الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

ألم تَرَ ... بلى!!! 
سورة آل عمران   الآيات 23 - 51



    هل رأيت أمراً غريباً يكاد لا يصدق: جماعة آتاهم الله شيئاً من الوحي يُدعون إلى الإيمان بوحي مثله إلى نبي غير نبيهم الذي يزعمون الإيمان برسالته فيتعالى بعضهم عن الإيمان به ويتكبرون عن الخضوع لخاتم الأنبياء والمرسلين مفترين على الله الكذب زاعمين أن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودات: الأيام التي عبد بنو إسرائيل أو بعضهم العجل الذي صنعه لهم السامري، وغرَّهم في دينهم ما أدخلوه فيه مما ليس منه، ترى كيف يكون حالهم ومآلهم إذا جمعهم الله يوم القيامة الذي دل القرآن في غير ما آية أنه آتٍ لا محالة؟ هناك يوفي الله كل نفس جزاء ما كسبت بالعدل الذي لا يظلم معه مخلوق، مؤمناً كان أو غير مؤمن مطيعاً أو عاصياً، فلا تظلم نفس شيئاً من حسناتها ولو مثقال حبة من خير أُتي بها وجازاه عليها في الدنيا وفي الآخرة، فالله مالك يعطي خلقه ما يشاء، ويسلب عنهم ما يشاء مما وهبه، يعز من يريد بطاعته له وتذللـه بين يديه، ويذل من يتكبر على خلق الله ويتعالى عليهم، بيده الخير. ذكر القسيم وترك قسيمه ليعلم الخلق التأدب معه ومع بعضهم فلا يذكرون من الألفاظ والصفات إلا الجميل المحبب الذي يقرب ويُؤنِس ويَجمع، فذكر الخير وبيده الخير والشر الذي ألمح إليه في الآية الواردة دليلاً على أنه على كل شيء قدير يدخل الليل في النهار، فإذا طال النهار قصُر الليل، وإذا قصر النهار طال الليل، ويتمثل الخير والشر في الحياة والموت اللذان بحسب الشعور الإنساني باديء الرأي، وإلا فالموت ليس عدماً محضاً بل هو انتقال من دار إلى دار ومن حال إلى حال، يخلق فيه الحياة فيحيا ويخلق فيه الموت فيموت، والموت دليل حسي على وجود الله وقدرته وحكمته، والله مالك الملك يرزق من يشاء بغير حساب ما دام هو الموجد من العدم، المربي بالنعم، صاحب الفضل والإنعام الذي لا ينبغي لعباده المؤمنين أن يتخذوا من دونه ولياً ينصرونه ويستنصرون به. وفي هذا مراعاة لجانب الجلال الذي يحقق وحدة المجتمع تحت راية واحدة وهدف واحد ومنهج واحد لتحقيقه نتيجة واحدة: الولاء. فلا مراءاة ولا نفاق ولا تسلط ولا حسد ولا تدابر، ولاء الجميع لله الواحد، من هنا نهى الله المؤمنين عن تولي غير المؤمنين، وجعل موالاة الكافرين: نصرتهم والاستنصار بهم من دون المؤمنين خروجاً عن دائرة الطاعة لله والالتزام بما شرع مما فيه مصلحة للعباد في عاجل حالهم وآجله، وأمرهم أن يشفقوا على عباده دون أن يزلوا لهم ويركنوا إليهم، فيكون المؤمن داعية إلى الله بأعماله الصالحة وأخلاقه الطيبة، يراقب الله فيما يأتي ويذر، ويحببه إلى عباده بالرفق بهم والعطف عليهم، لسان حاله: لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فاتقاء الكافر لا يكون بالخضوع له، ولا بمداهنته لكن بالخضوع لله القوي الغني المغني، وإظهار الفضائل بأسلوب محبب، والعمل بما يدعو إليه؛ فإن تأثر الناس بالقدوة أكثر من تأثرهم بالكلمة مهما كانت بليغة، وأن يعمل لله ويحتسب؛ لأن المصير إلى الله؛ فالله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. من هنا أمر الله نبيه أن يعظ قومه مخوفاً إياهم أن يراهم الله حيث نهاهم وأن لا يظهروا ولا يخفوا إلا ما يجب وما يُرضي الله، فلا يظهروا الفواحش والكفر والمعاصي، ولا يخفوا الحقد والمكر والغدر والخيانة لمؤمن آمن، فالله يعلم ذلك، ويعلم ما في السموات وما في الأرض، وهو قادر على إثابة المطيع ومعاقبة العاصي فهو على كل شيء قدير، فتجب مراقبته ومراعاة جنابه في السر والعلن، ولا يظهر أثر ذلك إلا يوم القيامة حين يجد ثواب ما عمل من خير ماثلاً أمامه يؤنسه ويسعده، وعقاب ما عمل من سوء يستحق عليه العقاب يتمنى لو أنه بعيد عنه مسافة حتى يسلم من شره، وهذه دعوة إلى مراقبة الله والخوف منه والأنس به، والترفق بخلق الله؛ وأن يكون حب الله وحب رسول الله حباً إيجابياً يثمر طاعة لله واقتداءً برسول الله يوطد العلاقة بين العبد وسيده، يبذل جهده في العبادة والطاعة لينال شرف خدمة مولاه، يسارع إلى الامتثال ويخاف من المخالفة حتى لا يتعرض لعقاب الله، وأمر الله نبيه بذلك دعوة إلى الارتقاء بالنفس من ذل الأنانية إلى عز الإيثار، وهذا أوان الشروع بقصة نبي الله عيسى أبن مريم عليهما السلام من لدن أن كانت أمه جنيناً إلى أن رفعه الله إلى السماء، فالنبوة والرسالة اصطفاء عن علم، فالله اصطفى آدم أبا البشر ونوحاً الأب الثاني والنبي والرسول الصابر الذي تحمل من قومه ما تعجز عن حمله الجبال الشامخة، وإبراهيم وذريته وأولاده، ومنهم إسماعيل وإسحاق وأولادهم الذين فيهم يعقوب وموسى وسليمان وداود ويوسف وغيرهم من أولاد إسحاق، ومحمد، صلى الله عليه وسلم، خاتم الأنبياء والمرسلين من أولاد إسماعيل بن إبراهيم، وآل عمران والد مريم الذين منهم المسيح عيسى ابن مريم عليهما السلام؛ فهؤلاء الأخيار ذرية بعضهم من بعض، رباها الله بالنعم؛ فكانت لمن بعدها مثالاً للصالحين وقدوة للعاملين الساعين إلى الإصلاح، باذلين النفس والنفيس في سبيل الله طمعاً في رضاه، والله سميع لأقوالهم، عليم بأعمالهم؛ خاصة ما كان فيها ما يدعو إلى النظر والاعتبار، فها هي امرأة عمران تنذر جنينها خالصاً لله يخدم بيته، ويصلح من شأنه، خائفة راغبة في قبول الله ذلك؛ إذا كانت تحب أن يكون لها ولد، فلما وهبها الله الولد نذرته لله، وطلبت منه أن يتقبل نذرها؛ لأنه السميع لقولها العليم بحالها: ما أظهرت وما أخفت منه، ومضت الأيام حتى إذا ما وضعت حملها رأت أن الله وهبها أنثى وكانت تطلب ذكراً يخدم في بيت الله، تحسرت وحصَّنت ابنتها وذريتها من الشيطان المطرود من رحمة الله.

    تقبل الله نذر امرأة عمران وأنبت مريم نباتاً حسناً وأسند شأن رعاية مريم إلى زوج خالتها: لا على أنه محرم لها؛ ولكن لسبب مادي أخر الحديث عنه تشويقاً للسامعين حتى يشد انتباههم إلى ما في القصة من إشارات تؤذن بولادة نبي كريم يكون له شأن وفي ولادته وحياته معجزة حسية تخرق ما اعتاد الناس من مجيء الولد على الطريقة المعهودة، مجيء ولد من أم بلا أب، دليلاً على قدرة الله المطلقة في الخلق، والرزق والإيجاد فركز على ما كان من أمر مريم وما أعقب ذلك من ولادة طفل لزكريا من أم تستبعد ولادتها لسببين: أنها متقدمة في السن، الثاني أنها عاقر لا تنجب، وكيفية إخبار زكريا أن امرأته القاعد العاقر قد حملت بيحيى سيداً لا مثيل له، وحصوراً لا تميل نفسه إلى النساء مع تكامل في الخلقة، ونبياً من الصالحين؛ ذلك أن زكريا بعدما رأى ما أكرم الله به مريم العذراء البتول المخدرة في بيت الله لا يدخل عليها أحد إلا إياه يجد عندها رزقاً لم يأت به هو، ولا دخل على مريم غيره. تذكر زكريا أنه بحاجة إلى ولد يحمل اسمه ويخلفه في رعاية قومه. فطلبه من الله الذي يرزق من يشاء بغير حساب، وأجاب الله دعاءه وبشرته الملائكة بيحيى يؤمن بالرسالات الإلهية وبالأخص رسالة ابن خالته عيسى ابن مريم عليهما السلام، وسيداً لا مثيل له، مستقيم الأخلاق ونبياً من الصالحين، تعجب زكريا من هذا وسأل ربه: كيف يكون لي غلام وقد كبرت سني وسن زوجتي التي هي عاقر لا تنجب مذ كانت شابة كيف تنجب عجوز عقيم، فأجابه الله: يفعل ما يشاء، قدرته مطلقة لا يعجزه شيء. إرهاصاً بين يدي ولادة عيسى عليه السلام، طلب زكريا من الله أن يجعل له علامة حسية يعرف بها أن امرأته حملت بيحيى النبي؟ فأعطاه أن منعه الكلام العادي مع قدرة على مثله من ذكر الله وتسبيحه ثلاثة أيام، وقال في (سورة مريم) ثلاث ليالٍ. فكان المجموع ثلاثة أيام بلياليها إرهاصاً ثانيا بين يدي مبعث عيسى ابن مريم – عليهما السلام – تهيأت الأنفس لمعرفة ما حصل لمريم بعد أدخلت بيت الله لتكون خادماً فيه بكفالة زكريا؛ لكن متى وكيف كان ذلك؟.
   
    لم تشر الآيات إليه إلا بعد أن ذكرت بشارة الله لمريم أن الله اختارها لتكون أماً لنبيه وطهرها من كل وصف يباعدها عن هذا واصطفاها على نساء العالمين ليجعل منها ومن ابنها آية على كمال وطلاقة قدرته عز وجل فعليها أن تشكر هذا التشريف بالمواظبة على طاعة الله وعبادته، وها قد حان وقت الإخبار عن وصول مريم إلى يد زكريا يرعاها ويحنو عليها؛ إنه القرآن المعجز المشتمل على أنباء غابت عن النبي الأمي r الذي ولد وعاش في مكة لم يفارقها إلاّ مرتين كان فتىً في إحداهما وكان عاملاً في تجارة خديجة في الثانية ومكث مدة يسيرة لا تكفي للإحاطة بأدق التفاصيل عن حياة الأنبياء الذين سبقوه، فلا بد وأن يكون تلقاها وحياً يتلى عليه من ذلك القرعة التي ابتدعها زكريا ورفاقه لتحديد من يكفل مريم؛ ذلك أنهم ألقوا أقلامهم في النهر فعلا قلم زكريا فكانت كفالة مريم له، وكان ما كان من رزقها، ورزق ولداً صالحاً يأنس إليه ويفتخر به، ويكون في مولده على هذا الشكل دليلاً حسياً على قدرة الله.

    ثم تبشر الملائكة مريم العذراء بغلام ينسب إليها ويعرف بها اسمه المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام حالة كونه ذا جاه عظيم في الدنيا والآخرة ومن المقربين إلى الله تعالى ويكلم الناس في المهد: يشهد لأمه بالطهارة والعفاف ولنفسه بالصلاح والنبوة ويسأل الله أن يسلمه من الآفات والشرور وادعاء ما ليس له في الدنيا، ويؤمنه يوم الفزع الأكبر يوم يقوم الناس لرب العالمين، للعرض والحساب والثواب أو العقاب.

    سألت مريم من أين يأتيني الولد وأنا العذراء العفيفة، أتاها الجواب: الله يخلق ما يشاء: البشر ذكراً وأنثى. ومجيئهم إما من لا ذكر ولا أنثى من تراب، أو من ذكر أو من أنثى أو من ذكر وأنثى، فجاء الله بها كلها على القسمة العقلية، فآدم من تراب وحواء من آدم والمسيح من مريم، وسائر البشر من ذكر وأنثى، وهذا يبين سبب تعجب مريم؛ لأن العادة أن يأتي الولد من تزاوج بين ذكر وأنثى، وانتهى الأمر حكما مبرما ما شاء كان لا راد لحكمه ولا معقب لأمره، وقد أراد خلق المسيح من أم دليلا على قدرة الله تعالى المطلقة عن قيد أوشرط، وأيده الله بمعجزات حسية خمسة: أنه يخلق من الطين كهيأة الطير فإذا سواه نفخ فيه قائلاً: كن طائراً بإذن الله فيكون، ويطير ما دام الناس يرونه، أنه يبريء الأكمه الذي خلق بلا فتحة عين، يمسح عليه فيفتح له عينان، أنه يشفي الأبرص أعني المريض مرضاً جلدياً بإذن الله، ويحيي الموتى بإذن الله، وهذه معجزات حسية يعجز البشر عن الإتيان بها أو بمثلها ما تعاقب الليل والنهار، كما أن الله أعطى المسيح القدرة على معرفة غيب خاص جداً أن يخبرهم بما يأكلون في المستقبل وما يخبئون في بيوتهم، ثم إن الله وعد مريم أن يعلِّم ابنها الوحي المتلو والشرائع التي أوحى بها إلى موسى وشرائع خصه بها وأن يرسله إلى بني إسرائيل مؤيداً بالمعجزات، فلما أرسله بيّن لهم ما أوحى الله به إليه، فصدق التوراة ونسخ بعض أحكامها وأقام الأدلة ووضح الشرائع ودعا إلى الإيمان بالله الواحد القهار الذي لم يلد ولم يولد، ودعا إلى الصراط المستقيم؛ فهل آمن به بنو إسرائيل وناصروه وأظهروا الحق الذي جاء به، ماذا كان من أمره معهم؟...

    وبعد فالآيات دعوة إلى الإيمان بالوحي المتلو ونبذ الكبر والغرور، والعمل لما بعد هذه الحياة، والاستعداد لذلك اليوم يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً، ثم إن في قصة مريم من لدن أن نذرتها أمها لله تخدم بيت الله إلى أن ولدت ابنها الوحيد عيسى عليه السلام، وما تخلل ذلك من ولادة يحيى لزكريا العجوز وامرأته العجوز العقيم وما كان فيها من الأدلة الحسية الدالة على عظمة الله وسعة علمه وكمال قدرته لدليل واضح على أن المسيح ليس إلهاً ولا ابن إله، ولكنه رسول مؤيد بالمعجزات من الله، مخلوق مفتقر إلى الله في وجوده وبقائه.

    فاللهم نوِّر أبصارنا وبصائرنا، واهدنا إلى الصراط المستقيم.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة