الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

عرفْتَ فالزم !!! 
سورة النساء   الآيات 44 - 59


بعد أن بيّن الصلاح والإصلاح من أين وكيف نظر إلى الآخر من خلال المنهج الذي بينه في الآيات 26-43 قال: ( أَلَمْ تَرَ ) الهمزة للاستفهام ولم للنفي واجتماعها للتقرير، والرؤية قلبية بمعنى العلم، وعدل عن (ألم تعلم) إلى (ألم تر) ليدل على أن هذا العلم بلغ درجة عالية من التحقق حتى لكأنه رأي عين لا يمكن إنكاره ولا تجاهله لشدة وضوحه، وعدى ترى المتعدي أصلاً بإلى ليلفت نظر القاريء والسامع للقرآن يدعوه إلى التعجب من حال قوم أعطاهم الله من العلم ما يستطيعون به أن يميزوا بين الهدى والضلال، فآثروا الضلال على الهدى فانغمسوا فيه ودعوا إليه وتمنوا أن لو يتمكنوا من أن يضلوا المؤمنين بالله ويبعدونهم عن جادة الحق؛ لأن بصيرتهم عميت وأفهامهم كلّت فعادوا الحق وتنكروا له.

والمؤمنون يوالون الله: ينصرونه ويستنصرون به ويثقون بعلمه في معرفة حقائق الأصدقاء والأعداء، ويطلبون عونه ونصره على أعدائهم، ولما كان اليهود أشد الناس عداوة للمؤمنين بيّن الله شيئاً من أخلاقهم يحذّر المؤمنين من التشبه بهم، فذكر تحريفهم الكلام عن مواضعه، فلما أمرهم الله أن يقولوا خطة أي مغفورة خطايانا قالوا حنطة: حبة في شعيرة، وغيروا شرع الله الذي شرع لعباده، ويقولون سمعنا وعصينا: سمعنا قولك وعصينا أمرك ويهزؤن بأنبيائهم ويسمعونهم من الكلام ما لا يصح أن يقال لنبي يوحى إليه، من مثل قولهم: اسمع غير مسمع أي لا جعلك الله تسمع وراعنا على لغتهم فإنها تدل على معنى قبيح فيه نوع من إساءة الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف معناها العربي؛ فإنها تدل على الترفق بالمدعوين والأخذ بأيديهم إلى ما فيه صلاحهم في الحال والمآل، لذلك عابهم فقال:  (لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّين) واللي تحريك اللسان بغير الكلام المقال على جهة إفساد معناه والإساءة إلى الشريعة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم أو تأويل النصوص على غير المعنى الذي سيقت له وهذا الداء سرى إلى أمة محمد فكان فيهم ما كان في قوم موسى، ولعل الله قصَّ ما كان من حالهم يحذّر المؤمنين من التشبه بهم وترسم خطاهم فسبحان علاّم الغيوب، يبين إصرارهم وعنادهم فيقول: ولو أنهم قالوا: سمعنا قولك وأطعنا أمرك واسمع منا ما نريد أن نقول وترفق بنا واصبر علينا حتى نقول لك كل ما نريد مصدراً ذلك بلو التي تدل على امتناع الجملة التي دخلت عليها، وفي هذا دعوة إلى المسارعة إلى نبذ الباطل والإقبال على الحق لما في ذلك من فوائد أشار إليها قوله في جواب لو   ( لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ)  في عاجل أمرهم وآجله، لكن منع أولئك من إجابة نبيهم طرد الله لهم من رحمته، فسارع للإجابة قبل أن يصيبك ما أصابهم، حذار من الإصرار على الباطل وسارع إلى التخلص من هذه الأمراض.

من هنا نادى الله أهل الكتاب وفي ضمن ذلك دعوة المخطيء من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى المسارعة في الخيرات وترك المنكرات، فالمقصود في ظاهر الخطاب أهل الكتاب وبالقدوة المؤمنون يثبتهم على الحق الذي هو هنا الإيمان المشار إليه بقوله: ( آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا ...)   في القرآن  ( مُصَدِّقًا)   مؤكداً على ما معكم من الحق الوارد في كتبكم وسارعوا إلى طاعة رسولنا ( مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا) يتهددهم بمسخ يغيِّر صورتهم الجميلة أو بطردهم من رحمته وينـزل بهم من البلاء ما أنزل بالذين اعتدوا في السبت وخالفوا أمر الله فاصطادوا في اليوم الذي حرم الله فيه الصيد  ( وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً )   تهديد أشد من الأول مؤكد له، يبين أن ما أراد الله كائن كما أراد فاحذروا معصيته وخصوه بما يجب له من إفراده بالعبادة والطاعة ( إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ) فالذنوب قسمان: كبائر لا يغفرها الله إلا إذا تاب العبد منها وأقلع عنها رأسها الشرك بالله، وذنوب هي محض حق لله إن شاء غفرها لمن يشاء متى شاء، وأكد على عظم الشرك بالله فقال   ( وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا )قضية شرطية تبين عظمة ما وقع به المشرك بالله من إثم، ثم بين قبح فعل بعض الناس فقال:   ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ ) أي ينفون عن أنفسهم العيوب ويمدحونها بما ليس فيها،  ( بَلِ اللّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاء ) إذا علم منه طهارة قلب وصفاء نفس وصلاح عمل وحال، وأكد على هذا بقوله  ( وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ) فدل على أن الله يعطي الحق كاملاً غير منقوص لصاحبه، ولفت النظر إلى فعل قوم يحذر منه وينفر عنه  (انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ) فيزعمون أنهم أبناء الله وأحباؤه، وأن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة: أربعين يوماً، عدد أيام عبادتهم العجل، ونسبوا إلى الله ما لم يقله، وادّعوا أن له ولداً، إلى آخر ما افتروه عليه، وأعظم ذلك إيمانهم بالجبت والطاغوت، الجبت يقال لكل ما عبد من دون الله، وربما قيل للساحر والكاهن جبت، فإيمانهم بالجبت يصدقه إتباعهم ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان، والطاغوت صيغة مبالغة من الطغيان يقال لكل متمرد عتا عن أمر الله وتسلط على خلقه وسام الناس خسفاً، وأقبح من ذلك ادعاؤهم أن المشركين الذين يعبدون الأصنام أهدى من الذين آمنوا طريقة، وهذا كذب صريح وادعاء باطل لا حقيقة له، لذلك طردهم الله من رحمته، ومن أبعده الله من رحمته فلن تجد له نصيراً؛ لأن الناصر الحق الله؛ فإن خذل العصاة فلا من ينصرهم من دون الله؛ فإن أضيف إلى هذا أن القلوب إذا أبعدت عن هدى الله ورحمته عميت فلم يعد صاحبها يميز بين ما له وما عليه، وقد يخيل إليه الباطل حقاً، لذلك جاء سؤالهم بل ألهم نصيب من الملك أعني ملك الله إذا كان كذلك لبخلوا بالحقوق ومنعوا الواجب بل لمنعوا أقل ما يمكن من الأشياء التي لا قيمة لها المعبر عنه بـ  (نَقِيرًا )وهي فتحة في بذرة البلح، يضرب بها المثل في القلة حساً أو حكماً؛ فالله لا يصح عليه عقلاً ولا شرعاً أن ينقص من حق العاملين وأجرهم نقيراً، وقال مرة مثقال ذرة، وهؤلاء لا يمنحون أقل القليل لمخالفيهم إما لشدة البخل أو لشدة الحسد، وكان الأليق بهم الإيثار والكرم متشبهين بالنبي الذي كان يعطي الناس عطاء من لا يخشى الفقر، والله أكرم فقد آتى آل إبراهيم الوحي المتلو كالتوراة والإنجيل والزبور والصحف والقرآن وهذا أعظم ما يمكن إعطاؤه، والوحي غير المتلو كالسنة المطهرة، كما آتى آل إبراهيم خيرات الدنيا من الذهب والبترول والمعادن وأنواع المأكول والمشروب والملبوس والجو الجميل وغير ذلك، فمن آل إبراهيم من شكر الله فآمن بما جاء به الأنبياء ومنهم من كفر وعمي عن إبصار الحق واجتهد في صرف الناس عن منهج الله فتكفي في عقابه الموعَدْ به جهنم دار العذاب الدائم لمخالفي أوامر الله، وبين ماهية العذاب والثواب فأخبر أن عذاب الذين كفروا بآيات الله وأعرضوا عن العمل بها نار عظيمة لا يقدر قدرها، أفادها تنكير وتنوين   (نَارًا ) وأن جلود المعذبين كلما ماتت وفقد صاحبها تجرع ألم العذاب بدله الله جلوداً جديدة غيرها ليبقى الإحساس بالألم ماثلاً في ذهن الخلق فيمتنعوا عن المعصية ويسارعوا إلى التوبة خاصة إذا انضاف إلى ذلك الوعد للمؤمنين العاملين أعمالاً صالحة تنفع العامل نفسه أو تدفع عنه أو تنفع غيره أو تدفع عنه، سيدخلهم الله جنات تجري من تحتها الأنهار يزيدها الماء نضارة وحيوية بخلاف أشجار الدنيا التي يفسدها الماء، والإقامة فيها دائمة لا ينغصها فراق النعمة للمنعَم عليهم كما في نعمة الدنيا التي إما أن يفارقها صاحبها الممتع بها أو تفارقه، كما أن للمنعمين أزواج مطهرة من كل ما يشين المرأة في الدنيا، ويدخلهم ظلاًّ ظليلاً زيادة في النعمة، ولما كان موجب الثواب: الالتزام بما أمر الله به أو ما يعرف بأدلة الأحكام الشرعية والتي حصرها الله بالكتاب: القرآن، والسنّة، والإجماع، وقياس ما لم يرد له نص على حكمه بما ورد النص على حكمه، وهذه الأصول الأربعة تحقق العدل المطلق الذي يعم الناس كل الناس؛ لأنها لا تحايي أحداً على حساب أحد، لذلك جاءت الآية 59 دليلاً على الآية 58 التي أمر الله فيها بأداء الأمانات إلى أهلها، والمراد بالأمانة التكاليف التي أمر الله الناس بأدائها لأصحابها، وحضهم على ذلك بذكر ما امتثلت به السموات والأرض والجبال، فالسماء تمطر ولا تسأل على من أمطرت، والشمس تشرق وتمد الأرض بالنور والدفء والحرارة ولا تسأل على من أشرقت؛ لأن الله كلفها بذلك فأدته كاملاً غير منقوص، أما الإنسان فلا بد من تشجيعه وترغيبه وحضِّه بوسائل مختلفة منها: الترغيب والترهيب المذكورين في الآيتين 56 و57 والشق الثاني من الآية أعني الحكم بين الناس كل الناس بالعدل كلما تحاكموا إلينا أين ومن كانوا وشرع الله يحقق العدل المطلق فجاءت الآية 59 دليلاً على الجزء الثاني من الآية 58، فتأمل كيف ربطت آيات القرآن المعاني فبنت نصاً متكاملاً محكماً..

فاللهم فقهنا وسددنا وارحمنا واجمعنا على طاعتك.


الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة