الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

هلم إلى مجمتع طاهر !!! 
سورة النساء   الآيات 15 - 25


  يحضُّ القرآن الكريم على إنشاء مجتمع فاضل يعرف فيه كل فرد ما له من حقوق وما عليه من واجبات، فيؤدي ما عليه بنفس راضية قبل أن يطلب ما له ويكون الجميع مسئولين مراقِبين ومراقَبين، ويعتمد المصلحة العامة في تشريعاته لذلك رأيناه يعتمد الرقابة الذاتية والعقاب المناسب الذي يرد العاصي ويوقفه عند حد معين بحيث تتحقق المصلحة العامة من أيسر طريق فأوجب حبس النساء اللاتي يأتين الخصلة البالغة درجة عالية من القبح لما يؤدي إلى أثر بالغ على العامة فأمر بحبسهن في البيوت مدة تطول أو تقصر بقدر الحاجة التي يطهر معها المجتمع من الأخلاق الفاسدة والعلاقات المحرمة، ولم يصرح بالاسم سترا للعاصي وترغيبا له بالتوبة، وذكر علة الحكم: صلة الموصول، ينص عليها لينفر منها ويردع عنها، والحبس المؤبد أو المؤقت عقوبة مناسبة تبين أن الشريعة التي يدعو إلى تطبيقها ثابتة الأصول مرنة التطبيق، فالرجل العامل المنتج حبسه يضر الجماعة لذلك لم يأمر بحبسه عقوبة بل أذن بإيذائه إلى أن تظهر منه بوادر التوبة فيتوقف المجتمع عن إيذائه لأنها وسيلة منع وردع وإذا كان كذلك فما ملامح التوبة الحقيقية وممن تقبل؟.

إن الله يقبل توبة من يقع منه الخطأ: أن يكون جاهلاً بالنتائج يعمل غافلاً وما إن ينتبه حتى يراجع الحق ويقلع عن ذنبه ويبادر بالتوبة. أما من يصرُّ على الباطل ويتمسك به حتى يفارق الدنيا عاصياً؛ فإن الله أوعده بعذاب مؤلم يتناسب وما اقترف من الذنوب، وفي هاتين الآيتين ما يدل على سعة علم الله وحكمته، فوضع كل أمر في موضعه معلماً عباده بالقدوة أولاً لينتقل إلى التعليم بالكلمة فيما شرع فناداهم بحرف النداء "يا" منبهاً لهم من غفلتهم إذ كان النداء بها يؤذن بغفلة المنادى القريب بما وضع لنداء البعيد تشبيهاً له بالبعد الحسي؛ لأن الغفلة بُعد في المعنى، وجعل المنادي أي وزاد فيه "ها" حرف التنبيه زيادة في العناية، والمخصوص بالنداء الاسم الموصول وصلته حضاً لهم لإعمال فكرهم والمسارعة إلى إتيان المأمور به وترك المنهي عنه وقوله (لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا )    ويُتصور ذلك في التمسك بمن لا يريد من الزوجات حتى إذا ما ماتت ورثها وهو كاره لها وهي كذلك، فبين أن ذلك حرام، والمؤمن يحرص على طيب مطعمه وإن كان المخاطب الأولياء، كان المنهي حبس المرأة ومنعها من الزواج حتى يبقى المال في العائلة، وفي الآية نهي عن مضارة الزوجة التي لا يريد البقاء معها لتفتدي منه، فيجمع على المرأة مصيبتين: فقد الزوج وفقد المال، فذلك لا يحل؛ لأنه أخذه بطريق محرم، ولو كان المأخوذ قليلاً، أما إذا كانت المرأة غير راغبة في البقاء مع من هي في عصمته فلها أن تفدي نفسها بشيء من المال لا يزيد عن المهر الذي أخذته عند العقد وشرع الله الفداء لحل مشاكل لا تنتهي إلا إذا تفرقا، والله عالم بالسرائر فلا يخفى عليه من أمركم سراً كان أو جهراً؛ فإن اتهمها بالباطل وأخذ من مالها ظالماً فلا يحل له، ثم أمر بحسن معاشرة الزوجة في جميع الأحوال ولو كان كارهاً لها ووعده بخير جزاء وأن يجعل في التي كرهها زوجها خيراً كثيراً له ولأولادها؛ فإن تعسر البقاء معها أو تعذر لشدة النفور بينهما وأراد الزوج أن يطلق واحدة ليأخذ أخرى وكان مهر المطلقة كبيراً نهاه أن يأخذ منه شيئاً وأمره أن يؤد إليها حقها كاملاً وأن يحسن التعامل مع مطلقته لتبقى قلوب أفراد العائلتين عامرة بالمحبة؛ فإن الظلم يورث الحقد والكراهية، والعدل يثمر المودة والتعاون، وتجلى العدل في عدم الجمع على أحد الزوجين بين مصيبتين: فقد الزوج وفقد المال.

ونلاحظ أن الله شرع لعباده ما تستقيم به حياتهم، ولما كانت الأسرة النواة الأولى للمجتمع وكانت المرأة ضعيفة مظنة أن تظلم من الرجال الأقوياء نهى عن الإساءة إليها بأي نوع من الإيذاء فنهى عن مضارتها بأي نوع حتى إرثها كرها حراماً وما أخذه الولي من مال لا يحل له الانتفاع به بأي شكل من الأشكال، ونهى الولي عن أن يتسلط عليها فيمنعها من الزواج لتبقى أموال الأسرة في الأسرة، ونهى الزوج عن مضارة زوجه ليستعيد ما دفع من مهر، ووضع قاعدة كلية تحدد الحقوق والواجبات؛ فإن كان النشور من جانب الزوجة ورغبت في تحرير نفسها من الالتزام بمضمون ما ألزمت به نفسها من العيش مع الزوج، فلها ما تريد؛ لأن الشرع لم يلزم المرأة بالزواج بمن لا تريد ولا يلزمها البقاء مع من تزوجت إذا وجدت أن البقاء معه مشكلة، فأباح لها أن تفدي نفسها؛ وإن كان النشوز من جانب الزوج بأن رغب إبدالها بغيرها فيجب عليه أن يؤدي إليها كامل مهرها بالغاً ما بلغ؛ لأن الأخذ منه ظلم يوجب العقوبة يوم الحساب ثم تعجب من حال من يأخذ من مهر زوجته التي عاشرها فترة ثم تركها وأخذ ما كان أعطاها فجمع عليه مصيبتين فقد الزوج وفقد المال، ولما كان البحث في الزوجات ناسب أن يصحح بعض ما وقع فيه العرب في الجاهلية من أخطاء فذكر شرها وهو زواج المقت فنهى عن نكاح زوجة الأب؛ لأنها بمنـزلة الأم؛ ولأن في معاشرتها إيذاء للأب، وقد أوصى الله ببره، وإلى هذا أشار بقوله: ( إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلاً (22) ) فالفاحشة معصية كبيرة وخطأ فاحش يوجب الابتعاد عنه والهرب منه؛ لأنه فعل مذموم شرعاً، والمؤمن يمقت الأفعال التي تؤذي أقرب الناس إليهم وأحناهم عليه من حملوا اسمه، ولما ذكر نكاح زوجة الأب وبين أنه محرم أتبعه بذكر المحرمات من النساء، وبدأ بالمحرمات من النسب فذكر منهم سبعة: الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت، ثم ذكر المحرمات من الرضاع فذكر الأمهات والأخوات. ولما قال النبيصلى الله عليه و سلم يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب علمنا أن المحرمات من الرضاع كالمحرمات من النسب؛ فكانوا سبعة، والرضاع المحرم خمس رضعات مشبعات في الحولين رضاعاً ينشز العظم وينبت اللحم. ثم ذكر المحرمات من المصاهرة فذكر أمهات الزوجات وبنات الزوجات المدخول بهن؛ أما إذا طلق الأم فيجوز له خطبة بنتها، أما إذا عقد على البنت حرمت عليه أمها على التأبيد وحليلة الابن تحرم على أبيه، والجمع بين الأختين محرم وزادت السنّة الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها لما يؤدي إلى تفكك في الأسرة وقطع للأرحام التي أمر الله أن توصل، والربيبة بنت الزوجة جمعها ربائب وقيدها بقيدين الأول لا تأثير له؛ لأنه باعتبار الغالب وهو قوله في حجوركم؛ لأن البنت تكون ملازمة لأمها وأمها في بيت زوجها فكأن بنتها كانت في حجره، والقيد الثاني هو المعتبر ( مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ ) والحكمة من تحريم بنت الزوجة المدخول بها على زوج أمها حماية الأسر من التفكك والحفاظ على العلاقات العائلية السليمة.

والمرأة المشغولة بزوج فلا يصح شغلها بآخر، ولعله بين من خلال ذكر المحرمات أن يعلم الناس أن لكل مكلف موقع واحد وشخصية واحدة، ولما ذكر المحرمات بين أن من عداهن حلال فقال: : ( وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُم ) .
فالمحرمات قليل والحلال أكثر وهو ما عدا المحرمات فما يصلح للزواج من النساء التي ليس لها موقع في العائلة لتكون زوجة، وقوله (أَن تَبْتَغُواْ ) أي أن تعبروا عن رغبة في امرأة تحصنكم وتحصنوها من الوقوع في ما حرم الله من الزنا، فالمهر عطية خالصة ودليل حسي على رغبة الرجل في المرأة، والزواج لا بد فيه من قدرة مالية تفي بتأمين الضروريات والحاجيات والتحسنيات، وبين القرآن أن الزواج يعصم كلاً من الزوجين عن الوقوع في الحرام.

وأكد القرآن مفهوم الأولى بمنطوق الثانية، ومفهوم الثانية بمنطوق الأولى فقال (مُّحْصِنِينَ ) أي متعففين بالزواج عن الوقوع في الفاحشة، وأكده قوله ( مُسَافِحِينَ ) فتطابق المفهوم والمنطوق على أن في الزواج فوائد، وقوله ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً)(ما) في الآية مصدرية أو موصول حرفي كأنه قال اشكروا نعمة الله عليكم بإعطاء الزوجة مهراً، وفرض ذلك فريضة فالمهر لا بد منه ولا حد لأقله وأكثره، المهم أن ترضى به الزوجة، وفي الآية دليل واضح على أن النكاح المؤقت محرم، وعلى أن الزواج يسقطه تحديده بوقت؛ لأن الله جعله سبباً للمودة والرحمة ووجود الأولاد والعائلة ونكاح المتعة من أنكحة الجاهلية التي أبطلها النبي صلى الله عليه و سلمعام خيبر وأكد على بطلانها عام الفتح؛ لأن فيها أهانة للمرأة ولا تحقق الأمن والأمان للزوجة والأولاد، وذيل الآية بوصف الله بالعلم والحكمة يدل دلالة واضحة على أن نكاح المتعة محرم ويؤكد على هذا قوله في الآية 25 (وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ )حيث أذن بالزواج من الأمة إن عجز عن الحرة، ولو كان نكاح المتعة جائزاً لم يكن من داع للزواج بالأمة وتحمل خطر أن يكون أولاده مظنة الاسترقاق إذا كان الزواج بأمة فدل على أن زواج المتعة: محدد المدة غير جائز إذ لو كان مشروعاً لأغنى عن الزواج بأمة وسمى المهر أجراً على طريق الاستعادة لدفع توهم أن الزوج اشترى المرأة به، وإلا فهو أبعد ما يكون عن العوض، فيجب بالعقد نصفه ولا يجب زيادة عليه شيء ولو عاش معها مئة، والأجر يختلف باختلاف الوقت، ثم إن القرآن أباح للعاجز عن الزواج بحرة أن يتزوج أمة بعقد صحيح يتولاه مالك الأمة عن الولي والزوج يتولى القبول، ولما كانت الأمة تتخذ للخدمة في الأصل رأيناه يسقط عنها نصف الحد لو وقع منها ما يوجب حداً من زنى أو شذوذ، وما يصح تنصيفه الجلد؛ فإذا زنت بعد الزواج جلدت خمسين جلدة، ولم يأذن الله للحر أن يتزوج أمة إلا في أضيق الحدود؛ لأنه اعتبرها ضرورة تقدر بقدرها؛ لأن الشريعة نزلت للتيسير والتخفيف المقنن لا القائم على الأهواء والشهوات المفضية إلى الهلاك والمهر واجب لا يسقط تأخذه الحرة لنفسها ويأخذ مالك الأمة لنفسه، إذ أن العبد وماله لسيده أو مالكه، والعنت ما يشق على المكلف تحمله وخوف العنت سوغ الزواج بالأمة؛ لكن أفضل منه الصبر عن المعصية، وعلى الطاعة، والله غفور رحيم، يتجاوز عن أخطاء عباده وقد يغفرها لهم إذا علم صدقهم المدلل عليه بالصبر.

فاللهم وفقنا وسددنا.


الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة