الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

إن تصبروا وتتقوا...!!! 
سورة آل عمران   الآيات 104 - 120



    أمر الله عباده أن يتقوه حق التقاة فيلتزموا تنفيذ جميع ما طلب منهم فعله، وأن يمتنعوا عن جميع ما نهاهم عن فعله، وأن يداوموا على ذلك ويحرصوا عليه ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، حتى إذا ما حان وقت فراقهم الدنيا فارقوها مؤمنين منقادين لأمر الله مطيعين له. ولما كان القرآن الكريم خير مبين لما يجب فعله من الصالحات وما يجب تركه من المنكرات أمرهم بالتمسك به والاجتماع عليه والإيمان والعمل بما فيه من حكم وأحكام، فلا نجاة يوم القيامة إلا بالتمسك بهديه، وحذرهم من الاختلاف وقدم لهم دليلاً عملياً على ما يصب المتفرقين من خزي وخسران في الدنيا والآخرة عن الطريق النظر إلى ما كانوا عليه من عداوة وضياع وتنافر وتناحر واختلاف في العمق، فمنَّ الله عليهم بالرسالة التي جمعت المتفرقين وآخت بين أعداء الأمس بالإيمان وارتفعت بهم عن الهوي في نار جهنم إذ كانوا على شفاها بما كانوا عليه من تفرق وجهل وعداوة يتقاتلون لأتفه الأسباب، وتمتد الحرب بينهم سنيناً طويلة دون هوادة، تغذيها الأثرة ويعمق الهوة بينهم الجهل والتعصب، وجاء الإسلام فاجتمع عليه الأوس والخزرج، فآخى بينهم ووحدهم على الإيمان، فحذار من العودة إلى الكفر والتفرق بعد الإيمان والاجتماع.

    مثل هذا البيان الواضح المدرك بالحس يبين الله آياته المتلوة والمرئية، كي يهتدوا، فتبينوها وأنتم ترجون أن تهتدوا إلى ما فيه صلاحكم في الدنيا والآخرة، والناس بحاجة إلى من ينبههم إذا غفلوا ويذكرهم إذا نسوا ويقوِّم ما اعوج من أخلاقهم ويصوِّب مسارهم إذا اعوج ويثبت المستقيم ويشد على يده، من هنا كلف الله المؤمنين أن ينتدبوا جماعة منهم يأمرون العامة بالخير ويرغبوهم فيه، ويحضوهم عليه، ورأس هذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن يقوم بهذا فائز برضوان الله والجنة في الآخرة، والسعادة في الدنيا بحب الناس والتعاون معهم على طاعة الله، وحذرهم من التشبه بالذين تفرقوا بعد اجتماع واختلفوا بعد اتفاق؛ لأن أولئك أوعدهم الله بعذاب عظيم يوم القيامة: يوم تبيض وجوه المؤمنين وتسود وجوه الكافرين ويُوجه إليهم استفهام تقريري كيف يصح لكم أن ترتدوا عن الإيمان بعد أن التزمتم به وأقررتم بصدق الرسول المبلغ عن الله. إن هذا يدل على أن بشاشة الإيمان لم تخالط شغاف قلوبكم، فالجزاء الوفاق الذي تستحقونه، عذاب دائم لا يفتّر ولا يخفّف. وعلى الطرف الثاني المؤمنون يكرمون في جنة عالية، قطوفها دانية.

    تلك الآيات التي أنزل الله يحذر بها العصاة علهم يقلعون عن المعاصي ويتوبون إلى الله ماداموا في الدنيا قبل أن يفارقوها ويفقدوا الفرصة وتبشر المؤمنين القانتين ليثبتوا على الإيمان وتقوى ثقتهم بالله، فإذا ما انتفع العصاة بالموعظة فسلموا أنفسهم من الظلم؛ فإن الله حرم الظلم على نفسه وجعله بين خلقه محرماً.

    الله غني عن خلقه: لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين، فالسماوات والأرض ملك له ومنه المبدأ وإليه المصير، وبينهما المخلوقات بحاجة إليه وهو غني عنهم. ومن آثار قدرته المدركة بالحس تحويل الأمة الأمية المتفرقة إلى خير أمة أخرجت للناس، وتحقق لها ذلك بثلاث: الأمر بالمعروف الذي تعرفه كل نفس، ويطمئن إليه كل قلب، يصوِّب مسار المجتمع والنهي عن المنكر الذي ينكره كل قلب نظيف لم تلوثه البيئة، وتنفر منه كل نفس صافية، ورأس ذلك وأساسه وثالثها: الإيمان بالله إلهاً واحداً لا شريك له يتصرف كيف يشاء ويحكم ما يريد، ليت أهل الكتاب آمنوا بما آمن به العرب إذن لتحول حالهم إلى أحسن حال، على أن القرآن الكريم ينصف مخالفيه ويبين ما عندهم من خير وإيمان، فيبين أن بعض أهل الكتاب مؤمنون، وأكثرهم خرجوا من دائرة الإيمان إلى دائرة الكفر والعصيان، ولله دره من كلام يؤدي المطلوب دون أن يحرج المخالف أو يحرج شعوره؛ وكأني به يحذر المؤمنين من أن يسلكوا سبيلهم ورفق بالمؤمنين، وقوى إيمانهم بإعلامهم أنه ناصر لهم على عدوهم، وأن أقصى ما يمكن أن يلحقه بهم عدوهم أذى لا يبلغ حد الإيلام، وإن يقاتلوا المؤمنين يهربوا منهم يملأ الرعب قلوبهم، مخذولين أينما التقوا بالمؤمنين واحتكوا بهم، إلا أن يٌُسلطوا على العصاة من المؤمنين يوقظونهم من غفلتهم، أو يستخدمهم الفسقة لينشروا الفرقة بين أفراد المجتمع؛ لأن الله غضب عليهم بسبب كفرهم بآيات الله المتلوة والمرئية؛ ولأنهم كانوا يقتلون أنبياء الله الذين أرسلهم ليصوبوا مسار الناس ويسددوه: يقتلونهم ظلماً وعدواناً بدل أن يتبعوهم ويصلحوا ما اعوجَّ من أخلاقهم وما فسد من معتقداتهم، بل غدا العصيان والاعتداء سلوكاً لهم لا يكادون يحيدون عنه، على أن في هذا الشر شيء من الخير أمة من أهل قائمة بالحق يتلون آيات الله بالليل؛ لأن ذلك أقرب إلى الإخلاص وأبعد عن الرياء، وهم مطيعون لله منقادون لأمره، يؤمنون بالله واليوم الآخر يوم الحساب والجزاء، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في عمل الخيرات؛ لأنهم من الصالحين، والله الكريم يثيب على عمل الخير أجراً عظيماً، ولا يظلم العامل مثقال ذرة، والله عليم بالذين يأتمرون بأمره وينتهون عن ما نهى عنه، ويجعلون من طاعته سداً يحميهم من عذابه، فاحرصوا على الإيمان واحذروا نقيضه ولا تغتروا بجاه ولا مال؛ فإنه لا يغني عنكم من الله: فالأموال مهما عظمت لا تجلب ثواباً ولا تدفع عذاباً؛ لأن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما كان نابعاً عن إيمان صادق، فمهما كان العمل كثيراً لا يغني عن الكافر؛ لأنه مخلد في النار لا يُخرج منها، وإنما استحق ذلك يظلم نفسه وإيرادها موارد التهلكة؛ إن قصتهم المعبرة عن حقيقة حالهم وغرابة فعلهم تشبه قصة مزارعين ظلموا أنفسهم وأعرضوا عن إجابة دعوة الرسل ظانين أن الدنيا تدوم لهم أصاب زرعهم ريح حارة فأهلكته، فضاع عمرهم فيما لا فائدة منه ولا ثمرة له، ولما كان للصاحب أثر ظاهر في صاحبه يصوب مساره أو يحرفه أرشد الله المؤمنين أن يتخيروا الصادقين الناصحين ليصاحبوهم وحذرهم من مخالطة المنافقين الذين يضمرون الشر لهم ولدينهم وأمتهم، لا يقصرون في إلحاق الفساد والأذى بهم، يسرهم ما يُلحق المشقة والضيق بالمسلمين بغضهم ظاهر من خلال ما تنطق به أفواههم، وما خفي من أخلاقهم الذميمة أكبر قد بين الله لكم الحق بالدليل ودعاكم إلى إتباعه، فاعقلوا عنه ما قال واستمعوا إلى الدليل الحسي: إن هؤلاء الذين ترغبون في مداخلتهم مخالفون لكم وأنتم تحبونهم وهم لا يحبونكم فكيف تحبون من لا يحبونكم ولا يؤمنون بالله وإن أظهروا الإيمان؛ فإنهم إذا خلوا بأنفسهم عضوا على أناملهم غيظاً وكراهية لكم أيها المقبلون على عدوهم يسمعون منهم ويخضعون لهم، والعدو يسوقهم إلى ما فيه هلاكهم، فلا تثقوا بهم ولا تقبلوا عليهم، ثقوا بالله واعتمدوا عليه وإلجأوا إليه، واجهوا عدوكم واحذروا الذين إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها، واعلموا أنكم إن كنتم مع الله صابرين على طاعته متقين له في السر والعلن لا يضركم كيد عاص؛ لأن الكون وما فيه خاضع لله قد أحاط علمه وقدرته بكل ما فيه.

    فاللهم أعننا على طاعتك ووفقنا.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة