ } كأنه قال إنما أرسلت محمداً صلى الله عليه وسلم لأقيم عليكم الحجة وألزمكم باتباع ما جاء به وأقطع عنكم الإعتذار أي لأن لا تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير { فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } فهو قادر على ارسال الرسل يبشرون المطيع وينذرون العاصي ويقيمون الحجة على الخلق فيصلحون المجتمع وينشرون الأخلاق الفاضلة والعقائد السليمة فيه. وههنا قصة من الزمان الغابر هي قصة الجبن والتخاذل والخوف من الناس وعدم مواجهة المنكر قصة قوم أخرجوا من ديارهم وأبنائهم ظلماً وعدوانا، فطلب إليهم أن ينصروا الحق، ويدافعوا عنه فجبنوا، { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ } بدأ البيان بالتشريف لينتقل منه إلى التكليف، ونعمة مفرد مضاف إلى لفظ الجلالة والمراد الجنس كأنه قال نعَم الله عليكم، طوى بعضها وذكر بعضها فقال: { إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ } ، ما أجمله وهو يشرف بني إسرائيل على لسان موسى ويشرف المسلمين بكلام رقيق بعيد عن الهجوم والتطرف، فإذا كان الله قد جعل في بني إسرائيل أنبياء وجعلهم ملوكا وأعطاهم ما لم يعطِ أحداً من العالمين، فإن الله أكرم المسلمين فجعل في بلادهم خيرات الدنيا: الذهب، النحاس، الفوسفات، البترول، الغاز، المواد المشعة، وغير ذلك مما لم يهتم المسلمون بالعناية به وإخراجه من الأرض أو من الماء أو من الصخر، وتركوا لعدوهم التحكم فيه، وقد جعل علماء المسلمين كأنبياء بني إسرائيل وملّك المسلمين الأرض فكان لهم دولة وسلطان ففي إشارة الآيات كما أعطى اليهود ما لم يعط أحداً من عالميّ زمانهم، أعطى المسلمين مثل ذلك بل ما لم يعطِ أحداً من العالمين ربما إلى يوم القيامة، وإذا كانت خيرات الدنيا موجودة في بلاد المسلمين فإن أوجب واجب عليهم أن يتعرفوا عليها ويستخرجوها ويفيدوا منها، على أن الله جل جلاله قد أعطى المسلمين القرآن فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، القرآن هو الفصل ليس بالهزل من حكم به عدل، ومن عمل به أُجر، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم لو أن المسلمين يتدبرونه فينتفعون به في عاجل أمرهم وآجله، هذا التشريف أما التكليف ففي قوله: { يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ } يعني دخولها وملككم إياها { وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ } كأنه يقول لهم لا تجبنوا عن مقاتلة الأعداء وابذلوا في ذلك النفس والنفيس، وفي ضمن ذلك يحض المسلمين على الجهاد في سبيل الله لنصرة الحق وإقامة العدل ومنع الظلم تأمين الضعيف والعاجز والمظلوم والبطش بالمعتدي الجبار، وجبن هؤلاء كجبن اولئك { قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ } اعتمدوا الإشاعات والتضليل والإرهاب فجبنوا، { وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ } يريدون أن يُفعل لهم كل شيء ولا يريدون أن يفعلوا شيئاً { قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ } الضمير في يخافون يجوز أن يكون لله، أي يخافون الله ويجوز أن يكون للقوم ذلك أنه بقي مع موسى رجلان مؤمنان صادقان هما يوشع بن نون وآخر، ويجوز أن يكون الضمير عائداً إلى الجبارين وأن يكون هذان الرجلان من العماليق آمنا بموسى واتبعا منهجه ودعوا بدعوته فأخبروهم أن القوم وإن كانت أجسادهم كبيرة فإن عقولهم صغيرة وأنهم إن كانوا أقوياء فإنهم جبناء، وأن على بني إسرائيل أن يثقوا بالله ويعتمدوا عليه وأنهم إن فعلوا نجحوا كما قال الله { قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } وبيّن لهم أنهم إن توكلوا على الله واعتمدوا عليه ووثقوا به إنتصروا وذلك يوجب عليهم أن يثقوا بالله ويحكمونه ويرضوا بحكمه، لكنّ الجبن قد أخذ من عقولهم وقلوبهم كل مأخذ وسيطر على مشاعرهم، فبدل أن يستجيبوا للرجلين ويطيعوهما ردوا على موسى رداً قاسيا يدل على شدة خورهم وضعفهم وجبنهم، { قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا } أصروا على باطلهم وتمسكوا به واغتروا بما ادعوه من حب الله لهم وقربهم منه فقالوا { فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ } يريدون أن يقاتل الله ونبيه عنهم لتكون الثمرة لهم والمصلحة مصلحتهم، هنا تحسّر موسى وبث الله شكواه { قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي } أي لا أملك إلا أمر نفسي ألزمها الطاعة {وَأَخِي } هارون لا يملك إلا نفسه ولإن استطعت أن أنفذ أمرك أنا وأخي فإننا عاجزون عن إلزام القوم بذلك، لذلك نطلب إليك أن تفرق بيننا وبينهم { فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ } الفسق بدايته خروج من دائرة الطاعة إلى دائرة المعصية والفاء هي الفصيحة والتقدير إذا كنت لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين لأنهم جبناء مترددون لا يصلحون لإقامة مجتمع فاضل، وهنا حكم الله حكماً قد يفيد المسلمون منه في أيامنا هذه في جزء منه على الأقل { قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ } بين أن هؤلاء المتمردون الجبناء لن يدخلوا الأرض المقدسة حتى يموتوا وقد كان كما أخبر فمات القوم في التيه { أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ } فمات هارون وموسى والجيل الذي تمرد على موسى ولم يبق إلا الرجلان يوشع بن نون وآخر، وعندما حضر موسى الموت عهد إلى يوشع ابن نون أن يكون بعده على بني إسرائيل وأن يدخل بهم الأرض المقدسة وقد كان كما أراد موسى عليه السلام، وقوله { أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ } يمكن الإفادة منه في بناء مجتمع فاضل يربى تربية صالحة في شبه عزلة عن المجتمع الفاسد لينشأ على طهارة وصفاء بعيداً عن أن يتلوث بأفكار ومبادئ المنحرفين ينشّأ في مؤسسة ترعاهم وتهتم بهم إلى أن يبلغوا كمالهم فيغيّرون ما ساء من أخلاق الناس بعد أن يكونوا قد تربوا على الفضائل والأخلاق الحميدة، أما الفاسقون فالله يتولاهم ويجزيهم على فسقهم، لذلك ختم الآية بقوله { فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ }. هكذا بين القرآن ما كان من أمر بني إسرائيل بصريح العبارة ودعا المسلمين أن لا يتخلقوا بأخلاقهم ولا يسيروا سيرهم بلطيف الإشارة، فجمعت الآيات بين الإنذار والبشارة وحضت على اتباع الرسول وطاعته والتزام أمره، فكان في الآيات دعوة لأهل الكتاب وللمسلمين أن يتذكروا نعم الله عليهم وأن يشكروها بطاعته وإتيان ما أمر به وترك ما نهى عنه، فاللهم وفقنا وسددنا.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة