الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

يا أهل الكتاب أم يا أمة الإسلام!!! 
سورة آل عمران   الآيات 65 - 91



    حذر الله خلقه من القول بغير علم أو الجدال بالباطل لدحض الحق، وكان إبراهيم أبا الأنبياء ومن بعده تبع له يقتدى به؛ لأنه الإمام الأمة، وبدلاً من ذلك قلب بعض اتباع الأنبياء - بعده – المسألة فجعلوا التابع متبوعاً: جعل النصارى إبراهيم نصرانياً وادعى اليهود أن إبراهيم كان يهودياً لترويج معتقدهم بنسبة إبراهيم إلى اليهودية والنصرانية؛ فماذا يقول القرآن من الفصل في هذا؟.

    إن الكتاب الذي يتبعه اليهود والنصارى لم ينـزل إلا بعده، وبالتالي لم تكن اليهودية والنصرانية موجودة زمن إبراهيم فكيف يصح عقلاً أن يكون الأصل تابعاً الفرع، هذا لا يقبله عقل؛ فأين عقولكم؟.

    ها أنتم يا هؤلاء تجادلون في أمور لكم فيها علم واطلاع فكيف يحق لكم أن تحاجوا في قضايا ما اطلعتم عليها ولا وُجدتم في وقتها؟.

    الذي يحق له أن يتكلم في هذا كلاماً لا يجوز الطعن عليه فيه هو الله الذي أحاط علمه بكل شيء، كان شاهداً إبراهيم حاضراً قبله عالماً بما كان وما يكون، من هنا كان علمكم مع علمه كلا علم؛ لأن علمكم مسبوق بجهل مبني على الظن والتخمين، وعلمه لذاته انضمت إليه المشاهدة والحضور؛ لذلك صح أن يقول إن إبراهيم ما صح ولا استقام أن يكون يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان مائلاً عن الشرك مستسلماً لله تعالى لم يكن يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً هو أول المسلمين كما صرح بذلك القرآن.

    إن أحق الناس بموالاة إبراهيم ونصرته: المؤمنون بما آمن به هو نفسه، رأسهم ومقدمهم محمد، صلى الله عليه وسلم، والله أحق من يُنصر ويستنصر به. ولكن من لم تخالط قلبه بشاشة الإيمان لا بد له من أن يبذل جهده في إلحاق الكفر والضلال بكم، ولكنهم لن يفلحوا بل يضلون أنفسهم وما يشعرون؛ لأن الحق ثابت واضح لا يخفى على من له أدنى بصيرة.

    النداء الثاني لأهل الكتاب في الظاهر ولكل من يقرأ القرآن ما توالى الزمان مضمونه ما الذي يحملكم على الكفر بوحي الله المقروء وأنتم تعلمون علماً يقينياً لا يداخله شك أنه قطعي الثبوت واجب الإتباع، ما الذي يحملكم على الخلط بين الحق والباطل، وكتم الحق وإخفائه وإظهار الباطل وترويجه ونصرته على الحق، أكلََّت أبصاركم أم أعمتها المصالح المادية والأطماع والأنانية؟ إن المكاسب المادية والأطماع والأنانية لا تبني مجتمعاً متعاوناً بل تؤذن بزواله واضمحلاله وذهاب ريح أهله.

    إن الإنسان إذا عميت بصيرته تفنن في نصرة الباطل واختراع ما يزينه للناس ويُقبح الحق في أعينهم، فهذه جماعة توافقت على الإيمان بمحمد، صلى الله عليه وسلم، وما جاء به أول النهار؛ فإذا كان آخره كفروا به وطعنوا عليه، وأوصى بعضهم بعضاً أن لا يصدقوا إلا من كان مثلهم على منهجهم، حاصرين الحق في أنفسهم وعلمائهم قاصرينه عليهم، لا يتعداهم إلى غيرهم مهما كان.

    من هنا ناسب أن يشرف الله نبيه فيكلفه إبلاغهم أن الرجال يعرفون بإتباعهم الحق والتزامهم به، لا بهم يدور معهم حيث داروا، الحق ما جاء عن الله تعالى وبلغة رسل الله، والله تعالى ينعم به على من شاء ومتى وكيف شاء، فالله تعالى يختص برحمته من يريد، لا حدود لقدرته وسعة علمه وفضله، فالالتجاء إليه، والاحتماء به، والرضى بحكمه والتنعم بعدله الذي عم الخلق على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم: العدل المطلق واحترام المخالف وإعطاؤه حقه الذي له، فبعض أهل الكتاب أمين يؤدي الأمانة إلى من ائتمنه بالغة ما بلغت، لا يخون من خانه، ومنهم طائفة أعمى حب المال أبصارهم وبصائرهم فخانوا الأمانة وزينوا لأنفسهم أكل أموال الناس بالباطل وكتمان الأمانة، واشتروا بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً؛ أقول: أي ثمن يؤخذ في مقابل ذلك قليل مهما كان كثيراً لما يترتب عليه من عقوبة يوم الفزع الأكبر، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم من الآفات والأطماع؛ ذلك أن من آمن بالله واتقى ما يحبط هذا الإيمان؛ فإن الله يثيبه على عمله ثواباً يتناسب وهذه الأعمال.

    إن الله أوعد الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً أن لهم عقوبة تنخلع القلوب لهولها وشدتها، فلا نصيب لهم في الآخرة؛ لأنهم لم يقدموا عملاً صالحاً ينفعهم في ذلك اليوم، ولا يكلمهم كلام تكريم ولا ينظر إليهم نظر رحمة؛ لأنهم لم يعملوا لها، ولا يطهرهم؛ لأنهم ما طهروا أنفسهم من الجشع والطمع وحب الذات، ولهم عذاب أليم يتناسب وما عملوا من أعمال من مثل تحريك ألسنتهم بكلام يزعمون أنه من الوحي المقروء وما أوهموا به الناس أنه من عند الله تعالى مفترين على الله الكذب وهم يعلمون علماً يقينياً أنهم يكذبون على الله وعلى خلقه، زاعمين المسيح، عليه السلام، إلهاً أو ابن إله، له من الصفات ما يستحق به أن يكون كذلك؛ لكن ما صح عقلاً ولا استقام شرعاً أن يؤتي الله بشراً النبوة والكتاب ويحكمه في خلقه ثم يتمرد على الله ويأمر الناس بعبادة نفسه؛ لأن الله يختار الأنبياء على علم فمحال أن يحصل منهم ذلك؛ لأنه يناقض الحكمة من بعث الرسل وإرسالهم إلى الناس يعلمونهم الدين، ويربونهم على التقوى والطاعة والإيمان وإصلاح المجتمع وإقامة العدل فيه، يطبقون ما علمه الله من وحيه المقروء، ومحال على الله أن يأمركم باتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً من دون الله؛ لأن ذلك كفر به، فلا يأمركم بالكفر بعد إذ ثبت لكم الإسلام ووفقكم للالتزام بحكمه وأحكامه.

    إن الله أخذ على أنبيائه ورسله عهداً مؤكداً وميثاقا غليظا مؤداه أن يلتزموا بالإيمان بما أرسل الله تعالى من رسل يدعون إلى الإيمان بما أرسلوا به إلى الناس، فإن اتفاق الرسل على المنهج يوجب عليهم أن يصدق بعضهم بعضا ويؤمن بعضهم إلى البعض؛ لأنه يستحيل عقلا أن يرسل الله إلى الناس أن كونوا هودا، ثم إذا مضت فترة من الزمان يرسل رسولا يأمرهم أن يكونوا نصارى ثم يأمرهم ثالث بالإسلام، بل الإسلام هو دين الأنبياء من لدن نوح إلى محمد مروراً بإبراهيم وموسى وعيسى عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام فالإسلام هو الانقياد بالكلية إلى الله واجب الوجود لذاته وطاعته.

    من هنا أخذ الله على من سبق محمداً، صلى الله عليه وسلم، من الرسل والأنبياء أن يؤمنوا به إذا أدركوا زمانه؛ لأن محمداً، صلى الله عليه وسلم، يؤمن بما يؤمنون به ويدعو إلى ما يدعون إليه، يؤمن بهم كلهم لا يفرق بين أحد منهم، فيلزمهم الإيمان به وهذا يفسر أخذ الميثاق عليهم وإلزامهم به. فمن تنكر لهذا العهد وأعرض عن الالتزام به فأولئك هم الخارجون من دائرة الطاعة الطالبون ديناً غير دين الله تعالى وانقياداً إلى غير ما أمر الله،وكل ما في السموات والأرض خضع لله وأسلم قياده له، طوعا مختارين أن يكونوا عبيدا له باختيارهم، وكرها رغم أنوفهم: يحيي ويميت، يغني ويفقر، يشفي ويمرض، فالناس وجميع الخلق خاضعون له مؤتمرون بأمره صائرون إليه لا غنى لهم عنه، فكيف يصح لهم أن يخالفوا أمره؟

    إن واجب المؤمن في هذه الحياة الذي لا محيص عنه ولا مفر منه أن يؤمن بالله وما أنزل على محمد ظاهراً وباطناً وأن يصرح بذلك قولا نابعا عن اعتقاد يصدقه العمل، وأن يؤمن بما أنزل على إبراهيم أبي الأنبياء، وابنيه إسماعيل واسحق، ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم وثبت ذلك بالدليل أنه وحي الله إليهم، لا نفرق بين نبي ونبي، بل نؤمن بالجميع وبما جاء به الجميع من عند الله تعالى لأننا مستسلمون لله منقادون لأمره راضون بحكمه، ذلك أن من يطلب ديناً غير دين الله الذي ارتضى لرسله وخلقه يستحق الوعيد؛ لأنه اختار طريقاً مخالفاً وأمضى عمره في معصية الله فاستحق ما أوعده، فكان من الخاسرين، ما أعجب خُلُق قوم كفروا بعد أن آمنوا بالله ورسوله ورأوا الأدلة الحسية على الحق، ولكن لما فقدوا الثقة بالله ووضعوا الأمور في غير مواضعها التي لها، كلت أفهامهم، وعميت أبصارهم وأخطئوا الطريق فاستحقوا الطرد من رحمة الله والعزل عن المجتمع الصالح لئلا يفسدوه؛ فإن تابوا وأصلحوا تاب الله عليهم وعفا عنهم؛ وإن أصروا على الباطل وتمادوا في الكفر إلى أن تركوا الدنيا لن يقبل الله توبتهم؛ لأن وقت القبول انتهى بالموت على ما عمل من عمل أي عمل؛ فإن عمل غير صالح خاب وخسر، فضاع؛ لأنه أضاع عمره فيما لا فائدة منه ولا ثمرة له، فهل يقبل الله منهم فداءً: مالاً يدفعونه يفدون به أنفسهم من المسئولية الجزائية؟ إن من مات على الكفر لن ينفعه أن يدفع ملء الأرض ذهباً – لو وجده، كيف ولا مال – لا يقبل الله منه صرفاًٍ وعدلاً، لا من يرفع عنه ولا من يشفع له، ليس له في الآخرة إلا العذاب الأليم، فهل من منتهز الفرص مقبل على الله في الحال؟.

    يحرص الإنسان البعيد عن منهج الله على جمع المال من حله ومن غير حله، ويبذل في سبيل تحصيله كل غالٍ ونفيس مع أنه وسيلة لغيره لا غاية في نفسه، ومع أن صاحبه لا يملكه في الحقيقة فلا يأخذ منه شيئاً إلى الآخرة، فعجباً لمن يطلب ما لا يملك، ويجهد في تحصيله ثم يتركه ويمضي بلا مال ولا بنين، يمضي بعمله.

    فاللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة