الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

وبضدها تتميز!!  
سورة النساء   الآيات 162 - 176


لما ذكر حال المنافقين والكافرين وأوعدهم استدرك ليصف حال المؤمنين وقال: {لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ } انظر إلى أدب القرآن مع المخالف وترفقه به، فجعل من أهل الكتاب راسخين في العلم ذاقوا حلاوته وشعروا بلذته فارتقوا إلى درجة المؤمنين ليجمعهم بهم ويضيفهم اليهم، { وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } فجعل الراسخين في العلم من أهل الكتاب والمؤمنين مرتبةً واحدة فبيّن أنهم يشتركون في الإيمان والعمل كيف لا وقد جمعوا بين الإيمان بأنبيائهم والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وسيأتي لذلك مزيد بيان في سورة المائدة، قال هنا: { يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } هكذا الإيمان كلٌ لا يتجزّأ وَوحدةٌ واحدة، وترجموه إلى عملٍ قاصرٍ ومتعدٍ فقال: { وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ } أي المؤدين لها تامة الشروط والأركان والسنن والواجبات حتى لكأنها حيّة فيهم وهم أحياء فيها، وقد يتفلسف جاهلٌ فيقول لم نصبها والجواب لأنه تفنن في العبارة وغيّرها ليمسّ شعور المؤمنين ويحرّك إنتباههم ف { الْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ } منصوبٌ على الإختصاص أو على المدح لأنها صلةٌ بين العبد وربّه تنقل الإيمان من حاشية الشعور إلى مركزه، ثم عاد إلى السياق الأول بالرفع فقال { وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ } جملةٌ إسميّة تدل على اللزوم والثبات فأداء الزكاة خلقٌ لهم يساهم في بناء مجتمعٍ متماسكٍ متحابٍ متعاون، وإنما دفعهم إلى ذلك الإيمان والعلم وأكد عليه بقوله: { وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ } فهم راسخون في العلم عاملون بعلمهم عاملين عملاً قاصراً يصلح أنفسهم ويقوي ايمانهم وعملاً متعديا ينفع المجتمع ويقيله من عثرته وهم في هذا وذاك مؤمنون كاملو الإيمان بالله على ما قرر قبل واليوم الآخر وما فيه جملة وتفصيلاً { أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا } إرتقوا إلى مرتبةٍ عاليةٍ وتميزوا عن غيرهم بميزاتٍ جديرٌ أن يحمدوا عليها ويثابوا أجراً عظيما ثواباً لا يقدر قدره ولا يعلم كنهه، ليسوا أنبياء ولكنهم مؤمنون بجميع ما أتى به الرسل.
فلما علت مكانتهم باتباع الوحي المتلوّ ناسب أن يمتنّ على رسوله بما امتن به على من قبله فقال: { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ } فكما أوحى إلى نوح أوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم وكأنه يرد على اليهود المنكرين الوحي ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم ثم فصّل النبيين بعد نوحٍ فذكر منهم إبراهيم {وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ } وهؤلاء من عائلة واحدة إبراهيم وأولاده وأحفاده والأسباط أولاد يعقوب أو أحفاده أو الأنبياء منهم على خلاف بين أهل العلم لا يترتب على كشفهم فائدة عمليّة، ثم ذكر {وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ } ليذيّل الآية بقوله { وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا } فذكر أول العقد وآخره وواسطته وجعل الأنبياء كلهم كالشيء الواحد لأنهم دعاة إلى إله واحد وحماة لعقيدة واحدة من ذكر منهم في هذه السورة ومن لم يذكر وأكد على هذه الحقيقة بقوله: {وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا } أكّد على حقيقة ربما ينكرها بعض الجهلة فأثبت أنه خلق في موسى عليه السلام القدرة على سماع كلامه النفسّي ليؤكد على حقيقة طالما أنكرها اليهود وحاربوها حقيقة الوحي إلى محمدٍ صلى الله عليه وسلم وجمع بين هؤلاء الرسل ليؤكد على ما مضى من وجوب الإيمان برسالة جميع الرسل وأنهم في مرتبةٍ واحدة من حيث تعظيمهم واحترامهم والإيمان بهم والإنقياد لما يأمرون به، فالرسل يبلغون عن الله يبشّرون المؤمنين وينذرون الكافرين ويقيمون الحجة على الخلق إلى ذلك أشار بقوله: { رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ } فالتكليف شرعيٌ ولا تكليف قبل الشرع وفرض على الناس اتباع الرسل وما يأمرون به وبدعوة الرسل تقوم الحجة وينقطع العذر، ثم ذيّل الآية بجملة إسميّة صدّرها بفعل ماضي ليدل على اللزوم والثبات { وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } غالباً لا يغلب يضع قوتّه في موضعها بل يضع جميع الأمور في موضعها، ثم أكد على أن محمداً رسوله إلى الخلق وأنه يشهد على ذلك هو والملائكة بدليلٍ محسوس هو القرآن فكأن القرآن معجزة خالدة تدل على صدق الرسول على مر الليالي وتوالي الأيام لذلك تراه عقّب الحديث عن الرسل بقوله: { لَّكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ } يعني القرآن الوحي المتلو { أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ } أي بإذنه وبإرادته { وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ } على ذلك جملة وتفصيلا، على أن شهادة الله وحده كافية { وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا } أي كفى الله أو كفت شهادة الله وأغنت عن شهادة غيره، لكن ماذا أقول فيمن أعماه الكفر ونصب نفسه خصماً لله ولرسله ولم يُعمل عقله في فهم القرآن وتدبر آياته بل أصرّ على باطله { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ } جمعوا بين أمرين سيئين: الكفر ومنع الناس من الإيمان بالله، لذلك حكم عليهم { قَدْ ضَلُّواْ ضَلاَلاً بَعِيدًا } بعيداً عن الحق والهدى وإعمال النظر فيما يرى ويسمع فريقٌ ثانٍ إليهم الإشارة بقوله { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ } كفروا بالله وظلموا أنفسهم وأشركوا بالله خلقه أو حجارةً لا تنفع ولا تدفع فكأنهم أضافوا إلى الكفر الظلم وبعض الظلم حقٌ للعباد فلا يُغفر إلاّ بسماح منهم، لذلك حكم عليهم هذا الحكم الشديد عسى أن يرتدعوا عن باطلهم ويستقيموا على الجادة فأوعدهم بأن يهديهم طريق جهنّم لا غيرها جزاءً بما قدمت ايديهم، وأما إقامتهم في جهنم ممتدة إلى الأبد، لذلك ذيّل الآية بقوله: { خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا } أي لا خروج منها لأن وقت التوبة قد فات ووقت الحساب قد حضر، فإن شكّ شاكٌ يأتيه الجواب { وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرًا } فلا يعجزه شيء وهنا جاء وقت الدعوة بعد أن أراهم الطريقين وبيّن لهم نهاية كل طريق وما ينجي ناسب أن يدعو الناس كل الناس إلى الإيمان فقال: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الرَّسُولُ } محمد صلى الله عليه وسلم { بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ } الوحي المتلوّ والوحي غير المتلوّ واضحاً نقياً قابلا للتطبيق { فَآمِنُواْ خَيْرًا لَّكُمْ } هذه الفاء هي الفصيحة تفصح عن شرط مقدّر إذا كان كذلك فآمنوا خيراً لكم من البقاء على الكفر { وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } حذف جواب الشرط وعوّض عنه بجملة إسميّة تدل على عظمته وقدرته وغناه فبدل أن يقول { وَإِن تَكْفُرُواْ } يعذبكم قال: { فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } جاء بجملة تدل على عظمته وقدرته وذيّل الآية بما يدلّ على عظيم علمه وواسع حكمته { وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا } فدلّ بذلك على سعة علمه وحكمته لينتقل إلى توجيه نصيحة إلى أهل الكتاب ما أحوجنا إلى مثلها في هذه الأيام { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ } خلق الله المسيح من أمٍ بلا أب وأيده بمعجزات ذكر بعضها الإنجيل وذكر القرآن كثيراً منها وجاء ذلك مفصّلا في سورة آل عمران وسيأتي له مزيد تفصيل في سورتي المائدة ومريم، توهّم النصارى أن المسيح إذ لم يكن له أب فإن الله هو أبوه، مع أن القضية العقلية تجيز غير ذلك فالإنسان ذكرٌ وأنثى أي إثنين وينتج عن هذا أربعة إحتمالات: أن يأتي الإنسان من لا ذكر ولا أنثى، أن يأتي من ذكر بلا أنثى، أن يأتي من أنثى بلا ذكر، وأن يأتي بذكر وأنثى، هذه قسمة عقلية أجراها الله في الواقع، فخلق آدم من تراب لا ذكر ولا أنثى، وخلق حواء من آدم على ما يقولون ويقولون من ضلع من أضلاعه بناه امرأة وقد جاء ذلك واضحاً في سفر التكوين وإشارةً على أحد التفسيرات في القرآن فحواء خلقت من ذكرٍ بلا أنثى، وخلق المسيح من مريم من أنثى بلا ذكر وخلق سائر البشر على ما تقرر، والذي حوّل التراب إلى لحم ودمً وعصب وعظم وشحم لا يعجز عن أن يخلق رجلاً من امرأة، والغلو المنهي عنه هو تكبير الأشياء وتضخيمها وتعقيد الأمور على الناس { وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ }، أي الثابت بالدليل العقلي والشرعيّ والحسيّ، فلا ترفعوا المسيح عن قدره حتى تجعلوه إلاهاً أو إبن إله أو أحد الأقانين الثلاثة وأجيبوا داعي الله في قوله: { إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ } اي كلمة كن { إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ } {إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ...الخ } ولما اعترضت مريم وتعجبت قال لها: { كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء } فبين أن المسيح كان باذن الله وكلمته، والكلمة لم تكن ولا تكون ولن تكون جزءً من الله، وكلمته ألقاها إلى مريم وقوله: { وَرُوحٌ مِّنْهُ } "من" هذه بيانية وليست تبعيضيّة كقولهم ثوبٌ من حرير ومعنى الآية وروح مخلوق منه عزّ وجل، والإضافة إضافة تشريف كقولنا للمسجد بيت الله ولناقة صالح ناقة الله وللإنسان المطيع عبد الله، فليس المسيح جزءً من الله ولا فيه جزءً منه، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا، من هنا أطلت علينا الفاء الفصيحة لتلزم أهل الكتاب بالإيمان الحق { فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ } أي إذا كان المسيح رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ مخلوقٌ منه فآمنوا به كما آمنتم بغيره من الرسل المذكورين قبله، { وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ } أي أب وإبن وروح قدس إشارةً إلى الأقانيم الثلاثة التي يزعم النصارى أن الإله مكوّن منها { انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ } أي انتهوا عن هذه الأباطيل وراجعوا أنفسكم كيف يكون الثلاثة واحداً والواحد ثلاثة؟؟ كيف يكون المخلوق خالقاً والخالق مخلوقاً؟؟ كيف يكون من يأكل الطعام إلاهاً، على أن الله قد قرر أن المسيح وأمّه رسولٌ وصديقة كانا يأكلان الطعام أي محتاجين عاجزين ضعيفين لا يصح عقلا أن يكونا الهين { إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ } أي في ذاته فذاته غير مركبة ولامثيل لها في الخارج، وواحد في صفاته فليس له صفتان من جنس واحد ولا لأحد صفات كصفاته وواحد في أفعاله لا يستطيع أحدٌ أن يفعل فعله وهو الفاعل الحقيقي في هذا الكون، ومن كان كذلك ما أبعد أن يكون له ولد لذلك قال: { سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ }، ما حاجته إليه { لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ }، إن المخلوق يتخذ الولد ليكون له عوناً في آخر حياته لما يصيبه من ضعف وعجز في آخر حياته، والله لا يتغير فما حاجته إلى الولد لذلك ذيّل الآية بقوله: { وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً } كأنه يستشهد الله على ذلك ويجعل الأمر إليه، ثم بين ان المسيح عبدٌ مطيع لله لا يتكبّر عن ذلك لا هو ولا غيره { لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ } لأنهم طائعون لله راضون بحكمه قابلون بأمره لا يتمردون عليه لأنهم مخلوقون عجزة على أنهم مقهورون بالقدرة { وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعًا } فلو فُرض أن المسيح أو غيره تكبّر عن عبادة الله أو تعالى أو أي أحد من خلق الله رفض الخضوع لله فإن عاقبته المحشر والحساب والثواب أو العقاب، وحشره إياهم إليه جميعا يحاسبهم وفرع عليها { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ } أي الأعمال الصالحات { فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ } أي ثواب عملهم { وَيَزيدُهُم مِّن فَضْلِهِ } أي يكرمهم ويعلي منزلتهم في الجنة { وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُواْ وَاسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلُيمًا وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا } أي لا من يدفع عنهم أويحميهم من سخط الجبار ولا من ينصرهم على الله فينقذهم من عذابه، وكما بدأت السورة ب { يَا أَيُّهَا النَّاسُ } ختمها ب { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ } أي أدلة واضحة وبراهين مقنعة وحجج لا يمكن ردها { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا } هو القرآن بما فيه من حكم وأحكام وأخلاق وآداب وتشريع سماه نوراً لأنه يضيء الطريق للسالك فيعينهم على معرفة الحق والسعي إليه، فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليه، واكتفى هنا بذكر القسيم فقال: { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ } في الدنيا بإنارة بصيرتهم وإصلاح حالهم ومآلهم { وَفَضْلٍ } زيادةً على الأجر وإصلاح الحياة { وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا } فيوفقهم لطاعته ويعينهم على عبادته ويسهل لهم حياتهم وييسر لهم أمورهم، يقوّم ما اعوجّ من أخلاقهم ويثبت ما استقام من أعمالهم، فيفلحوا في الدنيا والآخرة وترك القسيم الآخر لأن الضد يتميّز بضده فما دام قد ذكر القسيم فقد أشار إلى قسيمه ضمناً وختم السورة بآية الصيف التي حدد فيها ميراث الكلالة الذي ذكر بعضه في أول السورة وهو الأخ من ام وذكر هنا الأخ الشقيق أو لأب فقال: { يَسْتَفْتُونَكَ } أي يطلبوا فتياك { قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ } أخبرهم أنه سينقل إليهم ما حكم الله به وألزم خلقه، والكلالة من لا والد له ولا ولد أشار إلى الولد نصاً فقال: { إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ } وإلى الوالد ضمناً، { وَلَهُ أُخْتٌ } فإن الأخت والأخ لا يرثان مع وجود الأب، { فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ } يعني إذا مات الأخ وترك أختاً ترث النصف وإن ماتت الأخت وتركت أخاً يأخذ الكل { وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ } فالأخ يرث الأخت والأخت ترث نصف ما ترك الأخ، فإن مات الأخ وترك أختين أو أكثر فلهما الثلثان، { فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ } وهكذا تأخذ الأخت إن كانت واحدة فلها النصف وإن تعددت فالثلثان بالنص في هذه الآية وبالقياس على البنتين في أول السورة { وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ } إذا اجتمع إخوة وأخوات في ميراث الكلالة اقتسموا تركته على الفريضة وبالتفصيل الذي قدمه أول السورة، وختم السورة بقوله { يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ } الأحكام والآداب لأن لا تضلوا فقوله: { أَن تَضِلُّواْ } فيها محذوف "لا" لأن البيان يقتضي عدم الضلال وهذا مفهوم من السياق والسباق { وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } لا يخفى عليه شيء فأطيعوه فإن في طاعته مصلحة لكم فاللهم وفقنا وثبتنا.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة