الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

ما أحوجنا إلى هذا!!! 
سورة آل عمران   الآيات 92 - 103



    كلمة جمعت الإسلام والإيمان والإحسان، ومرتبة عالية ترنو إليها الأعين ويرغب في تحصيلها العقلاء، سبيل الوصول إليها لا يكون إلاّ بالإنفاق مما تحبون لتحقيق المصلحة العامة. فإنفاق المال وسيلة إسعاد الناس كل الناس ولا يثاب عليه المنفق إلا إذا كان حلالاً طيباً صادراً عن صحيح شحيح يأمل الحياة ويخاف الموت، ولما كان الله طيباً لا يقبل إلا طيباً؛ ناسب أن يبين الطيب من الخبيث ليُقبل المنفق على الطيب فيحرص عليه وينفق منه؛ فبين لهم أن علمه لا يغيب عما ينفق عباده من قليل المال وكثيره؛ وهذا يقتضي أن يثيبهم عليه حياة طيبة في الدنيا ونعيماً لا مثيل له في الآخرة.

    ولما كان صلاح الأعمال وقبولها رهن بأكل الحلال الطيب، ولما كان التعرف على الحلال متوقف على إذن المالك لعبده أن يأكل مما خلق الله، ولما ادعى اليهود أن الله حرم عليهم ما لم يحرم؛ ناسب أن يبين الله أنه لم يحرم على بني إسرائيل ما حرم أبوهم على نفسه فكانوا تبعاً له؛ وكان ذلك قبل أن تنـزل التوراة، وهذا يدل على بطلان دعاوي اليهود وتغييرهم لشرع الله وكذبهم عليه، وإن من يكذب على الله ظالم لنفسه أولاً؛ لأنه أوردها موارد التهلكة، ولغيره ثانياً؛ لأنه لم ينصفه من نفسه بل عدا عليه، قل لهم قد ثبت بالدليل صدق الله وكذبهم، ومهما يكن من أمر فاتبعوا دين إبراهيم: الدين الحنيف المبني على توحيد الله بعيداً عن أن يكون من المشركين، وهو باني بيت الله الحرام أول بيت بني لعبادة الله وحده، في هذا البيت أدلة قاطعة على التوحيد؛ فالبيت العتيق الذي يتوجه إليه المؤمنون في مشارق الأرض ومغاربها واحد لا ثاني له، والحجر الأسود يمين الرحمن في الأرض حيث يبايعه المؤمنون على السمع والطاعة، ومقام إبراهيم ذلك الحجر الذي ارتسمت عليه أقدام إبراهيم أبي الأنبياء يشهد له على أنه كان من الموحدين وما كان من المشركين، والصفا والمروة وعرفات والمزدلفة ومنى، كل هذه الأماكن مظاهر لوحدة الإله تدل عليه وترشد إليه، ونعمة الأمن التي منحها الله من دخل بيته من المخلوقات، وتلك الدعوة إلى زيارة البيت الحرام ولو مرة في العمر في نسك خاص له أركان وواجبات وسنن وشروط تعيد القاصد بصدق كما ولدته أمه، ومن يمتنع عن زيارته من القادرين مادياً إذا توفر الأمن له كان جاحداً نعمة الله على خلقه؛ لأنه لم يشكرها وكفرها، إن من يتكبر عن طاعة الله يضر نفسه؛ فالله غني عن طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين، بل العبادة تنفع العابد وحده، والمعصية تضر العاصي ولا تضر غيره.

    إن الله شرع لخلقه ما يحقق لهم المصلحة في الدنيا بتأمين الضروريات والحاجيات والتحسينيات، فتحقق لهم السعادة، وفي الآخرة بالفوز في النعيم المقدم، من هنا كان الإعراض عن الشريعة ستر لنعمة الله على خلقه، وإعراض عن المنهج الذي جاء به الرسل على مر الزمان؛ لذلك شرف الله نبيه فكلفه أن يحاور أهل الكتاب: اليهود إذ كانوا مجاورين في المدينة معروفين بالعلم الذي لم يعملوا بمقتضاه بل خالفوه ظاهراً وباطناً، فأمره أن يسألهم أولاً عن السبب الداعي لهم أن يكفروا بآيات الله المتلوة واضحة الدلالة بينة، وآيات الله المنظورة في هذا الكون وما فيها دلالة على إحاطة علم خالقه وطلاقة قدرته، مع علمهم أن الله مراقب لهم مطلع على خبايا أعمالهم وإذا كان كذلك؛ فإنه سيحاسبهم عليها فيثيب على الصالح، وفي الآية وعيد تنخلع لهوله القلوب لو أنها تعقله!!.

    وسألهم ثانياً عن السبب الحامل على صرف الناس عن الإيمان بالله ورسوله وإقامة المنهج الذي يحقق للناس كل الناس ويقيم الحياة ويقومها، أتريدون أن تتركوا الحياة فوضى لا ما يردع الخلق عن الباطل ويبين لهم الحق، والحال أنكم تعلمون أن ما جاء به محمد، صلى الله عليه وسلم،  جاء من عند الله تعالى؛ وأن رسالات الله يصدق بعضها بعضاً ويكمل بعضها ما نقص من التي قبلها، إلى أن جاء النبي الخاتم الذي به اكتمل الدين ووضح المنهج وبان الحق واضح المعالم قوي الحجة، أتظنون أن الله غافل عن الذي تعملونه من الأعمال الخاطئة: التي تصرفون بها السفينة عن الطريق المستقيم وتجعلونها تسير على غير هدى تتقاذفها أمواج الجهل والكفر والهوى والشهوات؟ وفي الآيتين تربية المؤمن على مراقبة الله فيما يأتي ويذر، فلا يقدم على عمل قبل أن يعلم حكم الله فيه، فتكون أعماله كلها لجلب نفع أو دفع ضر لنفسه أو عنها، لغيره أو عنهم فيعيش الناس متحابين متناصحين متناصرين يشد بعضهم أزر بعض.

    خلق الله الإنسان مستقيم القامة له قلب واحد، وعقل واحد، ولسان واحد ليكوِّن الشخصية، مستقيم السلوك، ذا شخصية واحدة في الخلوة والجلوة، فلا غيبة ولا نميمة ولا سخرية ولا همز ولا لمز، يكمل بعضهم ما في غيره من نقص، وخلق له عينين ليبصر الطريق السوي فيسير فيه والمعوج وما فيه حفر فيتجنبه، وينظر فيما يرى ويعمل فيه فكره ويبني على الشيء مقتضاه، وخلق له أذنين ليسمع من أكثر من جهة، وينقي ما يسمع من شوائب فلا يوصل منه إلى قلبه إلا الحق الذي لا شائبة فيه، ولا يطيع إلا من يثبت بالدليل صدقه يفعل ولا ينفعل؛ فأهل الكتاب فريقان فريق عرف الحق ودعا إليه، وفريق همه صرف الناس عن الإيمان، وشحن القلوب بالشك والاجتهاد في إخراج من دخل في الإسلام منه؛ لذلك جاء تحذير المؤمنين من طاعة هذا الفريق؛ لأنهم إن أطاعوهم أعادوهم إلى الكفر بعد أن خرجوا منه ودخلوا في جماعة المسلمين.

    ثم تعجب من فعلهم هذا مع وجود الداعي إلى نقيضه فوجود القرآن الكريم بين أيديهم يتلى عليهم ورسوله بين أظهرهم يدعو إلى الإيمان بالله وينهاهم عن نقيضه وهو الكفر، وفي هذا دعوة المسلمين إلى ملازمة الإيمان ومجانبة الكفر ما تعاقب الليل والنهار؛ لأن القرآن الكريم لا يزال يتلى علينا غضاً كما أنزل محفوظاً من التغيير. والرسول باق بين أظهرهم بسنّته الثابتة التي حفظها المسلمون وتناقلوها خلفاً عن سلف. فالإيمان بالله ورسوله يقوِّم السلوك ويصوب المسار ويسدده؛ لذلك مدح الله من اعتصم به بأنه وفق إلى سلوك الطريق المستقيم الموصل إلى السعادة في الدارين.

    ولما شرفهم بالثناء على فعلهم الاختياري الجميل كلفهم أن يجعلوا بينهم وبين عذابه سداً منيعاً يقيهم عذابه يوم لا ينفع مال ولا بنون. إنه العمل الصالح بجلب النفع ودفع الضر، بالعمل المنتج يُبنى المجتمع الفاضل الذي يعيش فيه الناس إخوة متحابين، وحق تقاة الله أن يطاع فلا يعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يكفر؛ وذلك يورث المتقي مراقبة حقيقية تلازمه إلى أن يفارق الدنيا فيفارقها على الإسلام، وبين أن الاعتصام بالله اعتصام بحبله المتين الذي لا يخلق على كثرة الرد، والالتزام بما دعا إليه من الحكم والأحكام يوجب الاجتماع، فيجتمع المؤمنون على الإيمان بالقرآن كل القرآن ونبذ التفرق بجميع أشكاله وأنواعه، ولعل أهم ما يعين على ذلك تذكر ما كان عليه الناس قبل بعثة محمد، صلى الله عليه وسلم، من عداوة واختلاف؛ فجمعهم الله على الإيمان، وصفى قلوبهم وطهرها وملأها ألفة ومحبة، بعد أن كادوا أن يفنوا أنفسهم بما كانوا عليه من الحماقة التي ربما أدت بهم إلى الخسارة فأنقذهم بالقرآن وجعل به من الأمة الأمية خير أمة.

    بمثل هذا البيان الواضح يبين الله للناس بالأدلة والبراهين المقنعة، فتبينوها وأنتم ترجون أن يبين الله لكم الحق ويوفقكم لقبوله.

    فاللهم وفقنا وسددنا.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة