الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

حذار من تطبع قبل التطبيع!!! 
سورة آل عمران   الآيات 181 - 200


    احترف جماعة من أهل الكتاب الكذب وسيلة للهرب من الواجبات أو التخلص من تبعة المسئوليات التي ألقيت على عواتقهم وورث هذا من بعدهم مِن الأمم ما حذر القرآن منه ونهى بطريق مباشر تارة، وغير مباشر ثانية، والكذب يقود إلى ما هو أشنع وأبشع منه، إنه اتهام المكذوب عليه والتشكيك في قدراته، وتوزيع التهم عليه ورميه بما في أنفسهم على ما قيل (رمتني بدائها وانسلت) فكان لا بد من الحكم عليه حكماً مؤيداً بالأدلة الملزمة، فقال: (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ) ولعل ما دعا إلى مثل هذا هو أن الله بالغ في دعوة المؤمنين إلى البذل والعطاء لسد الحاجات الحادثة والطارئة في مجتمع محاصر ممنوع من أن تمتد إليه يد غريبة بالمساعدة، ولما حرص القرآن على الكرامة الإنسانية وعدم إحراج المطلوب منه كان طلبه المساعدة على سبيل القرض، وراعى فيه غريزة حب المال والحرص على تكثيره؛ لكن أهل الكتاب هؤلاء غفلوا عن الحقيقة أو تغافلوا فجعلوا من هذا مناسبة للكذب على الله وتنفير الناس من الحق الواضح فادعوا أن الله مالك الملك وخالق الخلق قد عجز وافتقر ويطلب مساعدتهم؛ لأنهم أغنياء.

    إن فساد هذا القول بيّن واضح لا يحتاج إلى مزيد؛ لذلك أوعدهم (سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا) لنسألهم عنه ونحاسبهم عليه، ثم أضاف إلى هذا القول عملاً أقبح منه (وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ) القتل هدم لبناء جعله الله دليلاً على كمال القدرة وإحاطتها. فهدمه فيه إساءة كبيرة وأكبر منها قتل بغير حق أي قتل دون مسوغ شرعي أو ما سماه الله قتل نفس بغير نفس أي دون ذنب تستحق عليه القتل، وأقبح منه وأعظم جرماً قتل الأنبياء الذي بعثهم الله لإنقاذ الخلق من الجهل والضلال والكفر، بعثهم الله ليعيدوا الناس إلى جادة الحق فيرشِّدوا تصرفاتهم، ويقوِّموا ما اعوج من أخلاقهم. فمن يقتل الأنبياء يقتل الخير والفضيلة في المجتمع، فاستحق أن يقال لهم حين يطرحون في النار (ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) جزاء بما جنت أيديكم من ظلم للناس وللأنبياء ولأنفسكم بتعريضها لغضب الجبار ولعذاب النار.

    (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) إن الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون كمثل الذين يروعون الآمنين وينشرون الفساد في المجتمع.

    إن الإنسان كلما ازداد تعلقاً بالمادة ازداد قلبه غفلة وإعراضاً عن الله وإقبالاً على شهواته وأهوائه فيُظلم قلبه وتكل بصيرته ويكثر خطؤه ويكذب الكذبة تلوَ الكذبة ناسياً ما كان منه، فيكون كلامه حجة عليه كمثل (الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ) يريدون أن يبرروا كفرهم بمحمد، صلى الله عليه وسلم، إعراضهم عنه، ناسين أو متناسين أن الله بعث إليهم رسلاً قبل محمد مؤيدين بالمعجزات التي منها قربان تأكله النار، فما كان من أسلافهم إلا أن قتلوا أنبياءهم الذين أيدهم الله بالمعجزات الحسية (قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)  ولما كان في ذلك إخبار بمُغيَّب يعلمه المخاطبون ولا مصلحة لهم في الإقرار به وقد احترفوا الكذب وتمرسوا فيه واتهموا غيرهم بما في أنفسهم (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ).

    فبعد أن سألهم سؤالاً فيه حجة عليهم، وتعريض بأنهم كذبة محترفون باختيار (إِنَّ) التي تدل على أن جملة الشرط موضع شك؛ كأني به يتحداهم ليخلص من ذلك إلى مواساة النبي، صلى الله عليه وسلم، وشحذ همته، وفيه تلطف بمن قد يؤمن ويصدق خبره، فاختيار (إن) في هذا الموضع فيه لطف بالمدعوين ومعهم، وحرب على المكذبين على مر الليالي وتوالي الأيام، خلف لأسوأ سلف فلا تتأثر بما يقولون، فالموعد غداً بين يدي مالك الملك فيجازي كلاً بعمله (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ).

    إن المكذبين يموتون مع غيرهم، والدنيا دار عمل والآخرة دار جزاء والجزاء من جنس العمل، والقضية كلية عامة لا يفلت من هذا أحد، وذوق النفس الموت خلقه فيها، واختيار ذائقة الموت للإيذان بأن الله يخلق في النفس الموت دون مقدمات؛ إنه الدليل الحسي الذي لا يصح لأحد أن ينكره: إن لهذا العالم إله يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد، وجزاء الأعمال يوم القيامة؛ فمن كانت أعماله صالحة خيِّرة أبعدته عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، وهل فوز أفضل من هذا، والحياة ظل زائل لا بقاء له، يغتر الإنسان بما فيها من مال وجاه وسلطان سرعان ما يتركه وحيداً كما جاء وحيداً؛ ولما كانت الدنيا ممراً إلى الآخرة كان البلاء لازماً لها لكشف الخبايا والخفايا وإظهار الفضل ورفع الدرجات وزيادة الحسنات؛ من أجل ذلك أقسم الله فقال: (لَتُبْلَوُنَّ ِفي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) البلاء يهذب النفس ويقوم السلوك، والابتلاء بالأموال إما بفقدها قيمتها الشرائية أو بذهابها بوسائل غير مشروعة، والابتلاء في الأنفس بموت العلماء، وغفلة الأتقياء والاشتغال بما لا فائدة منه ولا ثمرة له، وما يصيب الناس من ظلم الفاسقين واعتداء المجرمين، وما يصيب الناس من بلاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما يصيب المؤمن ظمأ ونصب وجوع وغير ذلك من الأسباب. يضاف إلى هذا ما يتعرض له المؤمنون من إيذاء بألسنة أهل الكتاب ومن المشركين، وواجب المؤمن الصبر على الطاعة وعن المعصية وتقوى الله في السر والعلن وتجنب ما فيه إثم أو قطع ما أمر الله بوصله؛ ذلك أن البلاء في الدنيا لازم لها؛ لأنها دار ابتلاء يطلب فيها نشر الحق ونصره، وحرب الباطل وزجر الدعاة إليه بالوسائل المباحة، فواجب المؤمن الالتزام بشرع الله وتحكيمه فيما يأتي ويذر، وقديماً قال لقمان لابنه (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) فأمره بإقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على ما يصيبه نتيجة ذلك، ورأس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الدعوة إلى العمل بما جاء عن الله من وحي متلو وغير متلو، وها هنا بدأ بالبلاء المتسبب به الذين تنكروا لشرع الله وأعرضوا عن إتباعه. فأهل الباطل يحار أهل الحق في كيفية صرفهم عن باطلهم وإلزامهم به؛ لذلك ختم الآية بـ عزم الأمور ليربط على قلوب المؤمنين ويثبت أقدامهم على طريق الحق وحذرهم ما وقع من الأمم الغابرة، (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ)  فاذكر أيها الرسول ومِن بعدِك من يقرأ القرآن وقْت أخذ الله الميثاق من الذين أوتوا الكتاب، (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ)، الميثاق عقد مؤكد موثق بإيجاب بيان ما أوحى الله به إليهم وأن يظهروا ذلك عملاً به ونصراً له، فلم يلتزموا بما ألزمهم الله، بل طرحوا الكتاب وراء ظهورهم أي لم يعملوا به وأخذوا في مقابل كتمه وعدم العمل به ثمناً قليلاً، وأي ثمن يدفع في مقابل ذلك، بالغاً ما بلغ قليل في جانب ما فقد من نعيم دائم وقرة عين لا تنقطع؛ لذلك ذم عملهم (فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ)؛ لأنهم أخذوا الفاني المليء بالمنغصات بالباقي الذي لا فناء ولا ما يسوء فيه؛ ولما كان في الإعراض عن الوحي إطفاء لنور البصيرة ما يفقد صاحبها القدرة على التمييز بين الخير والشر والهدى والضلال، وربما زينت له الأمارة بالسوء أن يوهم من يسأله أنه أجاب بسؤاله فاستحق مدحه دون أن يفعل شيئاً، فنهاه أن يظن ولو للحظة أنه قادر على خداع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المؤيد بالوحي فشرفه بالخطاب فقال: (لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ينهى النبي، صلى الله عليه وسلم،  أن يظن خيراً بمن ظاهره غير باطنه ويتوعد من هذه حاله بأنه لن يفلت من عذاب الله؛ لأنه خدع رسول الله، صلى الله عليه وسلم،  فأوهمه أنه أجابه عما سأل ولم يفعل فاستحق حمد النبي، صلى الله عليه وسلم،  دون مقابل وفرح بما زينته له نفسه الأمارة بالسوء من أنه استطاع أن يخدع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، فناسب أن يهدده الله بعذاب يتناسب والجرم الذي اقترف، وتأتي الآية (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) لتبين أن جميع ما في السموات والأرض مملوك لله؛ لأنه أوجدهما من العدم ورعاهما وما فيها وأنه قادر على ما يريد لا يعجزه شيء يشهد بذلك الكون وما فيه.

    ودل في قضية (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) أن السموات والأرض وما فيهما من مخلوقات مختلفة أدلة حسية تهدي أصحاب العقول، فيعرفون الله من مخلوقاته التي تدل عليه بما فيها من حسن وإتقان وأكد الجملة الخبرية بإن فقال: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) فالله أوجد السموات والأرض على غير مثال، أوجدهما على أحسن ما يكون لا خلل لا تشوهات لا فطور على حد قوله: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ)، أعمل أصحاب العقول عقولهم في مخلوقات الله وتفكروا فيها فتوصلوا إلى أنه واحد في ذاته في صفاته في أفعاله ليس كمثله شيء متفرد في ذاته فلا ند ولا ضد ولا شبيه ولا شريك ولا ولد ولا صاحبة، نظام محكم يطول الليل فيقصر النهار ويطول النهار فيقصر الليل، (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)، عقلوا هذا فتوجهوا إلى خالقهم يذكرونه: يراقبونه في جميع أحوالهم قياماً وقعوداً ونائمين على جنوبهم ناظرين بأعينهم مفكرين بعقولهم، عاملين بجوارحهم مبتهلين بألسنتهم قائلين: يا ربنا يا من أوجدتنا من العدم وربيتنا بالنعم ما خلقت هذا الكون عبثاً، تنـزهت عن هذا فأنت لا تفعل إلا لحكمة عقلناها أو لم نعقلها، ومهما يكن فأجرنا من عذاب النار، (إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ)  قضية شرطية تفيد أن من أدخل النار فقد خاب وخسر ولحقه الخزي في الدنيا والآخرة، وأي خزي أعظم من خسارة الدنيا والآخرة واستحقاق عذاب النار؛ لأنه كان ظالماً لنفسه ولغيره وليس للظالمين يوم القيامة أنصار يحمونهم من غضب الجبار وعذاب النار، فالجزاء من جنس العمل؛ من هنا رأينا العقلاء يسارعون إلى التوبة والإنابة وإجابة داعي الله والمسارعة إلى التماس رضاه (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَار●ِ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) أخلصوا التوجه والالتجاء إلى الله، وطلبوا مغفرته، وسألوه أن يتم عليهم نعمه وأن ينجز لهم وعده ما دام لا يخلف الميعاد وما داموا مؤمنين صادقين عاملين مخلصين لله وحده، متوجهين بكليتهم إليه معتمدين عليه ملتمسين نداه، (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ)  لما ألحوا بالدعاء وصدَّق فعلهم قولَهم فاستحقوا أن ينجز الله وعده (أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ)  فالله مثيب لهم على أعمالهم الصالحة عملها الرجال أو عملها النساء؛ لأن الناس بعضهم من بعض، فالذكر كما الأنثى يعمل ويثاب على أعماله الصالحة، وفي هذا دعوة إلى نشر الفضيلة وإقامة العدل وعدم التعلق بالمادة والمبالغة في حبها، وأن يكون الإيمان وطاعة الله أهم ما يسعى إليه المسلم، (فَالَّذِينَ هَاجَرُوا) تركوا دار الحرب فراراً بدينهم (وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ) كأني به يبين السبب الذي دفعهم إلى الهجرة وهو إيذاء الأعداء وطردهم من ديارهم التي ولدوا وعاشوا فيها (وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي) فالهجرة مؤخرة قدمها للإشادة بها ومواساة أهلها، والإيذاء مقدم على الإخراج والهجرة آخره؛ لأن ما يصيب المؤمن في هذه الحياة مأجور عليه، فأشاد بالنتيجة ومر مرور الكرام بالمقدمات؛ كأنه ما كان إلا ليزيد في حسنات المؤمن ورفع درجاته، وهؤلاء المشاد بهم أخيار عاملون قاوموا الظلم وقاتلوا الظالمين حتى قتل بعضهم وأوذي بعضهم وهجر آخرون، فكان حقاً على الله أن يعفو عن الجميع وأن يثيب الجميع فكان وعده أن لا يضيع على أحد من العاملين ثواب عمله؛ لأنهم أمة واحدة؛ وأنه يكفر عن المسيئين منهم سيئاتهم فيسترها ليغفرها ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار، آية بينة تدل على عظيم قدرة الله وطلاقتها، حال كونها ثواباً لا يقدر قدره دل عليه التنكير فيه ووصفه بأنه من عند الله، والله عنده حسن الثواب، وهذا من إضافة الصفة إلى الموصوف وتضمين المصدر معنى التفضيل، فثواب الله أحسن وأعظم من ثواب غيره من كان، ولما نظر المسلمون إلى ما هم فيه من ضعف وقوة عدوهم، وما فيه من خوف وتسلط عدوهم وقلة ذات أيديهم ولعب أعدائهم بالمال لهواً وسفهاً ناسب أن يواسي رسوله، صلى الله عليه وسلم، فيخاطبه تشريفاً ومن بعده يخاطب كل قاريء كتاب الله ينهاه أن يظن بالله غير الحق، والخطاب للنبي والمقصود به أمته.

    (لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ)  إن الدنيا دار ابتلاء، ويكون بالغنى كما بالفقر، وبالصحة كما بالمرض، فإعطاء الله ليس إكراماً ومنعه ليس إهانة، فلا تغتر أيها القاريء والسامع لتلاوته بما نرى من حال الأعداء، فما هم فيه (مَتَاعٌ قَلِيلٌ) عمرهم ثم يمضون بأعمالهم السيئة يلقون جزاءها (ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ)  إن جزاء المغترين بالدنيا المقبلين عليها المعرضين عن طاعة الله والإيمان به مأواهم جهنم، وذم هذا المصير فجعل مهادهم مهداً مذموماً، والأصل في المهد والمهاد سرير الطفل أو فراشه، والطفل يؤذيه أقل شيء؛ فأن مهادهم أسوأ مهد لدليل على شدة ما يعانون في الآخرة. هذا مقر العصاة المتمردين، أما الأبرار فمصيرهم مختلف أشار إليه (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ) اتقوا ربهم الذي رباهم بالنعم ووفقهم لطاعته وعبادته فأخلصوا له الالتجاء، فوجدوا جزاءهم في الآخرة جنات تجري من تحتها الأنهار، يقيمون فيها إقامة دائمة مضافة لهم من عند الله إشادة بها، وما عند الله من ثواب ونعيم خير للأبرار جمع بر، والبر هو من أطاع الله حق الطاعة، فكافأهم هذه المكافأة.

    ومن عظمة القرآن أنه ينظر إلى الناس نظرة رحمة، يرفق بغير المسلمين يثني على محسنهم تأليفاً ويزجر مسيئهم ليعيده إلى الجادة، فمن أهل الكتاب قوم صالحون مؤمنون بالله وما أنزل على نبيه محمد، صلى الله عليه وسلم، وما أنزل على مَن سبقه من الأنبياء والمرسلين السابقين خاضعين لله مطيعين له، يعرفون الحق بالدليل وينشرونه بالحكمة والحجة، وينصرونه باليد واللسان والقلب، أولئك الأخيار الصالحون لهم أجرهم عند ربهم في دار كرامته، (إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)، إن حساب الناس آت لا محالة فاحرصوا أيها الناس أن تكونوا جنده وأولياءه بالصبر على طاعته وعن معصيته، وصابروا عدوكم فلا تمكنوه من الإساءة إلى أحد منكم، ورابطوا على ثغور الإسلام فلا يؤتى من قبلكم، كونوا عوناً على الطاعة وحجزاً عن المعصية، تسعون الناس بأخلاقهم الفاضلة، واتقوا الله فأتوا ما أمر به واتركوا ما نهاكم عنه وأنتم ترجون الفوز في الدنيا والآخرة.

    احذروا أن تَطبعوا بطباع عدوكم الفسقة من أهل الكتاب ومن المنتسبين إلى دينكم الذين عرفوا الله وأعرضوا عن طاعة أمره.

    فاللهم وفقنا لقول الحق والعمل به، والدعوة إليه: نشره ونصره؛ آمين.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة