الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

بين الإيمان والنفاق  
سورة النساء   الآيات 135 - 146


ما زال الحديث موصولاً ببناء الأسرة وصلاحها لينطلق منه إلى صلاح المجتمع لا جرم بدأ بنداء المؤمنين فقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ }خيرٌ يدعو اليه أو شر يحذّر منه تحت عنوان الإيمان الذي يحتم الطاعة فما الذي يأمر به وما الذي ينهى عنه؟؟ يأتي الجواب { كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ } أمرٌ بكثرة القيام بالعدل مع النفس ومع الغير لأن بالعدل قامت السماوات والأرض وصلح أمر الدنيا والآخرة، وأكد على ذلك بقوله: { شُهَدَاء لِلّهِ }أي تلتزمون بذلك على من كانت الشهادة تؤدونها محتسبين مقبلين { وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ }والشهادة على النفس تسمّى في الفقه الإقرار، فإذا فعل الإنسان فعلاً مخالفا للشرع أقرّ به ولم ينكره { أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ } لأن الناس بطبعهم يحابون أقرباءهم ووالديهم فلا يظهرون ما يسيء اليهم ويعرضهم للعقوبة ويحرصون على أن يكونوا في منئى عن العقوبة، ضناً بهم أن ينالهم ما يكرهون، مهما كان الشاهد وأيً كانت قرابته.
{إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا } يجب مراقبة الله في الشهادة وتعظيمه لأن الإيمان لا يكتمل إلا إذا كان الله ورسوله أحب إلى المؤمن من ولده ووالده والناس أجمعين، لذلك تراه يحضّ على أداة الشهادة كما هي إن يكن المشهود له غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما فلا يجوز محاباة الغني لغناه في الشهادة ولا الفقير لفقره، وإنما نصّ عليها ههنا لما قدمتُ من الحديث عن الأسرة والخلافات الزوجية التي قد يعتريها شيٌ من الهوى أو المحاباة، أكد على ذلك بقوله: { فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى } لما قال: { فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا} أي بالغني والفقير تأكيدٌ لما مضى ثم نهى عن اتباع الهوى في الأحكام والشهادات وجعله مانعاً من العدل وهدد من يفعل أشد تهديد فقال: {فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ } أي فتجعلونه مانعاً لكم عن أن تعدلوا ليأتي التهديد أقوى ما يكون بعبارة لطيفة ليس فيها تجريح ولا إساءة لكن فيها تهديد قوي تنخلع له القلوب وتخضع النفوس، وساق ذلك مساق قضيةٍ شرطية حذف جوابها وذكر ما يشير إليه بأقوى عبارة فقال: { وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ } هذا هو الشرط أما الجواب فتقديره يحاسبكم الله، لكنه لم يذكره وذكر ما يشير إليه ويربي المهابة فقال: { فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} فجمع فيه بين الفعل الماضي والفعل المضارع والجملة الإسميّة وخبيرا أي عالماً ببواطن الأمور ليسدّ كل الأبواب التي يتوصّل منها إلى المخالفة ويحكم الطوق على المخالف فيمتنع، وبعد أن أصلح الأسرةَ خرج منها إلى الحياة فنادى المؤمنين بالاسم الموصول فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} فالاسم الموصول من صيغ العموم وصلته علة الحكم والحكم سيأتي مجموعة أوامر يجب امتثالها ليخلص منها إلى قضية وحكم، أشار إلى الأوامر بقوله: { آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ } فالآية جمعت أصول الإيمان: الإيمان بالله ورسوله والقرآن والكتب السابقة لأن قوله والكتاب الذي أنزل من قبل يشمل الجنس فيدخل فيه صحف إبراهيم وزبور داود والتوراة الذي أنزل على موسى والإنجيل الذي أنزل على عيسى جملة لا تقصيلاً، فلأنهم آمنوا بمحمد يلزمهم الإيمان بجميع الأنبياء ولأنهم آمنوا بالقرآن يلزمهم الايمان بجميع الكتب التي أنزلت من قبل على ما بينتُ، وقرر ذلك قضيةً شرطيةً شرطها اسم موصول وجوابها جملةٌ فعلية مؤكدة فقال: { وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا} أبعد المسافة وخرج عن الجادة لأنه لم يلتزم المنهج، ما أجمله من أسلوب يعتمد المنطق والحجة الواضحة فالذي قرره في أول الآية أكده في آخرها على ما يسميه أهل البلاغة "رد العجز على الصدر" ليخلص من ذلك إلى التحذير من النفاق الذي هو إظهار خلافَ ما يبطن لأنه يناقض الإيمان ويشوّه الشخصيّة فلا يريده في المجتمع الذي يبنيه على أساسٍ من تقوى الله وطاعته، ما أجمله حين يصوّر المنافق إنساناً لا يَقَرُ على قرار ولا يثبت على رأي، مضطرب المزاج متردد غير واثق بالله معرضٍ عن شرعه فيقول: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً} لأنهم لم بطلبوا مغفرةً ولا أحدثوا توبةً فلماذا يغفر لهم!!ولماذا يهديهم!! بل على العكس من ذلك استحقوا عقابه، فجاءت البشارة { بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } يناسب ما اقترفوا من آثام وجنوا من سيئات منها {الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ } الأصل في المؤمن أن يوالي المؤمن لا أن يعاديه ويوالي غيره ممن لا يرقب فيه إلاً ولا ذمة، ألمصلحةٍ دنيويةٍ عاجلة؟؟ {أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا } إن المخلوق ضعيف عاجز لا يستطيع أن يحقق لغيره ما يعجز عن تحقيقه لنفسه لذلك يجب طلب العزة من العزيز الذي لا يُغَالب القوي الذي لا أقوى منه {فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا }فاطلبوها منه واحرصوا على رضاه بطاعة أمره وترك ما نهى عنه، كيف لا { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ } أي الوحي المتلوّ { أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا }يجب على المسلم أن يثق بدينه ويعتز به ويعظمه في نفسه وبين الناس فإذا سمع من يكفر بالله ويستهزيء بالقرآن فواجب عليه أن يعتزله وأن لا يجالسه ولا يؤاكله ما دام مصراً على باطله إلى ذلك أشار بالنهي فقال: {فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ }أي يتركوا الإستهزاء بالدين والإساءة إلى المسلمين، فإن الذي يشارك الكفار في الإساءة مثْلٌ لهم خليقٌ أن تكون عقوبته كعقوبتهم { إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ } أي في الذنب وتستحقون نفس العقوية التي بينها بقوله: { إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا } لأنهم شركاء بالإثم والعمل فليكونوا كذلك في العقوبة، لأن عدوك الذي يعاديك وصديقه الذي ينصره ويتّبع منهجه، ولأنهم لم يخلصوا لله ولا لأولياءه بل تربصوا بهم لذلك حذّر منهم فقال: { الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ } أي يترقبون الشرّ أن يحيط بكم ولا يتمنون الخير لكم { فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ } يشاركون المسلمين في المغنم { وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ } انتقلوا اليهم وحاولوا الإفادة منهم وزعموا أنهم شاركوهم الحرب { قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ } هكذا يحاولون الافادة من الجميع لا صداقة لهم بل مصلحة، فأوعدهم قائلا: { فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ } وبينهم { يَوْمَ الْقِيَامَةِ} يوم الحساب والجزاء { وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً }لأنهم لم يتبعوا منهجه وقد اقتدت الحكمة أن ينصر الله أولياءه ويخذل أعداءه، والمنافقون نصروا أعداء الله وخذلوا أولياءه وخادعوا المؤمنين فاستغلوا طيبهم وانتفعوا بما استطاعوا من خير عندهم فخادعوهم ليغنموا ويأمنوا فاستحقوا أن يعاملوا بعملهم { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ } والدليل الواضح على ذلك { وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً } العبادة عندهم صورة جوفاء لا حقيقة لها يحاولن التدليس على المؤمنين بإظهار أنفسهم أتقياء أنقياء ليفيدوا منهم ولكنّ بشاشة الإيمان لم تخالط قلوبهم فقلوبهم قاسية وأعمالهم مراءات { مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء } لا إلى أهل الايمان والطاعة ولا إلى أهل الكفر يحاولون الجمع بين النقيضين فلا يحصلون على شيء، لذلك ذيّل الآية بقضية شرطية تثبت أن الله طمس بصيرتهم فلا يميّزون بين الخير والشر ولا بين الحق والباطل، ولا بين ماينفعهم ويضرهم، فقال: { وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً } إلى هدايته لأنه لا يفكر ولا يعقل ولا يعمل، فيجب الحذر منه والبعد عنه لذلك قال محذرا من خُلق المنافقين { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ } أي كما فعل المنافقون فلا تتخلقوا بأخلاقهم ولا تتشبهوا بهم، { أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا} يأخذكم به ويعاقبكم على ما جنت أيديكم، فيكون مصيركم كمصيرهم { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا } هذا جزاؤهم الذي يستحقونه فاحذروا أن تعملوا بعملهم فتكونوا مثلهم وبادروا بالتوبة أنتم ومن أخطأ فباب التوبة مفتوح إلى أن تطلع الشمس من مغربها أو إلى أن ينزل ملك الموت، فاغتنموا الفرصة بالتوبة لتنجوا من العذاب { إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ} أي تابوا من النفاق وأصلحوا العلاقة بينهم وبين الله { وَاعْتَصَمُواْ بِاللّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا } وبعد فما أجمل القرآن حين يحذر من النفاق ويرغب بالإيمان ويهذّب المشاعر ويصوّب المسار ويقوّم السلوك إنه نعم الهادي فاللهم اهدنا ووفقنا وثبتنا.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة