الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

الله ولي الذين آمنوا 


فطر الإنسان على الضعف والحاجة، لا يستطيع أن يعيش وحيداً، بل لابد له من شريك يأنس به ويعينه في مواجهة أعباء الحياة، ولابد أن تكون العلاقة بينهما مبنية على قواعد تبين الحقوق والواجبات، وهذه الحقوق وتلك الواجبات يجب أن تحددها سلطة يعترف بها ويخضع لها الطرفان، قادرة على الإخضاع والالتزام، ظهر قهرها للطرفين، وثبت حاجة الطرفين إليها، وهي غنية، ثابت غناها بالأدلة التي لا يمكن إنكارها، وما نتج عن هذه العلاقة من مودة ورحمة، وما خص الله الإنسان من نعم يعجز عن أن يأتي بها البشر لا مجتمعين ولا متفرقين مما لا يمكن حصره، يدل دلالة واضحة على قرب الله من خلقه، وهذه ولاية عامة لجميع  المخلوقين ظاهرة ما أولى به الناس من نعم، وهناك ولاية خاصة لبعض البشر لصفة قامت بهم ونعمة خصهم بها (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا) لأنهم آمنوا هو وليهم، آمنوا بالله إلاهاً واحداً، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، الذي أحسن كل شيء خلقه، هذا الإيمان يورث ثقة ويقيناً وعملاً، وهذا يحتاج إلى صفاء ذهن وسرعة بديهة، وقوة حجة، وهذه تستمد من الإيمان بالله وتسمى الولاية لطائفة تكون مع الله فيكون الله معها بالعلم والنصر (يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) ظلمات الكفر والجهل والضلال، إلى نور الإيمان والعلم والهدى فيصيروا صالحين يعملون الخير ويدعون إليه ويقبلون عليه، (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ) لأنهم تركوا المنعم المتفضل وأقبلوا على الهوى، على الخضوع للشهوات يوالون الظَلَمَة الذين بلغوا درجات متقدمة في الطغيان، تركوا الحق الواضح وأقبلوا على شهواتهم يعبون منها عباً، فخرجوا من نور الهدى إلى ظلمة الشبهة والجهل والكفر فكان جزاؤهم الذي يستحقونه (أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) يقاسون حرها وبردها جزاءاً بما قدمت أيديهم.
     هذا خبر، وكل خبر يحتاج إلى دليل يثبته من حيث هو خبر، والقرآن الكريم يعلم الناس كيف يكون كلامهم منطقياً يصدِّق بعضه بعضاً، ويمسك أوله آخره، من أجل ذلك ذكر ثلاثة أدلة تدل على صدق القضية (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ).

   
الدليل الأول: حوار إبراهيم مع الملك المتكبر في الإله الحق (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) يحيي أي يخلق في الجسم الحياة فيحيا، ويخلق فيه الموت فيموت (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ) ولكن محاور إبراهيم لا يريد أن يفهم هذا لأنه يصير محجوباً فأول قول إبراهيم على معنى يوافق مذهبه ويتفق مع هواه (قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ) أحكم على اثنين بالقتل، فأقتل أحدهما وأخلي سبيل الثاني، فسر (أحيي) على معنى أتركه حياً، لا على المعنى الذي أراده منه إبراهيم، لأن إحياء الإله خلق الحياة لا ترك الحي حياً، فما فهم الملك الظالم ليس من الإحياء في شيء، إن المحاور يجب أن يكون سريع البديهة قوي الحجة واضح الدليل، لذلك انتقل إبراهيم بمحاوره إلى دليل أقوى، وحجة لا يمكن ردها ولا صرفها عن ظاهرها (قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ) فإن كنت كما تزعم  (فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ) لكنه لا يستطيع ذلك لأنه مخلوق ضعيف عاجز، فثبت بالدليل القطعي أنه مألوه وأن الإله هو الذي يأتي بالشمس من المشرق وأنه وحده قادر أن يأتي بها من المغرب إن شاء وهنا سكت المحاور لأنه ليس عنده ما يقول (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ) لأنه كفر فأعمى الله بصيرته، ومفهومها أنه لو كان مؤمناً لأنار الله بصيرته وسدد مقالته ثم أتى القرآن بالدليل الواضح (وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) لأنهم ظالمون وضعوا العبادة في غير موضعها، فكلت أفهامهم وعميت أبصارهم، ولو آمنوا بالله والتمسوا هداه بطاعة أوامره، لحققوا لأنفسهم السعادة في الدنيا والآخرة، وقصة إبراهيم مع الملك الظالم، تدل بوضوح على ذلك.

   
الدليل الثاني: قصة رجل تدخل فيما لا يعنيه فأراد أن يعلم كيف يحيي الله القرية الميتة، لم يصرح باسمه واكتفى بالإشارة (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ) نكرها لعدم الفائدة في معرفتها، وذكر الرجل بالاسم الموصول لأن صلة الموصول علة الحكم، ووصف حال القرية (وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا) أي خربة لا حياة فيها، ما فائدة معرفة ذلك لك، ما الذي تخسره بعدم العلم، فإن قد أردت المعرفة (فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ) العلم لا يكون إلا بالتعلم، وذلك يحتاج إلى وقت وجهد ولهذا أماته مئة عام، وهي مدة ضرورية للتعلم (قَالَ كَمْ لَبِثْتَ) من ضرورات التعلم والتعليم الحوار، كم هي المدة التي أمضيت ميتاً (قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً) لأنه مات أول النهار، ثم نظر الرجل فإذا بالشمس لم تغرب فاستدرك قائلاً (أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) مسكين يا من يريد أن يعرف كيف يحيي الله قرية بعد موتها ولا يعرف كيف مات، وكم لبث ميتاً، كان الأولى به أن يسعى في تعلم ما ينفعه في عاجل أمره وآجله، وهذا ما علمه الله إياه، (قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ) لم يتغير، وهذا يدل على أن الرجل لبث يوماً أو بعض يوم، وهي أقصى مدة يمكن أن يبقى الطعام معها صالحاً للأكل، (وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ) لا حمار ثمة بل كومة عظام وهذا يدل على أن الرجل مات مئة سنة: مدة يتحول معها الحمار إلى كومة عظم، ثم أراه ما يزيد به إيمانه وتشتد به عزيمته فقال: (وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً) تعلم الرجل أن الله قادر على الجمع بين المختلف فالطعام لم يتغير والحمار لا وجود له، ثم أراه الله كيف يحول العظام إلى حمار حي اجتمع فيه المختلفان الروح والمادة، عالم الغيب وعالم الشهادة تبين ذلك كله (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) زال من خاطره ذلك السؤال، وأسلم قياده لله، ما ذاك إلا لأن الله أنار بصيرته.

     القصة الثالثة: قصة نبي الله الذي أراد علماً يقوي يقينه ويطمئن قلبه، وعمل في سبيل تحصيل ذلك العلم، ما أهله لينال ما طلب (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى) آمنت ولكني أريد أن أزداد اطمئناناً (وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)  وهذا سبب مباح لذلك قال (قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ) أي ضمهن إليك وأحسن إليهن حتى يألفنك ويأنسن بك، ثم اذبحهن، فأمسك رؤوسهن عندك، ثم وزع اللحم والريش والعظم على الجبال المحيطة (ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً) ففعل فرأى الريش والعظم واللحم يتطاير ويتجمع فيركب رأسه ويمضي آمناً (وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) فالعاقل يعتز بالغالب الذي لا يغلب، ويلتمس حكمة من حكمه، وهذا يدل على أنه ولي الذين آمنوا فما ختمت به الآيات يؤكد على المقدمة؛ الله ولي الذين آمنوا.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة