الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

من يعمل فلنفسه أو عليها؟! 
سورة آل عمران   الآيات 149 - 169



    يحذر الله المؤمنين من طاعة أعدائهم من الذين كفروا بالله ورسوله؛ ذلك أنهم إن يطيعوهم يردوهم عن الإيمان إلى الكفر؛ لأن الخليل على دين خليله؛ ولأن الصدِّيق الصدوق الطاهر النفس كالمرآة المصقولة تنطبع فيها صورة صديقه ويتطبع بطباعه، وكيف يطيع المؤمن من جحد نعم الله عليه مع شدة فقره إليه، ولم يخلص له، أتراه ينصح لك ولم ينصح لله ولا لنفسه؟.

        إن من يرتد عن الإيمان يخسر عمره ونفسه ويبوء بغضب الله، بخلاف من يتمسك بالإيمان ويتولى الله وينصره ويستنصر به؛ فإن الله خير من ينصر أولياءه ويخزي مخالفي أمره ونهيه، ووعد أولياءه أن يُلقي في قلوب أعدائه الخوف من أوليائه، بسبب شركهم مع الله ما لا حقيقة ولا وجود له ومصيرهم إلى النار، وبئست مقراً ومستقراً للكافرين؛ لأنهم كافرون، ثم علمنا القرآن الكريم درساً في الفضائل ومكارم الأخلاق، فحين كان المؤمنون متمسكين بدينهم الذي ارتضاه الله لهم كانوا قوة ضاربة قاتلت أهل الكفر وقتلت منهم سبعين من رؤوس الشرك وحماته والدعاة إليه، وبقوا مرهوبي الجانب يخشاهم العدو ويأنس بهم الصديق إلى أن تغيَّر حالهم فضعفوا عن التعاون وطاعة الرسول فعصى بعضهم الأمر الموجه إليهم: لا تبرحوا مكانكم ولو رأيتمونا تتخطفنا الطير. فلما رأى المسلمون ما يحبون: النصر لجند الله تأولوا الأمر النبوي ونزل بعض الرماة عن الجبل وشرعوا يجمعون غنائم المهزومين فانتهزها فرصة قائد فرسان قريش وحلفائهم وهجم على المسلمين من الخلف فقتل من كان على أحد من بقايا الرماة الذين دفعوا حياتهم ثمناً لطاعة الله ورسوله، وواجهوا المسلمين من وراء ظهورهم فقتلوا سبعين من خيرة الصحابة وشجوا رسول الله وكسروا رباعيته، فتأمل يا أخي ما نزل بالجماعة من بلاء نتيجة خطأ بعضهم. كان فيهم من يريد الدنيا وفيهم من يريد الآخرة، فكف الله عن المسلمين شر الكفرة ليبتلي المؤمنين فيُظهر فضل الصالحين، وزيف المخادعين؛ ولأنهم اجتهدوا في تفسير قول النبي، صلى الله عليه وسلم،  عفا الله عنهم تفضلاً منه عليهم، وبيّن حالهم في أثناء المعركة وقت أن فر بعضهم عن رسول الله، والرسول يدعوهم يحثهم على الثبات في وجه الكفرة وحماية المجتمع من شر عدوهم؛ لأنهم لا يرقبون في مؤمن عهداً ولا قرابة وهم منشغلون عن ندائه بأنفسهم؛ فكان من نتيجة ذلك ما نزل بهم من غم؛ لأنهم أصابوا النبي غماً بابتعادهم عنه، وعدم مقاتلتهم معه، حتى لا يحزنوا على ما فاتهم من غنائم وأجر الجهاد مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وطاعة أمره، ولا ما أصابهم من قتل وجراح؛ فالله عليم بخبايا وخفايا أعمالكم، ثم إن الله أنزل على جماعة من أوليائه - الذين أخلصوا الالتجاء إليه والاعتماد عليه – نعاساً فناموا ملء جفونهم، وجماعة من الأنانيين أهمتهم أمور أنفسهم؛ لأنهم ظنوا بالله ما لا يصح لهم أن يظنوه؛ لأنه فعل أهل الجاهلية، وبنو على ظنهم فعلاً قبيحاً فأشاعوا الشائعات يشككون الناس بالحق الثابت، يظهرون خلاف ما يضمرون، يوهمون الناس أنهم مجبورون غير مسئولين عن أعمالهم، فأمر الله نبيه أن يعلمهم أن الله هو المتصرف الوحيد في الكون أمره نافذ وحكمه مبرم؛ لأنه يصدره عن علم سابق، وهذا لا يعفي العامل من المسئولية الجزائية؛ لأن علم الله المحيط الذي لا يتخلف لا يعلمه أحد حتى يبرز، والله في الظاهر والواقع لا يجبر الناس على ما يريد مع قدرته عليهم؛ لأن حقيقة التكليف تقتضي حرية المكلف أن يفعل أو لا يفعل، فيثاب أو يعاقب، أما القدر فواقع لا محالة لا يستطيع أحد أن يرده؛ لذلك تراه يقرر أن ما قدره كائن ورد على المشككين قل لو كنتم في بيوتكم لخرجتم إلى مصارعكم، فالعبد لا يختار اسمه ولا نسبه ولا لون بشرته ولا لون عينيه ولا متى يولد ومتى يموت، من هنا لم يتعلق بذلك تكليف.

        والله يبتلي الخلق فيطهِّر قلوبهم ويصفيها من العلائق والأغيار ويعيد إلى الفطرة صفاءها ونضارتها فتغمر النفس بالإيمان؛ فإن حصل منها خطأ تداركتها رحمة الله فحمتها من همزات الشيطان ووساوسه، فما أعظمها من نعمة على الخلق؟.

        فعلى العاقل أن يسعى جهده في تحصيلها بالترفع عن الدنايا فلربما كان في معصية الله وتخذيل الناس عن الإيمان بالقدر تشبهاً بجاحدي نعمة. لذلك رأيناه يحذر المؤمنين من التشبه بالكافرين الصادين عن الإيمان والجهاد في نشر الحق ونصرته والسعي في التجارة وطلب الحلال من الرزق فنهاهم عن التردد والخوف وعدم الإيمان بالقضاء والقدر: لا تكونوا مثل الذين جحدوا القدر وقالوا لإخوانهم الذين سافروا طلباً لرزق الله، أو خرجوا مجاهدين في سبيل الله نصرة للحق وإقامة للعدل فماتوا غرباء أو قتلوا في سبيل الله شهداء لو كانوا عندنا ولم يخرجوا تجاراً أو غزاةً ما ماتوا وما قتلوا، إن عدم إيمانهم أورثهم حسرة في قلوبهم، والله يحيي من يشاء ويميت من يشاء متى أراد وأين أراد، فالسفر ليس سبباً لحصول الموت أو القتل، والبقاء مع الأهل لا يضمن الحياة، بل الله يخلق في مقيم بين أهله وذويه الموت فيموت ويخلق فيمن سافر الحياة فيحيا، فاطلبوا ما عند الله بالإيمان والعمل الصالح؛ فإن الله مطلع على أعمالكم التي تعملونها مجازيكم عليها، ويقسم جل جلاله أن مغفرته ورحمته لمن يقتل مجاهداً في سبيل الله، ومن يموت بعيداً عن أهله يسعى لتحصيل ما يكفيه الحاجة ويغنيه عن السؤال، أن مغفرته ورحمته لهذين الفريقين خير مما يجمع المتقاعسون عن عمل الخيرات المنهمكون في جمع المال وإنفاقه في شهواتهم أو تركه لوارثيهم.

        إن الحياة الدنيا ممر إلى حياة أعظم يجب التزود لها والإقبال عليها بنفس راضية تؤمن أن ما أصابها لم يكن ليخطئها فترضى عن الله وتقبل على طاعته في عسرها ويسرها في منشطها ومكرهها، في سعي دائم لنشر الحق ونصرته؛ هكذا كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهكذا أراده الله أن يكون، بالمؤمنين رؤوف رحيم.

        إن الله أعطى محمداً رحمة ما أهله أن يكون مثالاً يقتدى به في مكارم الأخلاق وفضائلها، يتألف الناس ويؤلف بينهم يشاور المؤمنين في القضايا المهمة مع أنه مؤيد بالوحي ليعلمهم أن يقتدوا به وهم المحتاجون إلى ما يصوب مسارهم ويسدده، ويستغفر لهم ليعلمهم عملياً أن يتقبلوا الآخر ويصوبوا ما اعوج من خلقه، ويأخذوا بيده إلى ما فيه صلاحه وانضمامه إلى الجماعة، وإذا عزم النبي، صلى الله عليه وسلم، على أمر أمضاه بلا تردد ليعلِّم أصحابه الحزم في مواجهة ما يعرض لهم بثقة وثبات وأتم استعداد معتمدين على الله واثقين أن الأمر كله بيده: هو المعطي المانع، الضار النافع المعز المذل؛ فإن نصر أحداً فلا يغلبه أحد، وإن خذله فلا ينصره أحد؛ لأن الله هو المجير فلا يجير عليه أحد، فلا يليق بالمؤمنين الصادقين أن يلجئوا إلا إليه، ولا يعتمدوا إلا عليه، فلا يظلمون وحالهم على ما ذكرت ولا يغدرون ولا يسرقون من المال العام؛ لأنهم يعتبرونه حقاً لجميعهم، فلا يصح عقلاً ولا شرعاً أن يستولي عليه أحدهم أو بعضهم؛ لأنه إن أخذ منه بغير حق جاء به يوم القيامة يحمله على ظهره ليؤدي الحق الذي سرق إلى صاحبه من حسناته أو يطرح عليه من سيئات من غصب حقه ثم يطرح في النار فتوفى كل نفس ما كسبت بالعدل. من هنا رأينا الرعيل الأول لا يأخذ أحدهم من المال العام إلا ما يكفيه في أضيق الحدود وهو القادر على أخذ ما شاء؛ لأنهم خافوا الله فهانت الدنيا وما فيها عندهم؛ ذلك أن من اتبع رضوان الله فحكمه في جميع أعماله صغيرها وكبيرها ورضي بحكمه لا يساوي في عليائه وسمو منهجه ممن انحط في سلوكه ومنهجه إلى القاع وانغمس في المادة وأحبها أكثر من حبه نفسه، فباء بغضب من الله، فشتان بين مختلفين هيهات أن يلتقيا. فالأولون درجات في جنات، وأولئك دركات في جهنم، والله مطلع على أعمال الجميع: يثيب ويعاقب، والناس يحتاجون إلى من يعلِّمهم ما يصلح حالهم ومآلهم، ولا يمكنهم أن يتلقوا عن الله مباشرة فكانت بعثة الرسول، صلى الله عليه وسلم، إليهم من جنسهم: خيرهم نسباً وخلقاً يتلو عليهم القرآن ويبين لهم ما تضمنه من حكم وأحكام، ويلفت نظرهم إلى ما في الكون من أدلة واضحة وبراهين قاطعة تشهد بوحدة الإله، ويطهرهم من الأخلاق الذميمة والأفعال القبيحة: من الشرك والكفر والنفاق ومن الكذب والحسد والحقد، ويبين ما في القرآن والسنّة من الحكم والأحكام والحلال والحرام، يجمعهم بعد تفرق ويؤلف بين قلوبهم بعد اختلاف وتخالف، ويرشدهم إلى ما ينقذهم مما كانوا فيه من ضلال مبين.

        إن عمل الإنسان يحدد مصيره، وأي خطأ يخطئه المرء يعاقب عليه ولو بعد حين، وهذا ما دل عليه ما أصاب المسلمين في أحد جزاءً دنيوياً على ما كان منهم في بدر، ففي بدر قتل المسلمون سبعين من المشركين، وفي أحد قتل المشركون سبعين من خيرة الصحابة فيهم حمزة عم النبي ومصعب بن عمير، وفي بدر كان المسلمون وحدة واحدة، وفي أحد حصل من بعضهم مخالفة باجتهاد فعلى العاقل أن يراقب الله فيما يأتي ويذر، ويعلم أن ما أصاب الإنسان في هذه الحياة لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الدنيا دار ابتلاء، وما يصيب الإنسان من البلاء يكشف صدق المطيع وثباته على الحق مع ما يلاقيه من ضيق وشدة، وخداع المنافق في إخفاء الكفر وإظهار الإيمان والطاعة حال السلامة. فإذا نزل البلاء ظهر على حقيقته للناس منافقاً قد تغلغل الكفر في قلبه حتى بدا واضحاً في تصرفاته، فهذا ابن أبي بن سلول يسحب معه ربع الجيش الخارج إلى أحد لرد اعتداء المشركين عن المدينة، بحجة أنه لن يكون قتال في أحد، ويدَّعُون أنهم لو علموا أن المشركين يقاتلون النبي، صلى الله عليه وسلم، ومن معه من المؤمنين، ما انفضوا عنه ولا تركوه يقاتل العدو، والحق أنهم أقرب إلى الكفر منهم إلى الإيمان؛ لأن أعمالهم تدل على نفاقهم: يشككون في النبي وفي الإيمان بالقدر يساهمون في شق عصا الجماعة بفتح أبواب الاختلاف، ونشر الشك بين المقاتلين يوهمون أهلهم أنهم لو لم يخرجوا لبقوا أحياء ولم يموتوا مستغلين حب الحياة لتفريق الكلمة، فرد الله عليهم بحجة قوية تفضحهم وتكشف زيفهم ملخصها ادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين فلا تذهبوا مع الملك حين يأتي لقبض أرواحكم إن كان الموت يؤخر، واختيار إن يؤذن بكذبهم، فالموت والحياة بيد الله، غير خاضع للأسباب والمسببات، ومهما يكن من أجر فلا يظنن ظان أن الذين قتلوا في سبيل الله: نصرة للحق وإقامة للعدل ومنع الظلم بين الناس، لا تظنن أيها المبلغ ومن بعده كل قاريء كتاب الله ما توالى الليل والنهار، لا تحسبنهم أمواتاً بل هم أحياء في نعيم دائم وأجر متجدد، فمن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.

        إن شهادة المجاهد تضيء الطريق لمن بعده، خاصة إذا كان ناصراً للحق ناشراً له داعياً إليه.

        فاللهم ارزقنا جهاداً في سبيلك والموت في سبيلك مقبلين مخلصين صادقين غير مرائين.


الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة