الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

موت مَن حياة؟!! 
سورة آل عمران   الآيات 170 - 180



    خاطب الله نبيه - ومن بعدِه كل قارئ للقرآن - ينهى عن الظن ولو للحظة أنهم أموات؛ لأنهم شهدوا بدمائهم أن الإسلام حق فقال: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) وتقييد قتلهم في سبيل الله لإخراج القتل والقتال حمية أو شجاعة أو رياءً أو نصرة فكرة أو فكر أو غيره من دعوة إلى أي سبب غير نصرة الحق الذي جاءت به الشرائع السماوية، التي جاءت لرفع الظلم وإقامة العدل بين الناس، (بَلْ أَحْيَاءٌ) بما نشروا من حق وعدل وفضيلة وأعمال يمتد أثرها بعد موتهم إلى يوم القيامة، فالنبي وأصحابه أحياء بما تركوا من مبادئ ملتزمين بها يدافعون عنها بصدق وثقة وأمانة، (عِنْدَ رَبِّهِمْ) في دار كرامته بأن تكون قبورهم روضات في البرزخ يأتيهم رزقهم فيها بكرة وعشياً جزاءً من الله أشار إليه (يُرْزَقُونَ) ولعل هذا هو سبب بقاء أجسادهم كما هي لم تتغير، ثم في جنة عرضها السموات والأرض فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وفيها خلود لا موت ولا فراق له، ولعل هذا هو السبب الأساس لما وصفوا به (فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) وهل ثمة فضل أعظم من هذا!!.

    (وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ) لذلك رأيناهم بعد موتهم يضرعون إلى الله يسألونه أن يبشر الذين لم يلحقوا بهم من أهل وإخوان أن الحال والشأن لا خوف عليهم؛ لأنهم بذلوا أنفسهم لله طاعة له وإيماناً به وتنفيذاً لأوامره، فهو قادر على إنجاز ما وعد، والخوف في المستقبل ومستقبلهم خير من حاضرهم، والحزن على شيء في الماضي. ولما كان ما نالوه خيراً وأعظم أجراً، والدنيا ليست شيئاً في جانب ما حصلوا عليه، (يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ) لا أعظم منها (وَفَضْلٍ) عظيم، لا يقدر قدره، (وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) كاملي الإيمان وإيمانهم صدقة، وأكد عليه بذل أنفسهم نصرة لله واهب الحياة. ولما كان المؤمنون فيها إجمال بيَّنه (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ) السين والتاء في (اسْتَجَابُوا) زادها في أجابوا إشارة إلى أنهم أجابوا إلى نصرة النبي، صلى الله عليه وسلم، وقد انصرف عنه معظم أصحابه خوفاً من عدو فاجأهم من خلفهم بعد أن ترك بعض الرماة جبلاً أمرهم بالبقاء عليه متأولين كما سبق؛ وهؤلاء أقبلوا بعد أدبار، بعد ما أصابهم من قتل وجرح فبدلوا حسناً بعد سوء، فوعدهم بأجر عظيم، يناسب ما اتصفوا به من طاعة ومراقبة لله ومسارعة إلى نصرة الله، ثقة به وإيماناً لا يرهبه تخويف (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) كأني به يذم المثبطين عن جهاد العدو والمتربص في أُحُد، ويمدح المسارعين إلى نصرة الله ورسوله ومطاردة فلول العدو الذي عزم على العودة إلى المدينة للقضاء على البقية الباقية، فجاء الرد عليه بسرعة وحزم (حَسْبُنَا اللَّهُ)، الله يكفينا عدونا وينصرنا عليه بما معنا من إيمان والتجاء إليه، ونعم الله معتمداً عليه ملتجئاً إليه، فحقق الله لهم ما رغبوا فيه وحرصوا عليه (فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) رجعوا بنعمة النصر على عدوهم والفوز بمطلوبهم وهرب عدوهم منهم، فتحقق لهم النصر عليه، لم يتعرضوا لما يكرهون، واتبعوا ما يرضي الله من الإيمان به ونصر نبيه، صلى الله عليه وسلم، حولوا الهزيمة التي أصابتهم بالمخالفة نصراً وعزاً بالطاعة والصدق في إجابة الرسول، صلى الله عليه وسلم، فالله وليهم ينصرونه فينصرهم ويقوي يقينهم وثقتهم به على ما يعترضهم من تشكيك أو إخافة. فالمؤمن قوي الإيمان لا يخاف إلا الله ولا يعتمد إلا عليه، أما أولياء الشيطان من الكافرين فيحاولون إفزاع المؤمنين (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) حصر الله تخويف المؤمنين بأولياء الشيطان؛ كأنه قال ما يخوفكم إلا أولياء الشيطان فلا تخافوهم وخافوني إن كنتم مؤمنين، وجواب الشرط محذوف دل على ما قبله. فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله؛ لأنه يعلم أن العمر محدد والرزق مكفول وما يصيب المؤمن كله له خير، فصبره على البلاء خير له، وشكره على الرخاء؛ لذلك نهى الله أولياءه أن يخافوا أولياء الشيطان، بل عليهم واثقين بالله معتمدين عليه ملتجئين إليه.

    إن الله غني عن طاعة الطائعين ولا تضره معصية العاصين من هنا ما صح لأحد أن يحزن لكفر أحد أياً كان؛ لذلك قال الله له: (وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ).

    كان النبي محباً للأمة حريصاً على ما فيه سعادتها في عاجل أمرها وآجله، باذلاً وقته وماله وجهده في سبيل الوصول إلى ما فيه صلاحها؛ فكان يحزنه مسارعة قوم إلى الكفر رحمة بهم وشفقة عليهم، فنهاه الله أن يحزن؛ لأن الله يعلم أنهم قساة القلوب غلاظها، لا تقبل قلوبهم الإيمان ولا تحرص عليه، وأخرجهم من العدم إلى الوجود مريداً أن لا يجعل لهم حظاً في دار كرامته في الآخرة؛ لأنه سبق في علمه كفرهم وظهر ذلك منهم فاستحقوا الوعيد بعملهم (وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)  لعظمة الذنب الذي اقترفوا: من الكفر بالله وتكذيب رسول الله، والخطاب من بعد النبي، صلى الله عليه وسلم، موجه إلى كل قارئ لكتاب الله الحريص على فهم معانيه والعمل بما فيه، وأكد أن خسارة الذين استبدلوا الكفر بالإيمان والمعصية بالطاعة خسارة فيها غبن كبير لهم على طريق الاستعادة كأنهم أخذوا الكفر بدل الإيمان والمعاصي بدل الطاعات، فما ضروا إلا أنفسهم ولا ظلموا إلا إياها بتعريضها لسخط الله وعذابه، لن يضروا الله شيئاً ولهم عذاب أليم، جزاءً وفاقاً بما عملوا، ولا يظنن الذين كفروا أنما يمدهم به الله من مال وبنين أنه يسارع لهم في الخيرات وأنه راض عنهم، بل الأمر على العكس يملي لهم ليزدادوا إثماً حتى إذا أخذهم لم يفلتوا من الوعيد (وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ)  لما بدر منهم من أخطاء فيها وقاحة وقلة حياء.

    إن الأيام لا تستمر على حال: فتارة رخاء وتارة بلاء يميز الخبيث الذي يرائي بعمله الخلق فإذا كانت الشدة ظهر على حقيقته للناس (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ) من الأمن والطاعة أو الخوف والحاجة حتى يميز الخبيث من الطيب: البر من الفاجر، الصديق من العدو، العامل رغبة ورهبة من الغافل فالبلاء يصفي الأنفس ويعيد إلى الفطرة نضرتها ويجعلها نقية طاهرة، ولما كان ذلك غيباً لا يعلمه أحد إلا بتعليم الله قال: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ) أي من يريد إطلاعه على الغيب منهم، فما فيه مصلحة للمبلَّغين العاجزين عن تلقي الغيب من الله؛ فإذا كان ذلك (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) أي صدقوهم فيما يخبرونكم به من مغيبات لا تصلون إليها إلا بالوحي عن طريق الرسل (وَإِنْ تُؤْمِنُوا) بجميعهم ولا تتخيروا منهم (وَتَتَّقُوا) ما يحبط هذا الإيمان (فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ) دعوة إلى التخلي عن الرذائل والتحلي بالفضائل رغبة في إنجاز الله وعده لهم.

    إن الله رب العالمين خالق الجميع متكفل برزقهم، فالمال ماله هو وهبه، وربما رزق قوماً عن طريق آخرين فإذا وجدت حاجة وجب على القادرين بذل ما في أيديهم لمساعدة المحتاجين من إخوانهم، فلو لم يفعلوا عرضوا أنفسهم لسخط الله، ولما كان ذلك لا يعلم إلا بإعلام الله قال: (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) يخبر الذين يمنعون حق الله أصحابه معتقدين أن ذلك خيراً في دينهم وفي عاجل أمرهم وآجله، فالمال وسيلة لإسعاد الناس والتخفيف عنهم وبهذا ينمو ويفيد من خيره الجميع ويبقى في اليد لا في القلب أما إذا بخلوا به وكنزوه فعطلوا دورة الحياة، فهذا العمل شر لصاحبه حياً ذلك أنه يعيش في الدنيا مكروهاً من أهله وجيرانه لتقصيره، حياته هَمٌّ وخوفٌ، ماله في قلبه يخاف عليه خوفه على نفسه، يحرسه في الليل والنهار، يأكل قلبه الهم والخوف؛ فإذا ما فارق الدنيا ترك جميعه لورثته الذين لم يحسن تربيتهم؛ لأنه كان منشغلاً عنهم به، المال همه جمعه وتكثيره هدفه، وحراسته شغله؛ فإذا مات أوصله ماله وتركه وحيداً في قبره إلا من عمل ينفعه بعده ولا عمل، وإذا قام الناس لرب العالمين حُوسب حساباً عسيراً وربما صُلِّي سعيراً، فهذا ميت وهو حي؛ لأنه لم يعمل عملاً صالحاً طيلة حياته فأفنى عمره بلا فائدة؛ فكأن المال أحاط به من كل جانب، فرأى الناس حقيقة الوعيد عياناً في الدنيا والآخرة، أما الميت الحي بعد موته فعامل مخلص بذل نفسه ووقته وماله في سبيل الله ناصراً الحق داعياً إليه يعمل لخير الناس، حياته كلها نفع للناس كل الناس، وموته حياة؛ لأن مبادئه باقية بعده، يتأسى به من بعده به، يحملون الراية ويدفعون عنها كيد العادين، ويظهرون الحق بيقين.

    فاللهم وفقنا لنخلف السابقين.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة