الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

هل من عمل منتج!!  
سورة النساء   الآيات 122 - 134


ليست الحياة الآخرة والثواب والعقاب مسألة يتخيلها المرء ويرغب فيها أن تكون على الصفة التي يحب ويتمنى، ولكنها نتيجة حتمية لما عمله في حياته الاولى لذلك تراه يقرر هذه الحقيقة { لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ } أي بما تتوهمون أو تتخيلون { وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ } الذين زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه، وأن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودة: يعني الأيام التي عبدوا العجل من دون الله وأن الإيمان بالمسيح الهاً أو ابن ألهٍ شفيعاً لمن يؤمن به ولكنّ الأعمال تثمر ثوابا إن كانت صالحة أو عقاباً إن كانت غير ذلك } مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ { لا يستطيع أحد أن يدفع عنه { وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا } يتولاه فيحميه { وَلاَ نَصِيرًا } فلا من يواليه فينصره على الله ولا من يكون معه على الله لأنه عاصٍ مخالف أوامر الله مستحق عقابه، وفي مقابله من أطاع الله فعمل بما علم وأقبل على الله بكليته { وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا }أي لا ينقصون من حقهم أقل شيء والمراد أنه يعطيهم ثواب عملهم وافياً ما تحقق أمران هما شرطان إن وجدا قبل العمل وإلا فلا: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر والقضاء، والثاني: العمل الصالح الذي يجلب النفع للنفس أو للآخرين أو يدفع الضر عن النفس أو الآخرين فمن تحقق فيه الشرطان يدخله الجنة ويوفيه أجره كاملاً ولا ينقصه شيء، والنقير فتحةُ في نواة التمر يضرب بها المثل في القله ومعنى {وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا }أي لا ينقص من حقهم أقل القليل ولو كان مثل هذه الفتحة في بذرة البلح لأنهم أخلصوا دينهم لله واستسلموا بكليتهم له فلا أحد أحسن منهم خضوعاً لله وانقياداً، فلا أحد أحسن منهم ديناً كيف لا وهم المتبعون لملة إبراهيم خليل الرحمن الذي خالطت محبة الله وطاعته شغاف قلبه فلا يقع منه ما يخالف لأنه يعلم أنه مخلوق لمن له ملك السماوات والأرض، ومن أحاط علمه بما فيهما وما بينهما لا يخفى عليه شيء ولا يغيب عن علمه شيء {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله }الآيات من أول 125 الى آخر 126.
ثم ينتقل البيان إلى موضوع عمليّ له علاقة بالمجتمع فيقول {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ }الإستفتاء طلب الفتوى وهو سيفتيهم بالحق وهذا الحق ثابت في كتاب الله لذلك عطف عليه {وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ }
أي في القرآن أو فيما أوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم {فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ }عوداً على بدء فقد قرر أول السورة وجوب إعطاء اليتامى حقهم كاملاً وأن للمرأة ذمة ماليةّ مستقلة وأن الرجل لا يشاركها في شيء أكانت أماً أو أختاً أو زوجة، وقرر أول السورة أن بعض الناس يتزوجون النساء أو يعضلوهن أي يمنعونهن الزواج رغبة فيما في أيديهنّ من مال ولأهمية هذه القضية أكد عليها هنا فأضاف إلى منع المرأة مهرها أو بعضه أو عضلها بجملة لطيفة تراعي شعور الرجال ولا تحرك عاطفة النساء فقال : {وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ} رغب تتعدى بـ (في) وبـ (عن) لذلك تجلى لطف القرآن وإيجازه فحذف الحرف لتذهب به النفس كل مذهب فلم يقل وترغبون في نكاحهن لجمالهن وغناهنّ ولا قال وترغبون عن نكاحهن لبشاعتهن مع المال او دونه وأضاف إلى يتامى النساء المستضعفين من الولدان حماية للضعيف في المجتمع ونصرةً له ورعايةً لينشأ المجتمع متحاباً متناصحا متناصراً، ثم أكد على مبدأ العدل الذي جاء به الإسلام وكفله القرآن لجميع أفراد المجتمع خاصةً الصغار لأنهم المستقبل ولأن بصلاحهم صلاحه فقال : {وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ } أي تقوموا على تربيتهم وإصلاحهم بالعدل فينشّؤون تنشئةً صالحةً ليكونوا أعضاءَ عاملين منتجين وختم الآية بقضيةٍ شرطيةٍ عامةٍ تغرس في النفس حب العمل والإقبال عليه ومراقبة الله فقال : {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا}
وإذا كان كذلك فسيجازي العامل على عمله أحسن جزاء وكأنه بهذا يغرس الصلاح في نفوس المخاطبين فلا تزل أقدامهم ويربيهم على العمل المأسسيّ، ولما كانت الأسرة الصغيرة هي الأصل للمجتمع منها يتكوّن تراه يعود اليها ويهتم بها لأن صلاحها يحقق صلاحه، والمشاكل الصغيرة إذا لم تتدارك وهي صغيرة كبرت وأثمرت شراً كثيرا، لذلك قال: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا }شرطً سيأتي جوابه ومن خصائص (إن) أنها تدخل على الأفعال ولا تدخل على الأسماء لذلك قدرنا محذوفاً بين إن وامرأةٌ والتقدير وإن خافت امرأةٌ وحذفها لوجود الثانية وإن تدل على الشك وكأن القرآن يلمح إلى أن الأصل أن تكون العلاقات الأسريّة مبنيّةً على المودة الرحمة فظهور الخلاف نادرٌ أو قليل والبعل هو الزوج ونشوزاً أي نفوراً منها أو تفكيراً بغيرها والإعراض هو ترك موالاتها والإهتمام بها، وكأنه بهذا ينبه الزوجة إلى رعاية زوجها والإحساس به والإهتمام بمشاعره فإن رأت منه شيئاً تنكره بحثت عن السبب وأزالته ليعود الصفاء والوئام، فإن عجزت بحثت عن حل في العائلة لأنها الأقرب والأحرص على مصلحة أبنائها فجاء جواب الشرط {فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا} أي على الزوج أن يتجاوب مع زوجته ويصارحها بما في نفسه فأن عجز فليستعن بقريب حبيب حريص، رخص الله للمرأة حين تشك في عواطف زوجها أن تسعى إلى إزالة ذلك بوسائل مختلفة
وكأن الآية تلمح إلى ما سبق من قوله {وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ } إنه عدل القرآن يقوم سلوك المرأة إذا اعوجّ وسلوك الرجل إذا تغير برفق ولطف، وهناك بين وسائل إصلاح المرأة وهنا يبيّن وسائل إصلاح الرجل، فالمجتمع رجلٌ وامرأة وأسرةٌ وأسر، ولذلك تراه يقول {فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا} فرخص فيه ودعا إليه وحضّ عليه لكنّ النفس الإنسانية تؤثر نفسها فبين القرآن ذلك بعبارة لطيفة {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ} فالنفس مجبولة على حب ما تراه حقاً لها حريصةٌ عليه لكن الإصلاح لا يتم إلا إذا حصل التعاون والتنازل من الطرفين وإلى هذا أشار {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} أي خيرٌ للزوجين في عاجل أمرهما وآجله، ولكن النفس تأباه لطبيعتها فهي بحاجة إلى التربية لذلك يختم الآية على غرار ما ختم التي قبلها قضيةٌ شرطيةٌ حذف جوابها وجاء بجواب فيه ما فيه من قوة البيان فقال : {وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ } شرطٌ جمع فيه بين أمرين الإحسان إلى بعضهما أي إحسان الزوج إلى زوجته والزوجة إلى زوجها وتتقوا الله فيما تأتون وتذرون وتتقوا ما يحبط هذا الإحسان من أعمال تسيء إلى كلٍ، وجاء جواب الشرط قضيةً عامة { فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} الظاهر أنه لا مطابقة بين الشرط والجواب فليس هذا جواب الشرط وإن أغنى عنه فإنه يبني العلاقات الأسرية على مراقبة الله واستشعار علمه بحال الزوجين ليعين على الصدق والنصح والتعاون، والخبير هو العليم ببواطن الأمور (وما) اسم موصول وتعملون فعل مضارع والإسم صلته والإسم الموصول يدل على العموم والفعل المضارع يدل على الحدوث والتجدد فدل على أن الله عالم ببواطن أمور الزوجين وخفايا وخبايا أنفسهما لا يخفى عليه من حالهما شيء فكأنه يحضهم على تقواه وطاعته والصبر على بعضهما والتعاون فيما بينهما لأن الإنسان يأنس بأخيه ما دام يبادله حباً بحب وثقةً بثقة، ولما كانت العواطف والمشاعر بيد الله ناسب أن تأتي الآية التالية لتقرر حقيقةً سبق أن أشار إليها أول السورة
فقال {وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ} ولما كان الإنسان مجموعة مشاعر وعواطف قد تتحكم فيه فيميل إلى واحدة من زوجاته ويترك الأخريات ضبط القرآن حركته فأرشده إلى ما فيه صلاحه في عاجل أمره بأحد اثنتين: الأولى أن يقتصر على واحدة تؤنس وحشته وتزيل كربته، تشاركه الحياة حلوها ومرها والثانية أن يعدل بين الزوجات إن احتاج ويسأل الله العفو عن تقصيره، وكأني بالقرآن يلفت نظره إلى أن التعدد لا يُلجأ إليه إلاّ في الضرورة القصوى مع مراعاة العدل،
وقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم أروع المثل في ذلك فكان يزور زوجاته كل يوم ويبيت عند التي لها القسم، وإذا كان الإنسان ضعيفاً شديد التأثر فإن عليه أن يضبط مشاعره إلى ذلك أشار بقوله: {فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ} أي إلى واحدة وتتركوا الأخرى أو الأخريات {فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} لا هي ذات زوج ولا مطلقة، وأرشد القرآن إلى الأفضل فقال {وَإِن تُصْلِحُواْ} أي بين زوجاتكم {وَتَتَّقُواْ} أي ما يفسد العلاقات الإنسانية {فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا} يدعو الزوجين أن يعيشا بهذا الخلق الكريم فيسعدان ويُسعدان فإن تعذر ذلك فالطلاق هو الحل على القاعدة لا تظلمون ولا تُظلمون أشار إلى ذلك {وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ} الإسلام يربي أتباعه على أحسن الأخلاق وأكملها خاصةً مع الأقربين وسبق أن قال: { وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} وقال: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}فالسماحة والرحمة خلق المسلم دائماً يظهر ذلك في تعامله مع شريكه وهذه دعوةٌ الى التخلق بأكرم الأخلاق حال القوة والغنى إقتداءً برب العالمين الغني القوي القادر على البطش والإنتقام ومع ذلك يوسّع على عباده ويرفق بهم { وَكَانَ اللّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا } يعامل الإنسان بعمله وهذا وعدٌ بتسهيل الحياة وتيسيرها على من سهّل على غيره، وأكّد على هذه الحقيقة بقوله: { وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} فالكون وما فيه ملكٌ له يتصرف فيه كيف يشاء ومع ذلك يرحم الراحمين {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ} بطاعته وأداء ما أوجب والإمتناع عن ما نهى عنه وحسن التعامل مع خلقه، وهدد المخالفين بطريق غير مباشر وأسلوب لطيف فقال: {وَإِن تَكْفُرُواْ} أي تتنكروا لأوامر الله ولا تطيعوه { فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا} إنه الله إله العالمين يعلّم عباده الأدب مع بعضهما وهو مع غناه يرفق بعباده فعلى العباد مع ضعفهم أن يرفقوا ببعض، وظهر غناه واضحٌ في قوله: {وَكَانَ اللّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا} فالله مستغنٍ عن خلقه وخلقُه محتاجون اليه محمودٌ على جميله الإختياري حمدَه الحامدون أو لم يحمدوه، وقال: ثالثةً { وَللّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} يذكرك أيها العبد أنك فقير ضعيف محتاج فالجأ إليه لتقوى وتغتني فهو وحده المعطي والمانع {وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً} يُعتمد عليه ويُلجأ إليه ويُحتمى به، وأكد على كمال قدرته {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ}لكمال قدرته وقوة سلطانه {وَكَانَ اللّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا} وختم الآيات بحض الناس على الإيمان وترغيبهم فيه وبيان أن الدنيا والآخرة بيده وأنه المعطي المانع فقال: {مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} فجعل الدنيا والآخرة بيده ورغّب في طلبهما منه وحضّ على طاعته ونبّه الى وجوب مراقبته فيما يأتي الإنسان في هذه الحياة ليكون عضواً فاعلاً في المجتمع تنعكس أخلاقه في تصرفاته يراقب الله في جميع ما يأتي ويذر فاللهم وفقنا لطاعتك والعمل بشرعك.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة