الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

من أي الفريقين أنت ؟!! 
سورة النساء   الآيات 111 - 122


قضية شرطية أصلت المسئولية الجزائية وأن يتحمل كل عامل مسئولية عمله لا يُحَمِّلها غيره، فجاءت القضية تحذره من اتهام غيره بخطأ ارتكبه إنسان وحمَّل مسئوليته غيره فقال: { وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً }(الآية 112/ من سورة النساء).

الخطأ: العدول عن الجهة الحسنة شرعاً وعقلاً إلى الجهة المخالفة فيعمل عملاً مخالفاً لأمر الله، كقتل الأولاد الذي نهى الله عنه وقال: { ... إِنَّ قَتْلَهُم كَانَ خِطْئاً كَبِيراً } ، ومنه خطأ اخوة يوسف – حين بيتوا قتله ثم باعوه عبداً إلى القافلة المسافرة إلى مصر؛ فلما تابوا قالوا: { وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ }. والخاطيء من تعمد العمل على خلاف الشرع؛ وأما من يَحسُن فعله ويقع منه ما يخالف إرادته فهو المخطيء، قد أصاب في الإرادة وأخطأ في الفعل، وإياه عنى النبي صلى الله عليه وسلم، بقوله: من اجتهد فأخطأ فله أجر، ومنه قوله: { وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } . والخطيئة والسيئة يتقاربان في المعنى، إلا أن الخطيئة أكثر ما تقال فيما لا يكون مقصوداً إليه في نفسه بل يكون القصد سبباً لتولد ذلك الفعل منه كمن يرمي صيداً فيصيب إنساناً؛ فإذا ما كان السبب مأذوناً به شرعاً فالإثم مرفوع؛ لكن لا بد من ضمان المتلفات، { وَلَيْسَ عَلَيْكُم جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِه وَلَكِن مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبكُم } ، والخطيئة هي التي لا تكون عن قصد إلى فعله، والخاطيء هو القاصد إلى الذنب، والمراد بالإثم ما يوجب الذم في الدنيا والعقاب في الآخرة، والكذب من جملة الإثم، ويقال لمتحمل الإثم: آثم. وعليه؛ فإن من يرتكب ذنباً قاصداً إليه أو غير قاصد ثم يلقِ التبعة على بريء لا علاقة له بذلك الذنب، فقد وقع فيما هو شر مما هرب منه، وقع في البهتان الذي هو شر أنواع الكذب، بنسب الفعل القبيح إلى بريء، واستحق العقاب على ما جنى من إثم واضح يستحق عليه الذم في الدنيا والعقاب في الآخرة، هنا عقب الآية 112 بالآية 113 { وَلَوْلاً فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً }(الآية 113/ من سورة النساء).

لما كان العباد بحاجة إلى الله ينير أبصارهم وبصائرهم فيميزوا بين الحق والباطل، فامتن الله على نبيّه وذكره بنعم الله عليه وتداركه إياه بلطفه فحماه من أن يقع تحت تأثير الشائعات التي تحاول صرف النبي صلى الله عليه وسلم عن الحق الذي لا لبس فيه، وعاد وبال ذلك على مطلقي الشائعات، فأضلوا أنفسهم وأوردوها موارد التهلكة، وحمى الله نبيّه من أن يلحقه ضرر أي ضرر وأكرم الله تعالى الرسول صلى الله عليه وسلم فأنزل عليه القرآن الكريم، وخصه بالسنّة التي تبين مجمله، وتقيد مطلقه، وتخصص عامه، وتشرح معانيه، وعلمه من العلوم التي لم يكن ليعلمها دون فضل الله عليه ورحمته، فدل ذلك على أن فضل الله تعالى على النبي صلى الله عليه وسلمكان عظيماً. ثم إن الله أرشد المؤمنين أن يقتصروا في مناجاتهم بعضهم بعضاً على ما فيه مصلحة عامة أو خاصة؛ وهي أحد ثلاثة: أمر بصدقة، هي برهان على صدق الإيمان كما سماها النبي صلى الله عليه وسلم : والصدقة برهان، والنجوى هي الحديث بين اثنين أو أكثر بصوت منخفض، الثاني: المعروف، وهو ما يتفق العقلاء على صلاحه، ويدعون إليه، ويحضون عليه.

وختم الآية بقضية شرطية { وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً}، تضمنت الحضَّ على الطاعة فأكدت أن { مَن يَفْعَلْ ذَلِكَ}أي يأمر بالصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس بإزالة ما قد ينشأ بينهم من خلاف حسبة وطلباً لرضى الله، بعيداً عن المظاهر الخادعة، ووعد بأجر عظيم
لا يقدر قدره.

ثم حض القرآن على لزوم الجماعة، ونفَّر عن الخروج عليها؛ فقال: { وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ}، أي يقف في شق غير شقه، أي يحارب الله ويخرج على جماعة المسلمين، بعد أن بين الله الهدى بياناً واضحاً لذوي الأبصار؛ وذلك أن وضوح الحجة، وقوة الدليل، يقتضي التمسك بالجماعة، والحرص عليها، ما أوجب الزجر، والوعيد الشديد{ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى } نكله إلى نفسه { وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ }، وعيد شديد تنخلع لهوله القلوب، زاد من قوته وصف جهنم بما يُؤذن بذمها { وَسَاءَتْ مَصِيراً}، أي ساء مصير من يكون فيها؛ وذلك يدل صراحة على أن الخروج على الجماعة أمره عظيم؛ من هنا جاءت الآية التالية تحض على التوبة، وترغب فيها، وتبين أن مغفرة ما دون الشرك تحت المشيئة، {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ }؛ وفي ذلك دعوة إلى صدق الالتجاء إلى الله، وصدق الرغبة فيما عنده ما يؤذن بالمغفرة ما يؤذن بقبول توبة من أفلح عن الباطل، وراجع الحق، واستقام على المنهج. أما المشرك؛ فإنه يتخبط في هواه ومسالك الشيطان، فأوغل في الضلال، والابتعاد عن الحق، فالمشرك يعبد هواه، ويطيع الشيطان الذي طرده الله من رحمته، فأراد أن يستكثر من مطيعيه، فأقسم أن يغوي من خلق الله قسماً معيناً، يسعى في إضلالهم، وإبعادهم عن المنهج القويم الذي أقامته الشريعة لإصلاح الفرد والمجتمع، فتارة يأمر بقطع آذان، أو بتغيير خلق الله بشتى الوسائل، ثم ختم الحديث عن الشيطان؛ فقال: { وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ } ينصره ويتنصره { فَقَد خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً }؛ لأنه ترك الغني القوي القادر واتبع فقيراً ضعيفاً عاجزاً، كذاباً، يعد ولا يفي، ويوقع متبعه تحت تأثير الأوهام والأماني الكاذبة التي لا حقيقة لها، فاستحق الخاسرون بطاعة الشيطان، وموالاته { أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ }؛ لأنهم لم يطلبوا الجنة، ولا عملوا لها، فأمضوا عمرهم في اللهو والعبث { وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً }؛ لأنه عاش فاسقاً ومات عاصياً؛ فأي خسارة أعظم؟.

وعلى الجهة المقابلة، قوم عرفوا الله ووالوه، وأطاعوه، مخلصين، صادقين، فاستحقوا أن ينجز لهم الكريم وعده؛ فقال: { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدا }؛ لأنهم عزموا على الطاعة ما حيوا فاستحقوا الخلود في الجنة، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين { وَعْدَ اللهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً }، فختم الله مقرراً أنه لا أحد أصدق من الله، فالله حق، وقوله حق، ووعده حق.

فاللهم وفقنا وثبتنا.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة