الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

ما أجمل هذا؟!!  
سورة آل عمران   الآيات 52 - 64



    نشأ المسيح صالحاً تقياً يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، يجتهد في تطهير بيت الله مما كان يمارسه قومه فيه من المعاملات المادية التي ما كان ينبغي أن تكون المعابد محلاً لها. ضاق القوم ذرعاً بأعمال المسيح الخيرة التي تصلح الفرد وتطهره من التعلق بالمادة والحرص عليها والرغبة فيها، ففكروا بطريقة يتخلصون بها منه؛ ذلك أن منهج الأشرار في هذه الحياة التخلص من الأخيار بأي وسيلة؛ فالعداوة بينهم مستحكمة، كان المسيح ثاقب البصر، قوي الملاحظة، شعر بمكر القوم به ورغبتهم في التخلص منه، فبحث عمن يقف إلى جانبه في وجه الظلمة: ينصره مع الله، يشد أزره ويعينه في ردعهم عن باطلهم؛ إذ كان الحق الذي لا قوة تسانده وتقف معه في وجه الباطل حق يفتقر إلى القوة، كيف لا والمسيح جاء بالتسامح والعفو، والناس لا يردعهم عن باطلهم إلا بالقوة؛ من هنا بحث المسيح عن عون يقف إلى جانبه، قال تلاميذه: نحن أنصار الله، آمنا به وانقدنا لحكمه، ونطلب إليك أن تشهد لنا أننا مؤمنون مسلمون، يا ربنا آمنا بما أنزلت إلينا بواسطة رسولك عيسى واتبعنا ما جاء به، فاكتبنا مع الشاهدين الذين شهدوا لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة. لكن بعضهم على الأقل لم يف لعيسى بوعده، فبيتوا له ما لا يجوز، وأظهروا أو بعضهم على الأقل خلاف ما أبطنوا؛ فكان الله إلى جانب المسيح يرد عنه مكر أعدائه، فتذكر أيها القاريء لكتاب الله الوقت الذي قال الله فيه لعيسى: إني منيمك ورافعك إلى السماء لأتوفاك عند حلول أجلك ومطهرك من الذين كفروا بي وبك، وهذا دليل حسي على سلامة المسيح من أن تمتد له يد السوء، وقد وفى الله لواحد من أصحاب النبي عاهد الله أن لا يمس مشركاً، ولا يمسه مشرك فحماه الله ميتاً نهاراً بالدبر وليلاً احتمله السيل  إلى حيث لم يعرف أحد من أين جاء وإلى أين ذهب به؛ أفلا يفي الله لنبي كريم من أنبيائه خلقه الله على خلاف ما اعتاد الناس من امرأة بلا رجل، ووعد الله أن يطهره من الذين كفروا به فلا تصل إليه يد بسوء، وأن يجعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا به إلى يوم القيامة، حيث الحساب على الأعمال: أما الكافرون فيعذبهم عذاباً عظيماً لا يقدر قدره لا في هوله وشدته في الدنيا بما يلاقون من هول انتصار المؤمنين، ولا في الآخرة بما أعد لهم من عذاب جزاءً على أعمالهم السيئة: من قتل يحيى وزكريا ومحاولة قتل المسيح u ولن يجدوا من يمنع عنهم عذاب الله ولا من يدفعه عنهم؛ وأما المؤمنون العاملون فيوفيهم أجورهم في الدنيا حياة طيبة وفي الآخرة نعيماً دائماً كما صرح بذلك في غير ما آية حتى صار علم ذلك ضرورياً مقبولاً لا يمكن للعاقل إنكاره، ولا يقول من قائل إن المسيح أسلم نفسه إلى جلاديه ليقتلوه؛ وأن الله تركهم يقتلونه فداءً لخطيئة أبيه آدم الذي عصى الله في الجنة فاستحق هو وذريته الموت الأبدي ثم فدى الله الجميع بابنه الوحيد ومكن اليهود من قتله كما قتلوا زكريا وابنه، ثم أحياه بعد الموت ودفع إليه ملكوت السماوات والأرض؛ فهذا أصل لا يقبله عاقل. فالإله الغيور الحاقد الذي يفتقد ذنوب الآباء في الأبناء في الجيل الثالث والرابع يتحول فجأة إلى رحيم مشفق يرسل ابنه الوحيد ليقتله الناس فداءً لبني آدم، ماذا عمل عيسى ليموت وهو الشاب التقي الصالح الذي ما عمل سيئة قط. لماذا يتحمل تبعة خطأ آدم، أليس آدم أولى بأن يتحمل خطأ نفسه، وكيف ينصر الله على ابنه – إن كان له ابن – كيف ينصر الله الظالم على المظلوم، ويخلف وعده لوليه أن يطهره من الذين كفروا ثم يمكنهم من قتله وصلبه؟ ثم يحييه. نقول: الله لا يُسأل عما يفعل، ولكن أتلمس الحكمة، فأفعاله لا تخلوا عن حكمة فما الحكمة وأين هي في هذا؟!!.

    أنا أتساءل ولا أسأل فالخوض في العقائد صعب عسير وإنما أنظر إلى عقيدة النصارى وأحاول أن أفهمها من خلال ما جاء في كتاب الله الذي حرم الظلم على نفسه وجعله بين خلقه محرماً، ومعاقبة غير الجاني ظلم، وهل في تمكين الأعداء من قتل المسيح كفارة لخطأ آدم؟.

    إن أصول الإسلام تمنع هذا، فالثواب والعقاب إنما يستحقه العامل لا غيره، وعاقب الله آدم على خطئه فطرده من الجنة وأهبطه إلى الأرض، وجعل العلاقة بينه وبين الطبيعة علاقة عداء. فالإنسان يتعب ليؤمن قوته كما صرح به في سفر التكوين، ألا تكفي هذه. فالمسيح في نظر المسلمين ليس إلهاً ولا ابن إله، بل نبي كريم ورسول من أولي العزم، جعله الله وأمة معجزة دالة على قدرة الله المطلقة يخلق ما يشاء، خلق آدم من تراب وأراده أن يتحول من مادة جامدة إلى إنسان حي يحس ويتكلم ويعقل فكان كما أراد، وخلق المسيح من امرأة فكان ما قضاه مما قصه في هذه السورة وغيرها ما ثبت أنه حق لا شائبة شك فيه، فمن حاول أن يجادلك في ألوهية المسيح أو بنوته فلا تلتفت إليه، وتأسى برسول الله الذي أمر بملاعنة نصارى بعد محاورتهم من أول السورة إلى الآية الحادية والستين، والذين هربوا من رسول الله فلم يلاعنوه؛ لأنهم تحققوا من صدقه، ولو لاعنوه لماتوا عن آخرهم، ويدل لذلك ما قاله أحد الأخوين لأخيه الذي عاد إلى المدين وآمن بمحمد وحسن إسلامه.

    إن ما قصه الله في هذه السورة وغيرها ثابت لا شك في ذلك؛ لأن القرآن قطعي الثبوت وفي هذا قطعي الدلالة لوضوح التفاصيل ودقتها وعدم الحاجة إلى مزيد بيان؛ فإن الله الغالب الذي لا يُغلب ولا يغالب يستحق أن يفرد بالطاعة والعبادة ولا يستحق ذلك أحد غيره. فعلى العقلاء المسارعة إلى إجابة داعي الحق مختارين بلا تسلط أو إكراه، بل دعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، فمن أصر على رأيه وتمسك بما يعتقد؛ فالله الحكم العدل عليم بالذين يثيرون الفتن ويفسدون في الأرض؛ فإذا كان كذلك فالحساب إليه، والثواب والعقاب عليه: يفصل فيها يوم الفصل؛ أما في الدنيا فلم يعط الله لأحد الحق أن يقهر خلقه على ما لا يريدون؛ لذلك رأيناه يدعو أهل الكتاب إلى التعاون فيما اتفقوا عليه: الإيمان بالله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً نخضع لهم خضوعنا لله الواحد القهار؛ فإن رفضوا الإجابة إلى ما طلبتم منهم، فاطلبوا إليهم أن يشهدوا لكم بالاستسلام لله، بالإسلام دين إبراهيم أبي الأنبياء ومن قبله ومن بعده منهم.

    فما أجمل أن يعيش الناس في أمن وأمان يتعاونون في بناء الوطن ويشاركون في نشر الخير والحض عليه والدعوة إليه.

    فاللهم وفقنا وسددنا.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة