الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

تلك حدود الله فلا تعتدوها !!! 
سورة النساء   الآيات 1 - 14


نداء إلى الناس كل الناس بأيّ التي تدل على العموم مع هاء التنبيه: تنبه الغافل وتأخذ بيده لفعل المأمور به، اتقوا ربكم فاجعلوا بينكم وبين غضبه وانتقامه حاجزاً يقيكم عذابه بطاعته والتزام أمره والامتناع عما نهى عنه؛ لأنه أوجدكم من العدم ورباكم بالنعم: خلقكم من آدم وخلق من جنسها زوجها حواء تكمل نقصه وتؤنس وحشته وتعينه على أعباء الحياة، وجعل بين الزوجين مودة ورحمة ينشأ فيها الصغير، ويأنس بها الكبير، وعن هذين الزوجين: آدم وحواء، نشأ الأسر المختلفة رجالهم ونساؤهم ما يوجب الحض على تقوى الله؛ لأن به يسأل الناس بعضهم بعضاً، وأضاف إليه الأمر بصلة الأرحام؛ إذ كانت رابطة الناس مقوية العلاقة بينهم؛ فإذا شعر الناس أن أصلهم واحد وأنهم أبناء لأم وأب واحد، وإذا انضاف إليه أخوة الإيمان عاشوا أحبة يتعاونون على نشر الفضيلة وإشاعة الخير في المجتمع، يراعون بالضعيف، ويرفقون به، ويكرمون اليتيم، يسعى بعضهم في إصلاح شأنه؛ ما دام الإنسان مراقباً الله فيما يأتي ويذر، فالشعور بأن الله رقيب على عباده يورثهم مراقبة له وحرصاً على ما فيه رضاه، وأولى من يطلب رضى الله في برهم وبذل المعروف لهم اليتامى؛ فبرهم دليل على الإيمان؛ لأنهم عاجزون عن حماية أنفسهم لصغرهم وعدم وجود أب لهم يحنو عليهم ويدفع عنهم، لذلك أمر الله بإيتاء اليتامى أموالهم التي أوصى إليهم بها آباؤهم بعد حفظها وتثميرها لهم حتى يبلغوا ذوي أموال يستطيعون أن يبدؤوا حياتهم بها، وحذر الأوصياء من تبديدها أو التصرف بها على خلاف ما أمر الله، سواء أكان ذلك بإبدال الجيد من أموال اليتامى بالرديء من أموال الأوصياء، أو بضم أموال اليتامى إلى أموال الأوصياء وأكل الجميع وجعل ذلك حوباً كبيراً، والحوب ذنب يستوجب إثماً كبيراً؛ لأنه اعتداء على عاجز عن الدفع عن نفسه، وبلغ من عناية القرآن باليتامى أن حذر من الزواج باليتيمة خشية أن يظلمها زوجها بصفته وصيّها ووليها فلا يعطيها مهر مثلها بالعدل، وأمره أن يعفَّ نفسه فيتزوج ذات أب من أبيها يفاوضه ويرضيه عنها، وبيّن أن النساء من الكثرة بحيث لو فرض وتزوج كل رجل زوجتان أو ثلاث زوجات أو أربع لكانت النساء تكفي، وفي هذا دعوة إلى العدل مع الزوجة، وإعطائها ما تستحق من مهر كاملاً أكانت يتيمة أم ذات أب، صغيرة أم ثيباً بالغاً أم غير بالغ، وفيه التعفف عن الفاحشة بالزواج إذ كان سبباً لبناء أسرة تكون فيها الزوجة سكناً لزوجها في بيت عماده الرحمة والمودة والتعاون؛ فكان البدء بإعطائها ما تستحق من مهر عطية خالية من الشوائب؛ فإن تنازلت الزوجة بنفس طيبة عن شيء منه، فيباح للزوج أن يأكله أو يتصرف فيه هنيئاً مريئاً، ومهر الزوجة أحل الحلال، كيف لا وقد أذن الله للزوج أكله؛ فإن كانت الزوجة صغيرة لا تحسن التصرف في المال فلا تعطاه بل يحفظ لها إلى حين البلوغ؛ لأن الحياة لا تستقيم إلا به فيجب المحافظة عليه وخدمته ليثمَّرَ ويعم خيره الناس كل الناس ويدل على أنه أراد أموال اليتامى أمران: الأول: أنه أمرهم أن يجعلوا لليتامى أصحابها رزقاً فيها، والثاني: يأتي في الآية 06 وإنما أضافها إلى المخاطبين؛ لأن المال إذا أُعمل فيه كان خيره عائداً على عامة الناس، وإن بُدد أو أتلف عاد الضرر على الناس، وإلى هذا أشار قوله: جعل الله لكم قياماً أي صيرها سبباً لصلاح المجتمع، وفي الآية 06 أمر الله بتدريب اليتيم وتعليمه صيانة المال ورعايته وتثميره وفق المنهج الذي فرضه الله وأمر به حتى إذا بلغ اليتيم راشداً يحسن التصرف في المال، دُفع إليه ماله وأشهد على ذلك لتبرأ ذمة الوصي؛ لأن المال ثبت في ذمته بيقين فلا يرتفع عن ذمته إلا ببينة شرعية: هي الشهادة.

        وقوله: ابتلوا اليتامى أي اختبروهم وفي هذا دعوة إلى تدريب اليتامى الذين لم يبلغوا الحلم؛ لأنه لا يُتْم بعد حلم، فلفظ يتيم يوميء إلى صغره، حتى إذا بلغوا السن التي يمكنهم معها الزواج أي بلوغ الحلم، وقد يبلغ اليتيم غير قادر على العمل وتثمير المال المعبر عنه بإيناس الرشد أي تلمسه؛ فإن حصل ذلك فادفعوا إليهم أموالهم، وحذرهم أن يتصرفوا فيها بغير الوجوه التي أذن الله والتي أشار إليها بـ إسرافاً وبداراً فحذرهم من تبديدها أو المبادرة إلى أكلها قبل أن يبلغ اليتيم السن الذي يُدفع إليه فيه ماله، وقوله أن يكبروا أي خوفاً من أن يكبروا فيأخذوها، فيبددها حتى لا يدفعها إليهم، على أن الله أذن لولي اليتيم الفقير أن يثمِّر ماله ويأكل من ثمرته بقدر الحاجة الضرورية التي لا بد منها، وأوصى الغني أن يحتسب في خدمة اليتيم وتثمير ماله رجاء ما عند الله من جزاء، فإذا دفع إليه المال أشهد لتبرأ ذمته من المال الذي تحت يده، ويكفي الله محاسباً لخلقه يضبط حركة الحياة وفق المنهج الذي وضعه، وهذه دعوة لطيفة إلى فعل الخيرات وترك المنكرات، ومحاسبة النفس فلا يقع منه ما يعرضه لغضب الله.

        كان العرب لا يورثون النساء ولا الصغير، ولا يرث عندهم - قبل الإسلام - المال إلا من حماه، والمرأة والصغير ليسا أهلا لذلك، فشرع الله الإرث مجملاً للرجال نصيب مجمل وللنساء كذلك، وسواء أكان المال قليلاً أم كثيراً، فأثبت للصغير وللمرأة نصيباً مقدراً محدداً تأخذه المرأة البالغة فوراً والصغيرة والصغير إذا بلغ، وهذا أول أمر تشريع الإرث من الوالدين والأقربين، وأذن الله لمن يقسم التركة أن يعطي من حضرها من ذوي القربى واليتامى والمساكين أن يعطوهم شيئاً يتألفونهم به إذا كان الورثة حاضرين بالغين غير محجور عليهم قادرين على التصرف وأذنوا بإخراج شيء من ذلك المال إلى من ذُكر من المحتاجين، أما إذا كان الورثة قُصَّراً أو بعضهم فلا فإن الوصي لا يتصرف في مال التيم إلا في حدود معينة ليس منها الصدقة؛ فإن لم يعط ذوو القربى واليتامى والمساكين فلا أقل من أن يُردوا رداً جميلاً لطيفاً، وإن أعطوهم أعطوهم مشفقين عليهم، فيقال لهم قولاً معروفاً: كل قلب يعرفه وكل نفس تطمئن إليه، فقولٌ معروفٌ ومغفرةٌ خير من صدقة يتبعها أذى، وكرامة الإنسان يجب احترامها ومراعاتها والاهتمام يحفظها عن كل ما يسيء إليها.

        وحض الله المؤمنين على رعاية اليتامى الذين هم تحت وصايتهم بأسلوب فيه رفق ورحمة فدعا ولي اليتيمِ أن يعتبر نفسه الميت وأولادُه أولادَه، فلو أنه مات وترك أولاداً صغاراً كيف تُراه يجب أن يُعامل أولاده، فليعامل أولاد الميت الذين أُوكل إليه رعايتهم كما لو كانوا أولاده من صُلبه، فليرعاهم كما يحب أن يَرعى غيره أولاده يراقب الله في أولاد غيره ويربيهم تربية حسنة: يحافظ على مالهم حتى إذا ما بلغوا بلغوا أغنياء مؤهلين لإصلاح الحياة وتثمير مالهم وفق الشرع الذي أنزله الله وعلمه النبي، صلى الله عليه وسلم. إن أكل مال اليتيم أو تبديده عليه أو التقصير في حمايته ورعايته حال يتمه جريمة يعاقب الله عليها أشد عقاب حتى لكأنه يأكل في الدنيا ناراً بما يصيبه نتيجة أكل مال اليتامى ظلماً من أمراض وآلام وبلاء، وفي الآخرة بما يصير إليه من عذاب أوعد الله به: عذاب جهنم التي هيأها الله لعقاب الظلمة، وفي هذا تحذير من الظلم وتنفير عنه، وترغيب في إقامة العدل بين الناس وحض عليه، بالقدوة والكلمة، وهذا مثال عملي بعد الكلام النظري المليء بالترهيب والترغيب، إنه الميراث ينتقل من الآباء إلى الأبناء، ولما كانت البنات بل الإناث بعامة لا يرثن – قبل الإسلام – جعل الله ميراث الأنثى أصلاً يقاس عليه ميراث الذكر ويعرف به، تلطف بالمدعوين فأوصى الآباء بالأبناء فجعلهم رأس العصبات لشدة حاجتهم إلى المال، وجعل الرجل مكلفاً بالإنفاق على المرأة أكانت أماً أم بنتاً أم أختاً أم زوجة، ولم يكلف المرأة بالإنفاق على أحد، وهذا يفسر سبب توريث الرجال ضعف نصيب النساء؛ لأن نصيبها لها ونصيبه له ولها؛ فإن لم يترك الميت ذكراً وترك إناثاً ضعافاً بحاجة إلى من يقف إلى جانبهن يحنو عليهن ويدفع عنهن، أعطى النساء الثلثين وترك للمُعين الثلث يستعين به في الإنفاق على الإناث ورعاية مصالحهن، وهذا الثلث يأخذه الأبوان لكل واحد نصفه أي السدس، أو الأب منفرداً؛ لأنه في المرتبة الثانية من العصبات يأخذ السدس فرضاً والسدس الثاني تعصيباً إذا لم يكن للميت زوج أو زوجة أو ابن ابن؛ فإن كانت الوارثة بنتاً كان لها النصف فرضاً والباقي لمن ذكر إن وجدوا؛ فإن لم يوجدوا ووجد أخ شقيق أو لأب انتقل التعصيب إليه؛ وإن وجد الأخ لأم الواحد منهم له السدس أو اثنين فأكثر فالثلث لهم؛ فإن تشارك الإخوة الأشقاء والإخوة لأم في الأم تقاسموا الثلث بالسوية للذكر مثل الأنثى؛ فإن لم يوجد إخوة ذكور ووجد أخوات كن عصبات مع البنات؛ فإن لم يوجدن انتقل الإرث الباقي إلى أبناء الإخوة الأشقاء الذكور منهم دون الإناث؛ فإن لم يوجدوا انتقل الإرث إلى أبناء الاخوة لأب: الذكور دون الإناث؛ فإن لم يوجدوا انتقل الإرث إلى الأعمام الذكور الأشقاء فلأب، وبعدهم أبناء الأعمام الأشقاء فلأب، وبهذا ربط الله العائلة ربطاً محكماً تضبط حركة حياتها وفق شرع الله وترعاها مراقبة الله فيما تأتي وتذر، فإذا فسدت الصلات بين العائلات وصار الأخ يأكل أخاه أو أخته أو عمته، وجب رده إلى الجادة وإصلاح ما فسد وتقويم ما اعوج من أخلاقه لا الهروب إلى مذاهب صرفت ألفاظ القرآن عن ظاهرها باجتهادها غير الملزم إلى معانٍ رأتها وقلدها فيها غيرها تقليداً يغذيه حب المال والحرص عليه والرغبة في إيصاله إلى أقرب الناس إليه؛ فإن لم يكن للميت ولد ذكراً أو أنثى ورثه أبواه للذكر مثل حظ الأنثيين، وهكذا الحال إذا كان مع الأبوين زوج أو زوجة، ويسميها علماء المواريث العمريتين؛ لأن عمر بن الخطاب أول من قضى في مثلها أعطى الزوج النصف وقسم النصف الثاني بين الأم والأب فأعطى الأم ثلث الباقي أي السدس والأب الباقي، وأعطى الزوجة الربع، والأم الربع، والأب الباقي. ومع أن ما أخذته الأم ربعاً في الصورة الثانية يتأدب الفقهاء مع النص القرآني فيقولون ثلث الباقي؛ لأن الله قال فلأمه الثلث، فتوافق كلامهم مع كلام الله، وبيّن الله الحكمة في هذا التقسيم أنه صادر عن علم كاشف ويحقق العدل المطلق؛ لذلك جعله حقاً ثابتاً للورثة وألزمهم باتباعه؛ لأنه مفروض من الله، والله أحاط علمه بكل شيء لا يغيب عن علمه شيء يضع الأمور في مواضعها المناسبة؛ لأن البشر عاجزون عن إدراك ذلك بسبب ضعفهم وجهلهم وتحكم الهوى في تصرفاتهم.

        ولما فصّل ميراث الأولاد: ذكوراً وإناثاً أتبعه ببيان ميراث الأزواج من زوجاتهم؛ فإن لم يكن للزوجة ولد من الزوج أو من غيره كان فرض الزوج نصف ما تركت زوجته؛ فإن كان لها ولد كان ميراث الزوج الربع، ثم اتبع ذلك ببيان ميراث الزوجة من زوجها؛ فإن لم يكن له ولد منها أو من غيرها كان ميراثها الربع مما ترك؛ فإن كان له ولد منها أو من غيرها كان فرض الزوجة أو الزوجات الثمن إذا كانت واحدة أخذته كاملاً؛ فإن كن أكثر تقاسمن الربع أو الثمن.

        ثم ذكر ميراث الأخ لأم فأعطاه السدس منفرداً والثلث إذا كان إلى جانبه واحد أو أكثر يتشاركون فيه للذكر مثل الأنثى، وجعل قسمة المواريث بعد قضاء الميت ديْنَه وتنفيذ وصيته، وقدم الوصية على الدين في المواضع الثلاثة وأخر الدين وهو مقدم؛ لأن الدين له من يطالب به ولا من يطالب بالوصية؛ لأنها تبرع محض، وزاد في الثالثة أو دين غير مضار يُحذِّر من لا وارث له من صلبه أن يقر بدين لأجنبي يحرم به ورثته من نصيبهم الذي فرض الله لهم متبعاً في ذلك هوى نفسه، وجعل تنفيذ المواريث التي شرعها الله في الآيتين السابقتين وصية منه واجبة التنفيذ طيبة بها نفس الميت؛ لأن الموصي بها: الله أوصى عن علم وهو حليم يغفر لمن أساء ولا يعاجله بالعقوبة، وفي ذلك دعوة إلى العلم والحلم، وأكد على وجوب تنفيذ ما أمر به في الآيتين بآيتين كل واحدة منهما قضية شرطية تقدمها إثبات أن المواريث أحكام يجب تنفيذها ذلك أنها حدود الله فلا يجوز تعديها، ووعد المؤدين لها بإدخالهم دار كرامته، إقامة دائمة ولا فوز أعظم وأكبر من هذا، وهذا الوعد فيه ترغيب بالطاعة وفي ضمنه تحذير من المعصية، وأكد على مفهوم الأولى بمنطوق الثانية، ومفهوم الثانية بمنطوق الأولى، وجعل المطيع مع جماعة المطيعين، والعاصي كأنه وحده في جهنم يعذب وعذابه مهين؛ لأنه أهان شرع الله ولم يؤد حقه وعصى أمره.

فاللهم وفقنا للعمل، وجنبنا الزلل.


الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة