الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

هل من خاضع بكليته لله!! 
سورة النساء   الآيات 113 - 126


قرر القرآن فيما سبق أن من يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يطلب من الله المغفرة يوفقه الله للتوبة، ويقبلها منه ما دام معترفاً بذنبه، تائباً منه، راداً للحق إلى صاحبه، وأما الذي يعمل القبائح المختلفة، ويتهم بها غيره، فهو كذاب أشر، يفتري على خلق الله، يعرضهم لسخط الله، ويثير المجتمع عليهم، بخلاف الأول؛ فإن ما يكسبه من خير أو شر، فعاقبة ذلك على نفسه: هو وحده المنتفع بالخير، أو المتضرر بالشر الذي اقترفه، وإذا ما تدبر الإنسان هذا علم مقدار ما تفضل الله به على رسوله، حين حاول الناس أن يصرفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنهج الذي أرسل به فعاد وبال ذلك عليهم، فأوقعوا أنفسهم في الضلال، وحاولوا إلحاق الضرر بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فحماه من شرهم: فهذا يحمل حجراً يريد إلقاءه على رأس النبي صلى الله عليه وسلم يريد قتله فيلصق الحجر بيديه، ولا يستطيع أن يلقيه إلا بعيداً عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأراد أهل قتله فخابوا، وأراد بنو النضير قتله فأطلعه الله على ما نووا في أنفسهم ودبروا في خفاء؛ ولما واجههم لم ينكروا، وصدق الله وما يضرونك من شيء، فأكد أن الأيدي لا يمكن أن تمتد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بسوء لوعد الله له أن يعصمه من الناس، وشرّف الله نبيه فأنزل عليه القرآن والسنّة، وعلمه ما لم يكن يعلم من أخبار الماضين الذين كذبوا الرسل وما أنزل الله بهم من عذاب: إغراقاً أو ريحاً فيها عذاب أليم، أو صيحة، أو خسفاً أو غير ذلك.

المهم أن الله أخذ كلاًّ بذنبه فعاقبه عقوبة تليق به، وأكرم نبيه بالوحي إليه قرآناً يتلى، وسنّة تشرح القرآن تبين مجمله وتوضح مشكله، وتقيد مطلقه، وتخصص عمومه، وتستقل بالتشريع، وتفضل عليه، فعلمه ما لم يكن يعلم، فعظم فضل الله عليه وعلينا معشر أتباعه، فوجب علينا أن نشكر الله، نطيع أمره، ونجتنب ما نهى عنه.

الناس يحبون إذا اجتمعوا أن يتحدث بعضهم إلى بعض بصوت منخفض يسمى في لغة العرب مناجاة أو نجوى؛ من هنا جاء الأدب القرآني يبين أن الخير كل الخير في مناجاة تعود بالفائدة على عامة الناس، تحقق المصالح لعامة أفراد المجتمع أو معظمهم، وجاءت الجملة منفية بـ لا النافية للجنس لتقرر أن كثيراً من مناجاة الناس لا خير فيها إلا مناجاة من أمر بصدقة فتناجى الآمر والمأمور في الحض على الصدقة، حفظاً منهما على شعور المحتاج فلا يؤذى، ومناجاة من يهدف إلى نشر معروف وحض عليه أو نهي عن منكر وأمر بتركه، والثالث من يسعى إلى الإصلاح بين الناس، بنشر الوفاق وإزالة الخلاف، امتثالاً لأمر الله، وبعداً عن معصيته؛ فمَن هذا حاله يستحق ثواباً عظيماً؛ لأنه يحقق مصلحة معتبرة شرعاً.

وعلى النقيض من يخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقف في شق غير شقه؛ كأنه يحارب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن المحاربين يقف كل واحد منهما في شق غير شق صاحبه، ومن لوازم مشاقة الرسول إتباع سبيل يخالف سبيل المؤمنين؛ لذلك أوعده أن يتركه وما أراد، ويحمّله مسئولية عمله في الدنيا ويصليه جهنم إذا استحل معاداة رسول الله وجحد معلوماً من الدين بالضرورة، وفيه وعيد شديد على معصيته الرسول، أما إذا عمل معاص ويعلم أنه يخالف أمر رسول الله، ولا يستحل المعصية، فمرتكب كبيره، أمره إلى الله إن شاء غفر وإن شاء عذَّب؛ لكن لا يخلَّد المؤمن في النار؛ من هنا كان قوله {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ}، يعني دون توبة، والتوبة الصادقة تكفر الذنوب، وترفع تبعات حق الله، أما حق الإنسان فلا بد من أدائه كاملاً إلى صاحبه، فلا تبرأ الذمة إلا بذلك، وبين أن من يشرك بالله ضل عن معرفة الحق وبعُد عنه؛ لأنه إنما يعبد هواه تبع شيطاناً متمرداً، عاصياً أوامر الله، ولمخالفته وتمرده، لعنه الله، وكانت آلهتهم التي يعبدون إناثاً: اللات والعُزَّى ومنات، وهؤلاء إناث كما وفي الواقع يعبدون الذي يزين لهم الباطل، ويقبح الحق، فيتبعونه ناسين أو متناسين أن الشيطان عدو حاقد يتربص بهم ليصرفهم عن جادة الحق؛ فيكونوا معه في جهنم، وقد أوعد أن يتخذ من عباد الله حصة مقدرة؛ لأن الله أكرم أباهم فأسجد له ملائكته لما كان في خلقه من آية واضحة على قدرة الله المطلقة، حين حول التراب المادة الصماء إلى إنسان سوي يحسُّ ويعقل، وزوده بآلات يعرف بواسطتها الحق من الباطل، والخير من الشر وما ينفعه، فيقبل عليه وما يضره فيعرض عنه؛ ولكن إبليس كان متكبراً، حاقداً، فحسد آدم وتربص بذريته، وأقسم أن يتخذ من عباد الله حصة مُقَدَّره، يأمرهها فتطيعه مستغلاً طاعته لها أن يوقعهم في الضلال، ولذلك صور منها: ما كانت تفعله العرب من قطع أذن الناقة في سن معين، وإطلاقها هائمة على وجهها، تبحث عن طعامها بنفسها، متوهمين أن يتخلص من المسئولية الجزائية عن هذا الحيوان الذي خدم صاحبه بصدق وكان من حقه عليه أن يرعاه في أخريات أيامه.

ومنها ما يفعله الناس في أيامنا هذه من تغيير خلق الله بفعل ما لم يأذن به الشرع مما هو مشهور؛ ولما كان ذلك لا فائدة، ولا ثمرة له، ترك البحث في تفصيل ما يضلل به الشيطان أولياءه {وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا ً} واضحاً لا لبس فيه؛ لأن وعوده وأمانيه أوهاماً لا حقائق لها، ولا فائدة منها؛ لأنه أفنى عمره فيما لا فائدة له، ومصيره في الآخرة إلى النار، وأي خسارة أعظم من خسارة فقد الدنيا والآخرة!.

وعلى الطرف الآخر من يؤمن ويعمل الأعمال الصالحة التي تنفع العامل أو تدفع عنه، أو تنفع غيره أو تدفع عنه، فهو السعيد المستحق أن يدخل جنات النعيم خالداً مخلداً فيها، وعد الله حقاً لا يتخلف بل لا بد من أن يتحقق؛ لأنه لا أحد أصدق من الله قيلاً، فهلم إلى عمل الصالحات، وحذاري من الأماني الكاذبة التي لا يصحبها عمل صالح نافع أو دافع؛ فإن العمل المبني على الإيمان محقق السعادة للإنسان في الدنيا والآخرة، وعمل السوء الضار المضر يعاقب بقدر ما يصيب المجتمع من ضرر. واعلم يا أخي أنه لا أحد أحسن طاعة وانقياداً لأمر الله من الذي استسلم بكليته لله، وعبد الله كأنه يراه، واتبع ملة إبراهيم مائلاً عن الشرك إلى التوحيد مقتدياً بخليل الله إبراهيم، معتقداً أن الإله الحق الذي تجب طاعته هو مالك السموات والأرض المحيط بكل شيء لا يخرج عن طاعته مخلوق.

فهل من خاضع بكليته له؟.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة