الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

أوفوا بالعقود!!  
سورة المائدة   الآيات 1 - 10


لما وعد بالبيان في آخر سورة النساء وقرر أنه بكل شيء عليم، ناسب أن يبدأ سورة المائدة وفاءً بما عاهد عليه وكأنه يطبق ما أمر به في أول آية من سورة المائدة، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ } العقود جمع عقد وهو العهد المؤكد وعادةً ما يكون بين طرفين بين الله وعبيده وبين العباد بعضهم مع بعض، وال في { بِالْعُقُودِ } للاستغراق لأنه جمعٌ معرّف وهي بقوة كل كأنه أمر بالوفاء بكل العقود وتنقسم إلى قسمين كما أسلفت، وبدأ بأولهما العقود بيننا معشر المكلفين وبين الله عز وجل.
قال عبادة بن الصامت:"بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا"، وأولاها بالوفاء موضوع الحلال والحرام لذلك بدأ به فقال: { أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ } أي الأكل منها والأنعام أربعة أزواج: الإبل والبقر والغنم والماعز، وجعل كلمة بهيمة مضافة إليها ليدخل ما في معناها من الحيوانات التي يجوز أكلها وهي التي تأكل العشب وتتغذا به وليس لها ناب تفترس وقال هنا { بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ } ليعمم الحكم في الجميع واقتصر في الحج على الأنعام لأن الهدي لا يكون إلاّ من الأزواج الثمانية دون غيرها، وقوله إلا ما يتلى عليكم استثناء مجمل أي أن بعض بهيمة الأنعام لا يباح أكله، ويسميه أهل الأصول مجملاً يحتاج إلى بيان من الله أو من رسوله، وأتبعه باستثناء مفصّل { غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ } فحرم على الناس الصيد في حالتين: حالة الإحرام بالحج أو العمرة وحالة الإقامة في البلد الحرام، لأن حرُم جمع حرام يستوي فيه الذكر والأنثى فيقال: "رجلٌ حرام وامرأة حرام إذا كانا في الحرم"، أو كانا محرمين بحج أو عمرة، وذيّل الآية بقوله: { إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ } فالملك ملكه والخلق خلقه والأمر أمره، لا راد لحكمه ولا معقب لأمره، وبعد أن بيّن ما يحل أكله جامعاً بين الإجمال والتفصيل إنتقل إلى الأفعال مبتدئاً بما هو حق لله عز وجل، متعارفٌ عليه بين الناس فقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ } الشعائر جمعه شعيرة فعيلة بمعنى مفعولة وهي التي جعل الله تعظيمها علامة على تعظيمه وعلى هذا يدخل فيها الصفا والمروة لما تقدم، والبدنة لما يأتي في الحج فشعائر الله هي الامور التي في تعظيمها تعظيم لله، وعطف عليها بعضها من باب عطف خاص على العام فقال: { وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ } أي الأشهر الحرم وهي أربعة: المحرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة، كان العرب يعظمون هذه الأشهر ويتوقفون عن القتال فيها، فأقرهم الرسول صلى الله عليه وسلم فترة من الزمن لكن لماّ اعتدوا فيها أمر بردّ الإعتداء على ما يأتي في التوبة، { وَلاَ الْهَدْيَ } الهدي ما يهدى إلى فقراء الكعبة مما يذبح في مكة وهو نوعان: هدي شكر لمن مكنه الله من الجمع بين الحج والعمرة في عام واحد وتمتع بما هو حرام في مكة، وهدي جبران وهو نوعان: نوع يجب في التعدي في الإحرام، كأن يلبس مخيطاً أو يحلق أو يستر الرجل رأسه أو وجهه أو قدميه بما يعد ساتراً، والثاني هو الواجب بقتل الصيد في البلد الحرام أو في حرم مكة الممتد من الحديبية (الشميسة) إلى وادي عرنة جهة عرفات ومن وادي فاطمة على جهة المدينة إلى الجعرانة على طريق الطائف، { وَلاَ الْقَلآئِدَ } والقلائد جمع قلادة والأصل فيها ما يوضع في عنق المرأة خاصة، لكن المراد بها ههنا الهدي نفسه وأشار إلى نوع منه، لأن الهدي إما مقلّد أي معلق في عنقه لحا شجرٍ أو حذاءٍ أو غير ذلك، علامةً تعارف عليها أهل ذلك الزمان، وإما أن يراد بها ما يعلق في عنق البعير أو الناقة مما يريد صاحبه أن يبيعه في الحرم وبتصدق بثمنه كعقد لؤلؤٍ مثلا، {وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا } معنى آمّين جمع آمّ وهو القاصد وقوله { آمِّينَ } أي قاصدين { الْبَيْتَ الْحَرَامَ } الكعبة، { يَبْتَغُونَ } أي يطلبون، { فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ } أي رزقاً، }وَرِضْوَانًا { إشارة إلى ثمرة العبادة وهذا من احترام المسلم لغيره بعدم إنكار عمله ما دام يزعم أنه يطلب رضى الله ولهذا الجزء من الآية قصة، لما رجع المسلمون من صلح الحديبية ومنعوا من دخول الحرم مرّوا في طريقهم بقافلة من المشركين تقصد البيت الحرام للعبادة بزعمهم والتجارة، فأراد المسلمون الإعتداء عليها، والإنتقام بمقاتلتها من أهل مكة، فنهوا عن ذلك وسيتضح ذلك مما يأتي لكنه قبل أن يفصّل الآية في هذه المسألة أدخل عليها مسألة ثانية وهي قوله: { وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ } لما حظر الصيد في الآية الاولى جاء هنا الأمر بالصيد لأنه حظر مؤقت فالصيد حرّم ما داموا محرمين أو في الحرم فإذا خرجوا من الحرم أو حلّوا من إحرامهم جاز لهم الصيد، وهذه جملة اعتراضية يبن قوله: {وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا } وقوله: { وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ } فالجزء الأول نهى عن التعرض لقاصدي بيت الله الحرام ما دام أنهم لا علاقة لهم بأهل مكة، ولما كان الإعتداء على المسالم لا يجوز جاء القسم الثاني ليوضح ذلك أحسن ما يكون التوضيح فقال: { وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ } ضمّن يجرمنكم معنى يحملنّكم، لأن المجرم يحمل ما كسبت يداه من خير أو شر حساً أو معنى وشنئان صيغة مبالغة من قولهم شنأته أشنؤه شنئاً وشنئان ومعناه الإمتلاء بالبغض، وإن كان السبب مشروعاً كما هنا وأشار إليه { أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ } فبغض هؤلاء نتيجة حتميّة لإيذاء اولئك ولأن الجميع يتعاونون على حرب المسلمين وصرفهم عن الإيمان ومنعهم من دخول الحرم والتعبد فيه، وقوله:{ أَن تَعْتَدُواْ } حذف متعلقها والتقدير على غيرهم لأن قاصدي البيت الحرام الذين منعوا من التعرض لهم غير الذين مَنعوا المسلمين من دخول الكعبة والذي يوضح هذا السياق، وسبب النزول وقوله: { وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى } والبر كلمة جامعة لجميع صفات الخلق النبيل والتقوى تجنّب التصرفات المشينة التي تسيء إلى المتصرف أو إلى جماعته، ومفهوم قوله: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى } منطوق قوله: { وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ }، ومفهوم قوله: { وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ }تعاونوا على البر والتقوى، بهذه الطريقة جمع الله المسلمين على أكرم خُلق وضبط ذلك كله بقوله: {وَاتَّقُواْ اللّهَ} وهي كلمة جامعة لجميع خصال الخير، وختم الآية بقوله : { إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }فمن يتجرأ على مخالفة أمره يعرّض نفسه لعقابه، ثم لمّا قدّم المقدمات بدأ ببيان ما أجمل في الآية الأولى في قوله: {إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} فقال: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ } المراد بالميتة إثنان: أحدهما غير مأكول في الأصل فلا تنفع فيه تذكية ولا يأكل مذكاً أو ميتاً والثاني مأكول اللحم إذا لم يذكى تذكية شرعية بذكر اسم الله عند ذبحه وقطع الحلقوم والمريء والودَجين وعدم قطع الرقبة عند مفصل الظهر، ويدخل في الميتة ما ذبح على غير اسم الله وما مات خنقاً أو غرقاً على أنه سيشير إلى بعض الميتات، ويستثنى من عمومها ميتة السمك والجراد، لقوله صلى الله عليه وسلم في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" وقول الصحابي: "غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوات نأكل الجراد"، فإذا مات السمك في البحر خلافٌ للفقهاء في حل أكله، والأحوط في أيامنا لا لأنه ربما مات نتيجة سم أصابه، والمحرم من الميتة أكلها دون لمسها وفحصها والنظر إليها، { وَالْدَّمُ} والمراد به المسفوح منه دون الجامد كالكبد والطحال والدليل { قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا} ، {وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ } الخنزير حيوان معروف وكله محرّم لحمه وشحمه وعظمه وجلده وشعره، وإنما اقتصر في الآية على اللحم لأنه المقصد الأهم من تربيته، { وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ} أي ما ذبح على غير اسم الله سواءً على الإنفراد أو على الإشتراك مع غير الله، فلا يصح أن يقول باسم فلان ولو كان ولياً من أولياء الله أو نبياً من أنبيائه ولا أن يذكر مع الله غيره ولو قال بسم الله ومحمد رسول الله، لأن الخلق لله والإذن بأكله من الله فلا يباح الأكل إلا مما ذكر اسم الله عند ذبحه، لم يشرَك معه غيره، ثم ذكر أنواعا من الميتة يحذّر من أكلها فقال: { وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} المنخنقة هي التي خنقها إنسان أو خَنقت نفسها بأن لُفّ الحبل على عنقها فخنقها من غير تدخل آدمي وهذا هو السر بقوله المنخنقة وعدم قوله المخنوقة، لأن المخنوقة معروف خانقها، والموقوذة التي ماتت بمثقّل كعصا أو حديدة غير جارحة أو حجر، والمتردية التي سقطت من شاهق، والنطيحة أي المنطوحة التي نطحتها أختها أو غيرها، وما أكل السبع بعضه وترك بعضه، فإن كان فيه حياة مستقرة وذكّي تذكية شرعيّة جاز أكله وإلا فلا، ولما ذكر قوله: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ } أكد عليه بقوله: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} والنصب جمع نصاب وهو الحجر الذي يذبح عليه عند الذبح للأصنام، وذلك لا يكون إلا إذا ذبح للأصنام يريد أن يتعرف إلى ما قسم له بواسطة الأزلام وهذا هو السر في الجمع بين ما ذبح على النصب { وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ} لأن الأزلام موضوعة في كيس عند الصنم والسادن هو الذي يأكل المذبوح على النصب وهو الذي يُخرج أحد الأزلام من الكيس، ولما كان الذبح للصنم والإستقسام بالأزلام منكراً لا يرضاه الشرع قال: {ذَلِكُمْ فِسْقٌ} فالاستقسام بالأزلام وهي ثلاثة عيدان كمثل يد الرمح مكتوب على أحدها أمرني ربي وعلى الثاني نهاني ربي وعلى الثالث لا شيء، فإذا اراد الرجل أن يعمل شيئاً ذبح على النصب للصنم واستقسم بالأزلام، فإن خرج له أمرني ربي مضى إلى ما أراد، وإن خرج الثاني نهاني ربي كفّ عن هذا العمل وصرف النظر عنه، وإن خرج الثالث أعاد العملية فذبح خروفاً جديداً أو ناقة جديدةً أو بقرة وأعاد العمليّة وهذا كله منافٍ للدين من أعمال الجاهلية، لا جرم حكَم أنه فسق، {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ} تكررت كلمة اليوم هنا ثلاث مرات هذه أولاها، ولما كان المعرف إذا تكرر كان هو هو، فهذا يومٌ واحد هو يوم عرفة في السنة التي حج رسول الله صلى الله عليه وسلم واليأس قطع الأمل {مِن دِينِكُمْ}يعني من إبطال دينكم لأن هم المشركين كان في إبطال الإسلام وصرف الناس عنه، وقد بذلوا في ذلك كل غال ونفيس، لكن الله نصر الحق وأقام الإسلام وتحولت مكة دار إسلام، لذلك عطف على الآية بالفاء الفصيحة فقال: {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ }لأنهم ضعفاء والله قوي، فقراء والله غني، وفي هذا تقوية للنفس وشحذ للهمة كأنه قال مهما يكن من أمرٍ فلا تخْشَوهم، وفي الحديث تغزون فيقال هل فيكم محمد فيقال نعم فيفتح لكم، ثم تغزون فيقال هل فيكم من رأى محمداً فيقال نعم فيفتح لكم، ثم تغزون فيقال هل فيكم من رأى من رأى محمداً فيقال نعم فيفتح لكم، إنه الحق الثابت فاليوم جميع كلاب الأرض تنبح على الإسلام وجميع الأشرار يجهدون في محاربته حتى من المسلمين وهو واقف في وجه الجميع صامدٌ كالجبل وهجومهم يعود عليهم بالوبال، صدق الله وبعد أن قرر هذه الحقيقة قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا }، هذه آخر آية في الأحكام نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وما نزل بعدها آداب وأخلاق ونعي نفس النبي اليه، على ما أبينه في محله "إن شاء الله" وإتمام الدين وإكماله إنما هو بتقرير أحكامه بأن القرآن نزل مفرقاً في بضعٍ وعشرين سنة، وإتمام النعمة بتوفيق الصحابة للإيمان ونصرة الحق والدعوة إليه ونشره، ورضى الله لنا الإسلام دينا قبوله منا وتوفيقنا إلى قبوله، ولما قرر هذه الحقائق تفضّل على المضطر فرخّص له أشياء كان حظرها عليه فقال: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ } ال {مَخْمَصَةٍ } هي المجاعة الشديدة التي يُخشى معها فوت الحياة ومعنى اضطر إفتعال من الضرورة وعليه فالمعنى: من ألجأته الضرورة من مجاعة شديدة إلى أكل شيء من المحرم أو شرب شيء من المحرم {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ } أي غير مائل إلى الحرام مع وجود الحلال ولا راغبٍ في ما حرم الله عليه، إنما حملَه على ذلك الضرورة وخوف الموت، ولما كانت الضرورة تقّدر بقدرها فيجوز له أن يأكل ما يسد رمقه ويبقي حياته لا ما يتلذذ به ويستمتع، يشعر بذلك التعليل { فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } غفور لأنه تجاوز له عن سيئة اقترفها ورحيم لأنه رفع عنه ألم الموت جوعاً، والمجاعة إما عارضة أو دائمة والجائع إما مقيم أو مسافر فإذا كان مقيماً فلا يأكل من الحرام إلاّ بقدر ما يبقي حياته ولا يتزود منه ولا يحمله، وإن كان مسافراً جاز له أن يتزود بالحرام حتى يجد الحلال فيلقي بالحرام ويتناول الحلال، ولما ذكر المحرمات كأن سؤالاً نشأ في نفس السامعين ربما عبروا عنه فأشار إليه القرآن بقوله: { يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ } ؟ وهذا السؤال ربما جرى على ألسنة بعض حديثي العهد بالإسلام أو ضعاف الإيمان، فيه التعبير عن كثرة المحرمات وقلة الحلال لذلك تولى القرآن الرد موجها الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم إعراضاً عن السائلين لأن الأدب كان يلزمهم بعد سؤالٍ كهذا وإن كان في إجابة القرآن شيء من اللطف معه، لأنه بعد أن وجه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم التفت اليهم { قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} الطيبات في عرف القرآن كثيراً ما تستعمل للحلال لكن هنا جمع بين الحلال والطيبات ليبين أن الحلال ما أذن الله بأكله والطيبات ما تستلذه الفطرة السليمة التي لم تتلوث بالقذارات، كفطرة أهل مكة ويُرجع في هذا إلى عرف أهل مكة فما استطابوه فهو طيب وما لا فلا، فبعض الحلال طيب وبعضه غير طيب عند أهل مكة كالضّب فإنه حلال لكن أهل مكة لا يأكلونه، أما إنه حلال فلأنه أُكل على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإما إنه غير طيب فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأكله، ولمّا قيل له أحرام هو؟؟ قال: لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه، ولما ذكر الطيبات فصّل القول في نوع منها فقال: {وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ } الجوارح جمع جارح وهو إما حيوان أو طير فمن الحيوان الكلب ومن الطير الصقر والباز، وجميعها لا تُؤكل ففي الآية محذوفٌ بين الواو وما علمتم والتقدير "وصيدُ ما علَّمتم من الجوارح" وقوله: {مُكَلِّبِينَ } كلّب الرجل وأكلب إذا درّب الكلاب للصيد، ومكلّبين صيغة مبالغة وذلك ليدلّ على أن اللجوء إلى المعلّم الماهر في تعليمه ولو كان لتعليم الحيوان، وفصّل الحال من مكلّبين بقوله: { تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ }جملة { تُعَلِّمُونَهُنَّ} في موقع حال وصاحبها الضمير في مكلبين وقوله {مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ} أي أذن لكم في تعليمهن ورضي لكم استخدامهن في الصيد، ولا بد من ذكر اسم الله عند إرسال الصيد ليحِل أكل الصيد بواسطة الجارح، بل لا بد فيه من شروط أشار إليها قوله: {فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ }لا يحل الأكل من صيد الجارح إلا إذا توفرت ثلاثة شروط، الأول: أن يكون معلما وذلك يظهر من استرساله إذا أرسل، وانزجاره إذا زجر، الثاني ذكر اسم الله عليه عند ارساله، وأما الثالث فأن لا يأكل من الصيد فإذا أكل فلا يحل أكله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعَديّ ابن حاتم: "إذا أرسلت كلبك المعلّم وذكرت إسمَ الله عليه فكل مما أمسك عليك فإن أكل منه فلا تأكل فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه،فإن غاب عنك يوماً أو يومين ولم تر فيه أثراً لكلب غيرك فكل فإن رأيت فيه أثراً لغير كلبك فلا تأكل، فإني أخشى أن يكون غير معلّم"، فقررت هذه الآية أن الصيد حلال وأن من آلات الصيد الجوارح وأن الجارح يجب أن يكون معلماً ويجب ذكر اسم الله عند ارساله وكلها أمور غيبية تعتمد الثقة والإطمئنان وتحتاج إلى المراقبة الذاتية، لذلك ختم الآية بقوله: {وَاتَّقُواْ اللّهَ } فأوكل إلى المكلف مراقبة الله فيما يقدمه من طعام لأهله أو ضيفه أو نفسه ويتأكد أنه حلال طيب وعلل الأمر بتقوى الله بما يعين على ذلك ويؤكد عليه {إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ } أي إن حسابه حاصل لا محالة تقدم الزمن أو تأخر فيجب مراقبته والحرص على أن تكون الأعمال صالحةً مقبولة، { الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ } كرره ليعطف عليه ما بعده { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ } أي ما كان مما أذن الله لهم فيه، غير الميتة والخنزير وما ذبح على النصب أو ذكر اسم غير الله عند ذبحه على الإنفراد أو الإشتراك، وفائدة قوله: { وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ } لها فائدتين: الأولى تشريعية حين يكون طعامنا حل لأهل الكتاب يكون الثمن الذي نأخذه حل لنا، فإذا كان طعامنا حرام عليهم فلا يجوز لنا بيعهم ولا أكل الثمن الذي أخذناه، والفائدة الثانية تتعلق بالسياق والسباق، فذكر هنا كلمة "حل" مرتين وذكر { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ }، فدل على أن الرجل المسلم يستطيع أن يتزوج الحرائر العفيفات المؤمنات والحرائر العفيفات من الذين اوتوا الكتاب { إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } يعني مهورهن سماه أجراً على أنه أبعد ما يكون عن ذلك، لأن المهر قد يكون كثيرا فيتوهم الزوج أنه اشترى المرأة فصارت أمةً أو كالأمة، فهذا الترتيب دل على أن المرأة المسلمة لا تزوج إلا لمسلمٍ، وأما الكتابية تزوج إلى المسلم وإلى كتابيّ، وإنما أجاز للكتابية أن تزوج إلى مسلم لأنه يؤمن بدينها ويحترم معتقدها ويراعي حالها، وأما الكتابيّ فلا يؤمن بدين المسلمة ولا يراعي حالها وربما أساء إليها، فسدّاً للذرائع منع الإسلام تزويج المسلمة من غير المسلم، وذكرت الآية هنا المهر بالأجور وهو أبعد ما يكون عن الأجر لأن بالعقد تستحق المرأة نصفه ولو أمضت حياتها مع الرجل لا تستحق إلا المسمى، أما الأجرة فتختلف، وقوله: { مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ } أي متعففين بالزواج عن الفاحشة فمفهوم محصنين هو منطوق غير مسافحين ومفهوم غير مسافحين هو منطوق محصنين، فأكد مفهوم الأولى بمنطوق الثانية ومنطوق الثانية بمفهوم الأولى، ولما كان الزنا نوعان أشار إلى أحدهما بال{ مُسَافِحِينَ } وهو الزنا الذي يكون عند البغابا، وأشار إلى الثاني { وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ } فالخدن الصديق من الطرفين وربما مارس معه الزنا لكن على سبيل الإختصاص به، لا مع العامة، وأكد على عدم تزويج المؤمنة للكتابي أو غير المسلمين، بقضية شرطية يستفاد منها حكم ديني ودنيوي وأخروي فقال: { وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } كأنه يقول من يستحل تزويج المسلمة من غير المسلم يستحل محرماً معلوما تحريمه من الدين بالضرورة، ومن يفعل ذلك فقدَ ثواب أعماله الصالحة في الدنيا وفقدَ الثواب في الآخرة. ولما أنهى الكلام في أحكام المعاملات إنتقل إلى العبادة مبتدءاً بشروط الصلاة أعني الطهارة فقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ } دخل على إذا الفعل الماضي فأفاد التأكيد والتكرار والمعنى كلما قمتم إلى الصلاة، وبينت السنّة المطهرة أن ذلك واجب إذا كان القائم إلى الصلاة محدثاً حدثاً أصغر ونلاحظ أن هذه الآية بيّنت فرائض الوضوء وهي ستة، أشار إليها بقوله: { فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ } ففرائض الوضوء أربعة مذكورة هي: غسل الوجه والإيدي مع المرافق ومسح الرأس وغسل الرجلين مع الكعبين، واثنتان إحداهما فُهمت من السياق وهي الترتيب الذي راعته الآية مع أن الواو لا تقتضيه، والثانية النية لأنه عبادة وكل عبادة تحتاج إلى نية، والوجه من أعلاه جهة الرأس أو من الناصية إلى أسفل الذقن، ومن الأذن إلى الأذن ويدخل فيه البياض تحت الأذن، والأيدي تغسل مع المرافق لأن اليد تتطلق على مفصل الكف وإلى المرفق وإلى الكتف، فهي لفظٌ مشترك يستعمل ثلاث استعمالات فقطع يد السارق من مفصل الكف والوضوء إلى المرفق ويدخل في ذلك المرفق لأن ما بعد إلى من جنس ما قبلها فيدخل الجميع، أما إذا كان ما بعد إلى جنساً آخر فلا يدخل، قال تعالى: { ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ } والليل غير النهار فلا يدخل مع النهار في وجوب الصوم، ومسح الرأس أقله شعرات وأدنى الكمال المسح باليد بأربع أصابع وأكمله أن يأخذ الماء بيديه فيمسح رأسه إلى الوراء ثم يعيده إلى الأمام ويمسح أذنيه، وهل يحتاج إلى ماء جديد للأذنين؟؟ خلافٌ بين الفقهاء، وغسل الرجلين إلى الكعبين وهما العظمان الظاهران في مقدم القدم عند التقائه بالساق، أما مؤخر القدم فيسمى العقب وفي الحديث "ويلٌ للأعقاب من النار" قاله عليه الصلاة والسلام حين أمر بإسباغ الوضوء، وقرئ { وَأَرْجُلَكُمْ } بكسر اللام ليعلمنا مسألتين فقهيتين: أولاهما الإقتصاد في استعمال الماء عند غسل الأرجل لأن الأرجل تكون حارةً فيأنس المتوضئ بالماء فيطلقه على قدميه وربما أسرف، والثانية إذا كان المتوضئ لابساً خفاً وهو ما يشبه الجورب مصنوعٌ من الجلد الناعم يغطي الكعبين وشيئاً من الساق، إذا لبسه على طهارة كاملة جاز له أن يمسح عليه يوماً وليلةً إن كان مقيما، وثلاثة أيام إن كان مسافرا، فجاءت هذه القراءة لهذا الغرض الفقهي، هذا كله إذا كان القائم للصلاة محدثاً حدثاً أصغر من نحو بولٍ أو ريحٍ أو قيءٍ، أما إذا أحدث حدثاً أكبر فأشار إليه بقوله: { وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ } أوجبت الشريعة على من خرج منه المني بأحد الأسباب المعروفة ولو نائماً يجب عليه الإغتسال بأن يعمم الماء على جميع بدنه، والمفروض أن الماء موجود ومتوفر وأن من يريد الصلاة قادرٌ على استعماله، فإن عجز عن استعمال الماء بسبب مرض أو فقد الماء فحكمه أشار إليه قوله: { وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء } فإذا كان مريد الصلاة عاجزاً عن استعمال الماء حساً بأن يكون في سفراً ولا يحمل ماءً يتوضأ به وليس في الطريق ماءٌ يتوضأ به أو حكماً بأن كان مريضاً أو لافاً جبيرةً في أعضاء الوضوء أو لأي سبب آخر يمنعه من استعمال الماء حكماً، أشار إليه قوله: { وَإِن كُنتُم مَّرْضَى } أي عاجزين عن استعمال الماء بسبب جروح أو قروحٍ أو غير ذلك، أو على سفرٍ أي عاجزين عن استعمال الماء حساً لعدم وجوده، واستعمل هنا "أو" ثلاث مرات مرتين على بابها مضت إحداهما وتأتي الأخيرة وأما الثالثة التي في الوسط فهي بمعنى الواو، والتقدير وجاء أحدٌ منكم الغائط إشارةٌ إلى الحدث الأصغر { أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء} إشارةٌ الى الحدث الأكبر فلم تجدوا ماءً على مابينت { فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ } فجعل التيمم بديلاً عن الغسل وعن الوضوء حال عدم وجود الماء أو العجز عن استعماله، يقول عليه الصلاة والسلام: "الصعيد الطيب طهور المؤمن وإن لم يجد الماء عشرَ سنين، فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسَّه بشرته"، ولا بد في التيمم من استعمال التراب الذي يُتخذ للزراعة ولا بد أن يصل إلى وجه المتيمم ويديه شيء منه، لأن "مِن" فيها معنى التبعيض وهو الأقرب لتحقيق الطهارة الحكميّة، وللفقهاء تفاصيل في هذا أُمسك عن ذكرها خشية الإطالة، ولما ذكر الوضوء والتيمم بيّن الحكمة من الشرع فقال: { مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ } فبيّن أن الحكمة في شرع الوضوء والغسل هو التطهير حساً لأن العرب كانوا يعيشون في صحراء فحقق لهم النظافة الحسية بالماء، لكنّ صعوبة الحياة وقسوتها قد تمنعهم من استعمال الماء لعدم وجوده، أو لإرتفاع ثمنه أو للحاجة الشديدة إليه للشرب ونحوه فشرع لهم طهارةً بديلة تخفيفاً عليهم إِذ كان في الزامهم باستعمال الماء مشقةٌ شديدةٌ، والمشقة تجلب التيسير وترفع الحرج، ثم أكد ما سبق وامتن به على الأمة فقال: {وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } ما أجمله حين أعادنا إلى ما تقدم { وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي}، ولعل حرف ترجي وهو مستحيل في حق الله، لذلك يفسرونها بحرف تعليل كمثل "كي" أو "لام التعليل"، وإنما آثر القرآن لعل لتحميلها معنيين: الأول التعليل أي شرع ذلك ليعلمكم الشكر، والترجي من المخاطبين كأنه قال لهم أطيعوا ما أمرتكم به وأنتم ترجون أن تكونوا من الشاكرين، وما يعينهم على ذلك هو تذكيرهم بنعمة الإيمان والميثاق الذي أخذه عليهم بالسمع والطاعة ما يلزمهم بالإجابة، لذلك قال: {وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } الميثاق هو العقد المؤكد وكأنه يرد العجز على الصدر، فأول الآيات قال أوفوا بالعقود وذكر هنا الميثاق الذي واثققكم به، كأنه التزامٌ يحتم عليهم الطاعة التي أَلزموا بها أنفسهم حين قالوا سمعنا قولك وأطعنا أمرك، ونعمة الإسلام هي أعظم نعمة أنعم الله بها على مخلوق يدل على هذا آية السجدة الأولى في سورة الحج حين ذكر الساجدين وعقب فقال: { وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ } وختمها بقوله { وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ } - سورة الحج (18) فإن الله أكرم من وفقه للسجود وخذل من تمرّد فلم يسجد. ولما بين شرط العبادة وأساسُها الذي تبنى عليه وجه الخطاب إلى المعاملات بين الناس، فبيّن السبيل الأمثل في التعامل مع الأصدقاء والأعداء فقال:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ } كرر ما سبق في آخر سورة النساء من قوله:{ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ } ليبيّن أن واجب المسلم أن يراقب الله في ما يأتي ويذر، وأن يكون عادلا مع جميع الخلق أقرباء أو غير أقرباء محبين واعداء، ويبذُل الحق من نفسه للناس كل الناس، وأكد على ما سبق أول السورة فقال: { وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ } أي لا يحملنكم الإمتلاء بالبغض على قوم أن لا تعدلوا معهم، شكا يهود خيبر عبادة بن الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واتهموه أنه لا يعدل فيهم فلما ذهب إليهم قال لهم: "الله يشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب الناس إليّ وأنكم أبغض الناس إليّ، ومع ذلك لا يمنعني حبي لرسول الله وبغضي لكم أن أعدل فيكم"، وكأنه يطبق الآية { اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} لأن العدل هو التقوى والعادل متقٍ لا محالة، مستقيمٌ في تصرفاته } وَاتَّقُواْ اللّهَ { أي في جميع ما تأتون وتذرون {إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}والخبير هو العالم ببواطن الأمور فضلاً عن ظواهرها، يربي الخلق على المهابة ويشحذ همتهم بالوعد والوعيد، { وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ * وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} هكذا ربط الأحكام بالعقيدة والعقيدة بالأحكام ليبني إنساناً صالحاً بوجهٍ واحد وقلب واحد ولسان واحد خاضعٍ لإله واحد، فاللهم وفقنا وسددنا.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة