الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

الإصلاح والصلاح من أين ؟ !!! 
سورة النساء   الآيات 26 - 43


أَنزل الله القرآن يبين للناس المنهج الذي إن سلكوه صلحت دنياهم وآخرتهم واستقامت حياتهم؛ لأنهم إن علموا ما نزل بالمكذبين من عقوبة صدَّقوا المبلِّغ وأجابوه إلى ما طلب منهم فنجوا من غضب الجبار، وتابوا مما ألموا به فتاب الله عليهم ووفقهم فاستقاموا على المنهج الذي وضعه لهم وانتفعوا بما أنعم عليهم العليم بما يصلح أحوالهم ويضع الأمور في مواضعها التي تصلح لها وبها.

والله يريد من عباده أن يتوبوا فيتوب عليهم، يفسح لهم فيوفقهم للتوبة ويقبلها منهم. أما متبعوا الشهوات فيشجعون على إتباع الهوى والميل إلى الباطل عن الحق ليكثروا جماعتهم. وقد اقتضت حكمة الله أن يخفف عن عباده رحمة منه لضعفهم فييسر عليهم سلوك الطريق المستقيم بعد أن يبين لهم ما يكسبون بذلك من فوائد دينية ودنيوية، وأولاها وأهمها حفظ المال الذي جعل الله به استقامة حياة الأمة وسعادة أبنائها؛ فالأمة التي تملك المال يَهابُها العدو ويأنس بها الصديق، فلما أُدخل البنوك واستبدل بالأوراق فقد المسلمون مكانتهم فما قيمة مال لا تملكه بيدك ولا تستطيع أن تتصرف فيه بما شئت. من هنا نهى الله المؤمنين أن يأكلوا أموالهم بينهم بالباطل، والباطل: الزائل الذي لا حق لهم فيه: كالسرقة والغصب والربا والرشوة وغير ذلك من الطرق التي حرم الله كسب المال واكسابه بها، وفي الآية نهي المؤمنين عن صرف أموالهم في المحرمات شراءً وبيعاً ووهبا؛ فالمال ثروة للأمة وإفساده إلحاق الضرر بها: وتحويلها من أمة منتجة إلى جماعة ضعيفة فقيرة تطلب المال لتنفقه في ملاذها وشهواتها وما لا فائدة فيه ولا ثمرة له من الأشياء التي تستهلك، فلا ينتج عنها عائد ذو قيمة عملية، من هنا رأينا النبي r ينهى عن الدَّيْن نهياً جازماً؛ لأن المال الذي يأتي بسهولة يذهب بسهولة، يصعب سداده، وإذا كثر وزاد عن دخل المدين أرهقه وأرهق الدائن؛ فكانت تربية النبي r المؤمنين على ترك الدين إلا في حال الشدة لتأمين ضروري لا يستغنى عنه؛ فكان لا يصلي على من مات وعليه دين، وصلاته شفاعة يطمح بها كل مؤمن ما يجعل الناس يبتعدون عن الدَّيْن إلا أن يقهروا عليه في أضيق الحدود والأوقات؛ ولما كان المال قرين النفس ناسب أن ينهى عن قتل النفس قصاصاً لقتل غيره؛ ولأن الإسلام يحرص على الجماعة جعل قتل غيره قتلاً لنفس المخاطب فنهى المؤمنين عن قتل أنفسهم بعد أن نهاهم عن أكل أموالهم بالباطل أي صرفها فيما لم يأذن به الله، وحضهم على التخلق بمكارم الأخلاق مقتدين بالله الرحيم، فلا يعملون إلا ما فيه رحمة أو يؤدي إليها ليعيش الناس في أمن وطمأنينة وإذا لم ينفع الترغيب في إلزام الناس بالمنهج، فعسى أن ينفع الترهيب في إخضاع المتمردين الذين تجاوزوا الحد هددهم بعذاب ليمتنعوا عن الظلم والعدوان وتجاوز الحدود الشرعية التي يجب الوقوف عندها وعدم تجاوزها، فقدرة الله مطلقة لا تحد، ثم إن الله وَعَدَ الملتزمين الذين يجتنبون الذنوب الكبائر أن يستر صغائرها ثم يمحوها ويدخلهم الجنة عندها يكونون في غاية السعادة؛ فإن من يُدخل الجنة فقد فاز.

المؤمن يحب للمؤمن ما يحب لنفسه يسعد بسعادة أخيه يغبطه عليها ويتمنى أن يكون له مثلها مع بقاء النعمة لأخيه، المؤمن لا يحسد مؤمناً بل يسعد بسعادة أخيه ويفرح بما يأتيه، ذلك أن مجتمع المؤمنين مجتمع مودة ورحمة يتعاون أفراده على إقامة العدل ومنع الظلم يوالي بعضهم بعضاً يتوارثون فضائل الأعمال خلَفاً عن سلف، والعقد يُلزم المتعاقدين فيجب إعطاؤهم حقهم الثابت بالعقد ويتعين على المكلف أداء ما التزم به ومراقبة الله فيما يأتي ويذر. ولما كان المجتمع مكوناً من مجتمعات صغيرة بصلاحها يصلح وبفسادها يفسد حرص القرآن على سلامة الأسرة التي هي نواة المجتمع وعماده، فعين لها من يرعى شأنها ويراقب أمرها ويشارك في حمل المسئولية فجعل الرجال قوامين على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبتكليفهم الإنفاق عليهن ورعاية شأنهن، وجعل المرأة حارس عائلة الرجل تحفظ سره وتربي ولده، الأمينة عليه وعلى نفسها ومال زوجها؛ وهكذا شاركت المرأة الرجل في تحمل المسئولية ورفع القرآن من شأنها، فمنحها من الحقوق ما يساوي أو يفوق الواجبات.

ولما كان الاجتماع بين اثنين قد يطرأ عليه ما يعكر صفاءه وكان القرآن حريصاً على حفظ المودة وإدامة الألفة بينهما رأيناه يصف الدواء الشافي الذي يعيد إلى الأنفس صفاءها فأرشد الأزواج إلى البحث عن سبب نشوز المرأة وطرق علاجه وأساس ذلك في إحدى ثلاث: الوعظ بالحكمة؛ فإن البحث المعمق عن سبب النشوز ومحاولة إعادة الزوجة إلى جادة الصواب بإزالة ما أثارت الشبه في نفسها من غضب أو ابتعاد عن الجادة يمكن أن يزال بالوعظ؛ فإن لم ينفع لجأ الزوج إلى هجر زوجه في المضاجع يبين لها أنه غاضب أو عاتب عليها فيدفعها إلى البحث عن سبب غضبه أو عتبه، فيزول وتصفو القلوب؛ فإن لم ينفع هذا وذاك فالضرب الخفيف بالسواك ونحوه يصوب المسار ويعيد الزوجة إلى جادة الصواب والاستقامة، ويجب أن لا يشتط الزوج ويبالغ في إيذاء زوجه، ما دامت محافظة على نفسها وولده؛ فإن اشتد الخلاف وتعقدت الأمور وكادت عقدة النكاح أن تُحَل فالجأوا إلى الحكمين حكم من أهل الزوج وآخر من أهل الزوجة: لماذا من أهله ومن أهلها؛ لأن العائلتين كل منهما يحرص على بقاء اللحمة بين الزوجين، ويهمهما أن تبقى الروابط الزوجية قائمة باقية، فيبذلان جهداً في الإصلاح وإزالة أسباب الخلاف؛ فإذا كان لديهم رغبة في الإصلاح وفقهما الله، الله العليم بظواهر وبواطن الأمور.

إن الإصلاح بين الزوجين يؤسس لإصلاح بين العائلتين ما يؤدي إلى بناء مجتمع متماسك متعاون يعرف كل فرد من الأفراد واجباته فيؤديها كاملة ويدل على هذا آية الواجبات العشرة لأصحابها حيث كان توحيد الله وإفراده بالعبادة أول واجب؛ لأن الله أكرم الإنسان بالإحسان إليه من لدن أن كان جنيناً إلى أن بلغ أشده واستوى. نِعَم تتوالى توجب على المنعَم عليه شكرها لا جرم كان التوجه إلى الله بالقصد والطلب أوجب الواجبات؛ فالله العلي الكبير العليم الخبير يرشد عباده إلى ما فيه صلاحهم في الحال والمآل، فأمرهم أولاً بالتوجه إلى الله وتخصيصه بأقصى غايات الخضوع والتذلل مع الحب والتعظيم، ثم أمرهم ببر الوالدين؛ لأنهما أولياه النعمة الظاهرة؛ فالأم حملته كرها ووضعته كرها وربته صغيراً ورعته كبيراً وكانت إلى جانبه تشد من أزره وتأخذ بيده، والأب أعطاه اسمه وأنفق من مال الله عليه ورباه وأدبه وأخذ بيده إلى ما فيه صلاح حاله في العاجل والآجل؛ فكان بره شكراً له على إحسانه واعترافاً بفضله عليه، ثم إن أولى الناس بالإحسان إليهم بعد الوالدين ذوو القربى صلة الأرحام التي أمر الله أن توصل، فمن لا خير فيه لقرابته لا خير فيه لأحد.

ولما كان صلاح المجتمع رهن بصلاح الشباب والفتيان وكان فيهم من فقد والده؛ فكان بحاجة إلى من يراعيه ويهتم به، أمر القرآن برعاية اليتامى حتى يبلغوا الحلم ليُنشأوا تنشئة سليمة سوية خالية من العقد والأمراض النفسية، وقد يكون في المجتمع من سكنه الفقر أو سكَّنَه فأعجزه عن الحركة فاحتاج إلى من يسد حاجته ويقيل عثرته، وتجاور الناس يوجب على الجار الإحسان إلى جاره ذي القربى وغيره، وأولى الجيران بالرعاية والعناية الأقرب داراً من جاره، وقبل الجميع وبعد الجميع ومع الجميع الزوجة رفيق الدرب ومعين الزوج يعِفها وتُعِفُّه، ويأنس بها وتأنس به، ومن الذين أوجب الله رعايتهم وحض على إعانتهم ابن السبيل: المسافر الذي تقطعت به السبل وفقد ما يُمكِّنه من العودة به إلى أهله وعشيرته فنسب إلى الطريق لملازمته إياه، وربما كان له مال في بلده حال سفرهُ بينه وبينه؛ فكان واجب المجتمع مساعدته ليأنس إلى الناس ويأنسوا إليه، فتقوى الروابط بين أفراد المجتمع، وعاشر أصحاب الحقوق المملوك: فقد كان الرق في صدر الإسلام موجوداً فأفاد منه فأبقى الكافر المحارب حياً وضرب عليه الرق؛ إلا أنه جهد في تحرير ما في المجتمع من رق فرغَّب في عتق الرقاب وجعل ذلك مقرباً إلى الله موجباً رضاه منجياً من عذاب النار، وجعل كفارة الحنث في اليمين المنعقدة تحرير رقبة وكذلك كفارة الفطر في رمضان عمداً، وكفارة القتل عتق رقبة، وعلم المسلمون عبيدهم الحديث والتفسير والفقه وعتقوهم فكانوا أئمة هدى ودعاة خير وحملة علم يحتاج إليه وختم الآية ( (إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا ) ًوفي هذا دعوة الناس إلى معاملة الذين تحت ولايتهم بالحسنى، فأطعموهم مما يأكلون وألبسوهم مما يلبسون وكلفوهم من العمل ما يطيقون، وإذا عجزوا أعانوهم فعاش العبيد في ظل الإسلام عيشة راضية مرضية، فابن عباس علم مولاه القرآن والتفسير حتى صار من الأئمة.

وفي قوله: ( (إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا ) ً دعوة إلى التخلي عن الرذائل والتحلي بمكارم الأخلاق من التواضع والرحمة والبر والتقوى والكرم، لذلك نراه في الآية التي بعدها يذم البخل والأمر به وكتمان ما أنعم الله به عليهم، وأوعد الذين ستروا نعمة الله عليهم بعذاب مهين؛ لأنهم آثروا الفاني على الباقي ولم يظهروا أثر نعم الله عليهم، وأنفقوا أموالهم مرآة الناس وطلباً لثنائهم، ولم تخالط بشاشة الإيمان بالله واليوم الآخر قلوبهم؛ لأن الشيطان تسلط عليهم فوافقوه وساروا في الطريق التي رسم لهم معرضين عن منهج الله الذي وضع لعباده الصالحين ما ضر أولئك القوم المتمردين لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله لوجه الله وطلباً لرضاه إذاً لأثابهم على عملهم الصالح الذي لا يخفى عليه منه شيء، ذلك أن الله لا يظلم مثقال ذرة يضاعف الحسنات ويؤتي من لدنه أجراً عظيماً يوم تجد كل نفس أجر ما عملت محضراً. فما أسعد العاملين وأتعس المفرطين الذين عاشوا غافلين عن الله وما أعد لأهل طاعته، وماتوا مقصرين فتمنوا أن يفلتوا من الحساب؛ لكن دون ذلك صعاباً يعسر عليهم تخطيها وأهوالاً يبعد أن ينجوا منها؛ لأن القلوب أظلمت والأيدي تلوثت والأعمال ساءت حتى تمنى المسيء لو يصير تراباً.

هنا ينادي المؤمنين بالاسم الموصول وصلته التي توجب عليهم امتثال أمره يشيد بأهمية الصلاة ومكانتها فينهى عن أدائها في حالة الغفلة عن معنى ما يقول إذا عطَّل الخمر عقله فلا يفقه ما يقول، ذلك أن المصلي يجب أن يكون في كامل قواه ليفيد من الصلاة وينتفع بها، وإذا ذهب العقل فقد السكران القدرة على فهم معنى ما يقول؛ فكان قوله لغواً لا فائدة فيه ولا ثمرة له، وفي الآية نهي عن الاقتراب من أماكن الصلاة لتبقى لها مكانتها في قلب المؤمن، فلا يأتيها حال السكر اهتماماً بها ولا يأتيها حال الجنابة؛ لأنه ممنوع منها في هذه الحال؛ فإذا ما أراد الصلاة فليكن بكامل وعيه طاهر البدن والثوب والمكان غير جنب ولا حائض؛ لأن كلاًّ ممنوع من الاقتراب من المسجد حتى يتطهر بالماء الطاهر المطهر؛ فإن عجز عن استعمال الماء حكماً كمن أصيب بمرض جلدي فالقصد إلى تراب طاهر يمسح به وجهه ويديه ليطهره حكماً يستطيع معه استباحة الصلاة، كذلك الحال إذا فقد الماء الطهور حساً بأن كان مسافراً يشرع له قصد التراب الطاهر يرفع به الحدث ويتهيأ للصلاة التي هي صلة بين العبد وربه، فلا يناجيه إلا طاهراً متطهراً حساً وحكماً ليبقى القلب عامراً بالإيمان والتعظيم لله الواحد القهار خائفاً راجياً.

فاللهم وفقنا وسددنا وثبتنا واعف واغفر وارحم، خذ بأيدينا إلى أقوم سبيل، وتداركنا برحمتك.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة