الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

هل من متدبر ؟ 
سورة النساء   الآيات 74 - 91


فرض الله الجهاد على المؤمنين يمنعون به الظلم عن أوليائه المستضعفين، ويقيمون به العدل المطلق بين جميع أفراد المجتمع فلا يطغى فريق على فريق بل يكون الجميع أمة واحدة، تعرف الحق وتنشره بين الناس تحفظه وتحافظ عليه، وبناه على مقدمات مسلمات لا بد منها، أولاها الدعوة إلى الحق وإقامة الأدلة المقنعة عليه، وثانيها تخيير العدو المتربص بين واحدة من ثلاث: الإيمان والانتقال إلى جماعة المؤمنين، أو الخضوع الظاهر لدولة الحق حيث يعيش الناس آمنين، ويكلف غير المسلمين بدفع مبلغ من المال لقاء تولي الدولة حمايتهم والسهر على سلامتهم – إن أقاموا بين المسلمين – فإن عاشوا منفردين وتولوا حماية أنفسهم لم يكلفوا بشيء؛ لأن هذا المبلغ القليل لا يغني الدولة ولا يفقر دافعه إنما هو دليل حسي على خضوع دافعه للنظام ورضاه بحماية المسلمين له، والجزية تشبه إلى حد ما رسوم الإقامة وما فيها للمقيمين في البلد من غير أهله، والفرق بين الجزية والرسوم التي تفرضها الدولة على من يقيم من غير أهل فيها، أن الجزية تؤمن من أعطاها من أن يُعتدى عليه أو يساء إليه والرسوم لا يفيد منها المقيم إلا الإذن له بالإقامة دون أن تكون الدولة مسئولة عن حياته وماله، والمسلمون يكلفون بالزكاة والخمس من مغانم الحرب وقد يكلفون تكاليف لسد الحاجة، أما المؤَمَّنون فلا يكلفون إلا بالجزية؛ فإن رفض الأعداء الاثنين فالقتال هو الحل حتى يحكم الله بينه وبينهم، حرب مقدسة لا يبغي المقاتِلون على المقاتَلين، فلا يقاتلون إلا المقاتلين فلا يقتلون صبياً ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة بل من قاتلهم؛ لأن بعض السفهاء إن لم تكن قوة رادعة تحمي المجتمع تمادوا في الضلال فروعوا الآمنين وأخافوا السبيل؛ لذلك نراه يستفتح البيان بالفاء الفصيحة؛ كأنه يقول: مهما يكن فليقاتل في سبيل الله لنصرة المستضعفين وردع الذين يحاولون التسلط على خلق الله بالباطل يقهرونهم على ما لا يريدون بما لديهم من قوة مادية لم يصحبها إيمان، من هنا كان قتالهم في سبيل الله سبيلاً إلى بلوغ أعلى المراتب في الجنة، سواءً أماتوا مجاهدين أم انتصروا على عدوهم؛ لأنهم أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وأخذوا على أيدي السفهاء وقصروهم على الحق قصراً.

 ولذلك وجه السؤال إلى المؤمنين يستنهض همهم أي شيء يمنعكم من القتال في سبيل الله لإنقاذ المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين بُغي عليهم من الظالمين بغياً ألجأهم إلى الله طالبين منه أن ييسر لهم سبيل الخروج من قرية تسلط الظالمون عليها وأن ييسر لهم من يعينهم ويأخذ بأيديهم وبين أن وظيفة المؤمن في هذه الحياة الدنيا أن ينصر الحق ويقاتل أولياء الشيطان الذين يقاتلون طلباً للتسلط على خلق الله، وبين أن تدبير الشيطان لا يقوى على قهر الحق ومحوه، وأن الصراع بين الحق والباطل مستمر والغلبة للحق في نهاية المطاف، ثم وجه سؤالاً للنبي صلى الله عليه و سلم عن خبر قوم آمنوا بالله وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة؛ فلما فرض عليهم الجهاد جبنوا خوفاً من الموت وتمنوا على الله أن يؤخر عنهم هذا إلى وقت قريب، فبين لهم أن الحياة متاع قليل سرعان ما يتركها الإنسان ويمضي وحيداً كما جاء جبنوا خوفاً من الموت وتمنوا على الله أن يؤخر عنهم هذا إلى وقت قريب، فبين لهم أن الحياة متاع قليل سرعان ما يتركها الإنسان ويمضي وحيداً كما جاء إليها وحيداً؛ وأن الآخرة خير لمن اتقى وأن الله حكم عدل لا يظلم الناس، بل يعطي عباده أجراً كاملاً، وإذا كان ترك الجهاد يدفع إليه خوف الموت بين لهم أن الموت واقع بهم لا محالة ولو كانوا في بروج مشيدة فلا مفر منه؛ لأن الله كتب على خلقه الموت فلا مفر لهم منه فالمجاهد يموت بعمره والجبان كذلك، فلا الجهاد سبب للموت ولا تركه سبب للحياة والجبناء يبحثون عن حجة تسهل لهم مخالفة النبي صلى الله عليه و سلم فإن أصابتهم حسنة قالوا هذه من عند الله، وإن تصبهم سيئة نسبوها إلى الرسول صلى الله عليه و سلم من هنا أمر الله نبيه أن يخبرهم أن الحسنة: ما يُسَر به الإنسان والسيئة كل منهما من الله، لكن الحسنة فضل من الله، والسيئة بلاء نزل بك بسبب ذنب وقعت يذكرك أن لك رباً يأخذ بالذنب ويعفو عنه. فالبلاء ينـزل بالناس بسبب ما وقعوا فيه من ذنوب ولا يرفع إلا بتوبة، والرسول هو المبلغ عن الله يؤيده بالمعجزات الدالة على صدقه. من هنا كانت طاعة الرسول طاعة لله ومن تكبر عن طاعة الرسول فمسئول عن عمله محاسب عليه، وليس من مهام الرسول أن يضغط على القوم ويلجئهم إلى الإيمان به وبالله الذي أرسله. وهنا فريق يظهر طاعة الرسول عند الرسول؛ فإذا ما تركوا مجلسه أضمروا خلاف ما قالوا بألسنتهم غافلين عن الله المطلع على خفايا وخبايا أنفسهم ويكتب ما يفكرون فيه، قال ذلك ليهديء أنفس المؤمنين فلا يلتفتون إليهم معتمدين على الله مقبلين على طاعته واثقين أنه وليهم القادر المقتدر؛ فإن من تولى الله كفاه كل ذلك مبين في كتاب الله أغفلوا فلا يتدبرون القرآن فيتعرفون إلى ما فيه من الأدلة المقنعة والبراهين التي تدل أنه كلام الله المعجز ولو صح أن يكون من عند غيره لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً؛ لكن انضباط ألفاظه ومعانيه وصدق أخباره وحكمه وأحكامه تشهد أنه من عند الله لفظه ومعناه يرشد الخلق إلى ما فيه صلاحهم في العاجل والآجل، ولو أن الناس ردوا إلى الله وإلى الرسول ما يثار من شائعات لوضعوا الأمور في مواضعها وعرفوا الحقائق من الأباطيل، ولولا أن الله يتفضل على عباده فيبين لهم ما يحتاجون إليه من المعلومات لكانوا معرضين لإتباع شياطين الإنس والجن الذين يثيرون الشكوك والشبهات يشغلون بها المؤمنين عن معرفة ما يراد بهم ولهم ويجعلونهم يعيشون في قلق وخوف، من هنا وجب ردع المشككين بالقوة لتستقيم قناتهم ويقفون عند حدهم. ولما كانت القدوة أعظم أثراً من الكلمة أمر الله نبيه بالقتال ولو منفرداً ويحرض المؤمنين بقوله وفعله على القتال أملاً أن ينتصر الحق على الباطل ويرتدع جاحدوا نعم الله عن غيهم فيُمنع شرهم عن المؤمنين، فالحق لا بد له من قوة يدفع بها الباطل ويردع أهله، والله يُؤَيد أهل الحق على أهل الباطل ويجعل كيدهم في نحورهم ويوقفهم عند حدود ما شرع الله؛ لأن الحق لا بد أن ينتصر في نهاية المطاف، وحتى لا يستغل الأعداء ما يتصف به المؤمنون من طيب ولينِ جانب، جاء قوله :( مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً ) في إنقاذ مظلوم أو تخفيف ألم(يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا ) يأجره الله ويخفف عنه من أعباء الحياة على خلاف (وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً) ينصر ظالماً أو يعين على باطل (يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا ) جزاءً وفاقاً وقديماً قالوا: من أعان ظالماً سُلط عليه، ليتعاون الناس على ما فيه صلاح الجميع وذيل الآية بما يفهم منه أن الإنسان ينال جزاء عمله إن خيراً فخير أو شراً فشر، والمقيت خالق الأقوات ومسهل الانتفاع بها، فعلى العاقل أن لا يعمل ولا يقول إلا خيراً لتكون عاقبة ذلك عليه خيراً.

ومن حرص الإسلام على العلاقات الاجتماعية أن أمر الله برد التحية بأحسن منها أو على الأقل بمثلها، ذلك أن الله يحاسب العباد على أعمالهم فيثيب أو يعاقب بحسب المناسب، فالله لا مستحق للعبادة غيره؛ لأنه بدأ الإنعام على عباده من اللحظة الأولى لوجودهم، فهيأ لهم المكان المناسب والطعام في كل طور من أطوار حياتهم وأخرجهم ورباهم بالنعم إلى أن بلغوا أشدهم وأعطاهم السمع والبصر والعقل وكلفهم ويبعثهم بعد الموتة ويجمعهم للحساب والثواب أو العقاب، فالسعيد من عمل لذلك اليوم، وترك ما لا فائدة منه ولا ثمرة له من الأعمال والأقوال والأفعال من مثل البحث في المنافقين الذين مرضوا في المدينة وأمرهم رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يخرجوا إلى حيث إبل الصدقة ترعى، وأذن للراعي أن يسقيهم من ألبان وأبوال الإبل، فلما شفاهم الله وعادت إليهم الصحة عدوا على الراعي، وساقوا الأنعام إلى بلادهم، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه و سلم خبرهم أرسل في إثرهم فأعادوهم إليه وأنزل بهم ما يستحقون من العقاب، ما لكم تنقسمون إلى فئتين، والله أركسهم بما كسبوا، ما شأنكم أتريدون أن تهدوا قوماً أضلهم الله؛ لأنهم صموا عن سماع داعي الله، وأعموا أبصارهم عن رؤية الأدلة الموضحة ولا اتعظوا بما حل بالمكذبين على مر الأيام ومن يتخلى عن الله ويُعرض عن إتباع أمره فلن تجد له سبيلاً تستطيع معه من إنقاذه، وهؤلاء المنافقون الذين أشغلتم أنفسكم بالبحث في حالهم وتمنيتم لهم النجاة أحبوا لكم الهلاك بأن تكفروا فتكونون سواءً فحذار من اتخاذهم أولياء وهم على الحال من الكراهية لكم ولما تدعون إليه من منهج قويم حتى يهاجروا ما هم عليه من باطل ويعودوا إلى الصراط المستقيم؛ فإن لم يفعلوا وحاولوا التسلط عليكم فقاوموهم ولو بحد السيف في كل مرة قاوموا الحق فيها واحذروا نصرتهم وطلب النصر منهم؛ لأن عداوتهم ظاهرة؛ فإن احتموا بقوم بينكم وبينهم ميثاق قد أمنتموهم بعقد موثق، أو لجأوا إليكم خائفين من مقاتلتكم ومقاتلة قومهم؛ فإن تركوا القتال وامتنعوا عن مقاتلتكم فاتركوهم ما تركوكم وكونوا على حذر منهم متيقظين ما داموا مسالمين لكم في الظاهر فسالموهم، وهذا يتبين لنا أن الجهاد شرع لرد عدوان الظلمة؛ فإن توقفوا عن الظلم لوقفنا عن قتالهم ما سالمونا؛ فإن سولت لهم أنفسهم الاعتداء على المسلمين رد المسلمون عدوانهم بمثله ليبقى الحق محترماً منصوراً.

فاللهم وفقنا وأعنا وكن معنا ولا تكن علينا.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة