الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

هل من معتبر؟؟!  
سورة آل عمران   الآيات 10 - 22



   خلق الله لكل عالم ما يلائمه، فعالم الحياة له ما يخالف عالم البرزخ، وعالم اليقظة يخالف عالم النوم، وعالم الدنيا قائم على الأسباب التي تثمر مسبباتها، وعالم الآخرة عالم لا أسباب فيه بل الأمر كله لله في هذه وهذه، وهذا يدل على أن المال وسيلة لتحصيل الحاجات وكفاية مؤونة الحياة، وما كان ولا يكون ولن يكون حامياً لصاحبه مدافعاً عنه، بل المال بحاجة إلى من يحميه من أخذه أو الاعتداء عليه، وهذا ما قرره الله، وقرنه بالأولاد لما بينهما من علاقة محبة ومودة وفقر وحاجة. فالمال والولد لا يغني من عذاب الله شيئاً؛ لأن المال أخذ من غير حله وصرف فيما حرم الله، والولد لم يُعلَّم في وقت التعليم، ولا أُدِّب في وقت التأديب، ولا رُوعي فسُدِّد وصُوِّب وقُوِّم، فنشأ عدواً لنفسه وأهله ووطنه، بُذِل له المال بسخاء زائد ففقد قيمته لديه فبذله على الشهوات والملذات من الكماليات والمحرمات، فضاع المال والولد والوالد وصار مصير الجميع وقود النار: نار جهنم، لا يستطيعون أن يدفعوا عن أنفسهم بأموالهم مهما كانت عظيمة، والدليل الحسي المنتزع من التاريخ أخبار الأمم السابقة: فرعون شيخ الطغاة وقومه الذين خضعوا له ونصروه على من ظلمهم وقبل فرعون من الظلمة الذين أصموا آذانهم عن سماع داعي الحق، وأعموا أعينهم عن إبصار نور الهداية، وأغلقوا قلوبهم فلم يعقلوا ما أكرمهم الله به من نعم وأقام لهم من أدلة واضحة، غافلين عن الله وما أعد لأهل طاعته من الصالحين المصلحين، والذين قبل فرعون وآله من الظلمة: قوم هود وصالح ولوط وشعيب وغيرهم كذبوا رسل الله وتركوا العمل بما جاؤوهم به فانتقم الله منهم فمنهم من أغرقه الله ومنهم من أرسل عليه الريح فأهلكته، ومنهم من أماته في بيته ومنهم خسف به الأرض، ومنهم من أرسل عليه الحجارة، فثبت بالدليل الحسي أن الله شديد العقاب قادر على نصرة أوليائه والانتقام ممن كذبه ورسله وآذى أولياءه؛ لذلك أمر نبيه أن يقول للذين كفروا مخوفاً من عاقبة بغيهم: أنه يوشك أن ينتقم منهم فيسلط عليم من يغلبهم ليكون مصيرهم إلى جهنم وبئس المهاد هي: لهم منها فراش وغواش؛ فإن طلبوا الدليل الحسي على قدرة الله جاءهم غضا في ما كان في بدر حين نصر الله القلة المؤمنة على ثلاثة أمثالها من الكافرين فغلب ثلاثمائة وبضعة عشر ألفاً من المسلمين ذوي العدة والعتاد، ليكون ذلك دليلاً على أن النصر من عند الله، لا بالعدد ولا بالعتاد، ليكون العقلاء مقبلين على الله مطيعين له معرضين عمن سواه، وهذا ما دعا خليفة رسول الله فيما بعد أن يوصي عامله على العراق أن يكون حريصاً وجنده حريصين على الابتعاد عن المعاصي ما استطاعوا؛ لأن الله ينصر أولياءه بطاعتهم له وقربهم منه لا بعَدَدهم ولا بعُدَدهم. من هنا كان الإقبال على الدنيا والإعراض عن الآخرة سبب الخزي والخسران.

    إذا كان المال في القلب أهلك صاحبه؛ لأنه كلما كثر عنده طلب المزيد، فالآية تذكر الداء وتصف الدواء، فالناس كل الناس إلا من زكى قلبه يحبون ويحرصون على نعيم الدنيا من النساء والبنين والأموال السائلة من النقد والحلي ذهباً أو فضة وما يقوم مقامهما من الليرات والدولارات، والعروض التجارية التي تؤول إلى مال من الخيل الكثيرة المتروكة ترعى العشب، والأنعام: الإبل الجمال إناثها وذكورها والبقر والغنم والماعز، والحرث: الزراعة وما في معناها ما ينتج عنه غلة من المصانع والمتاجر، ويلحق بهذا كل مال جامد منقول أو غير منقول، وجميعها يستمتع بها الناس في هذه الحياة؛ فإذا ما غادروا الدنيا تركوها ومضوا إلى الآخرة بأعمالهم التي عملوها؛ لذلك سمى هذه الأموال متاع الحياة الدنيا، والمتاع ما يستمتع به دون أن يكون مالكاً له في الحقيقة؛ لأن الإنسان لا يملك إلا عمله الذي يأخذه معه. من هنا كان عليه أن يخلص فيه النية لله ويتقنه ليثاب عليه ما دام ما عند الله في دار كرامته خير من هذه الأنواع من الأموال التي تشتهيها أنفس الناس وتتمنى أن يكون لها منها أوفر نصيب؛ لكن ما عند الله خير وأبقى فيجب السعي إليه والرغبة فيه، من هنا وجه الخطاب إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، تشريفاً له، وتنبيهاً للغافلين من أمته: أأخبركم بخير من هذه الأموال التي تطلبونها وترغبون في تحصيلها مع ما فيها من منغصات وسرعة زوال، إنه ما أعد الله لأوليائه في دار كرامته من جنات أي بساتين كثيفة الأشجار ذات ظل ظليل وماء سلسبيل يجري من تحت أشجارها، والخلود الذي لا موت بعده، فالنعيم دائم لا يحول ولا يزول، والأزواج مطهرة من كل ما في نساء الدنيا من العيوب والآفات والمنغصات، ومع جميع ما تقدم من نعيم وفوقه رضوان عظيم لا يقدر قدره، كائناً من الله ذلك، المطلع على خفايا وخبايا قلوب عباده الصالحين الموصوفين بخمس صفات يتمم بعضها بعضاً رأسها الصبر: به يستطيع الإنسان أن يحقق ما يريد وينجح فيه وهو صبران: صبر على الطاعة وصبر عن المعصية، ولا يتم للإنسان ذلك إلا مع الصدق بتطابق النسبتين الذهنية والخارجية ومداومة الطاعة لله في المنشط والمكره واليسر والعسر، والإنفاق في سبيل الله لسد الحاجات الطارئة المتجددة وتأمين مورد لمن لا مال له يكفيه ويغنيه، وختم الصفات بـ الذين يطلبون المغفرة من الله في كل وقت وخص الأسحار لغفلة الناس فيها؛ ولأن الاستغفار في هذا الوقت أبعد عن الرياء وأرجى إلى القبول فهؤلاء ما استحقوا ما وعدوا به إلا بمعرفتهم ربهم وإيمانهم به، وجمعهم بين صدق الالتجاء والعمل الموافق لما شرع الله، الله الذي شهد لنفسه بالوحدانية، وشهد له بها ملائكته المقربون والعلماء العاملون جميعهم شهدوا أنه لا مستحق للعبادة إلا هو؛ لأنه غالب لا يغالب، حكيم يضع قوته حيث يجب، فلا تخلوا أفعاله عن حكمة، فمحال عقلاً أن تتخالف الأوامر وأن تتناقض الأخبار. من هنا كان لزاماً وحدة الدين، فالاستسلام لله والانقياد  لحكمه شأن الأنبياء من لدن آدم عليه السلام إلى محمد ،صلى الله عليه وسلم،كلهم دعا إلى ذلك وحض عليه ورغب فيه، والخلاف حدث بعد الأنبياء من الذين شرفهم الله بالإيحاء إلى أنبيائهم نتيجة الحسد والظلم وترك العمل بأوامر الله وختمت الآية بقضية شرطية فيها من الوعيد ما تنخلع له القلوب، تؤكد بدلالة الالتزام على إثابة المطيعين ومعاقبة العاصين في أسرع وقت، وقت حدده الله لا يتقدم ولا يتأخر؛ فإن حاول مضلل إثارة الشك ومجادلة النبي، صلى الله عليه وسلم، ومن بعده من كل من له تأثير على العامة؛ بأن يكون واثقاً بالله ملتجئاً إليه معتمداً عليه، يقتدى به العامة فيسيرون سيرته ويدعون الآخرين إلى الاستسلام لله دون ضغط أو إكراه، عن اقتناع وتسليم؛ فإن أجابوا إلى ذلك فقد قبلوا الحق وخضعوا لله؛ وإن رفضوا فما عليك أيها القاريء لكتاب الله والعامل بما فيه من حكم وأحكام، ما عليك إلا نشر الحق ونصره، والله مطلع على عباده مراقب لهم، وفي هذا دليل واضح وبرهان قاطع على أن الحساب حق والثواب أو العقاب ثابت لاشك فيه؛ من هنا كان الوعيد للذين اتصفوا بثلاث صفات كل واحدة منهن أكبر من صاحبتها، أولاها: الكفر بآيات الله وتجدد ذلك منهم، والثانية قتل النبيين بغير حق، وفي هذا خصلتين القتل بغير حق وكون المقتول نبياً، وتكرار ذلك منهم يدل على نفس مليئة بالحقد على أهل الخير والكيد لهم ولمن يأمر الناس بالعدل؛ لذلك بشرهم بعذاب أليم؛ لأنهم لم يعملوا عملاً صالحاً ينفعهم في الآخرة فضلاً عن الدنيا، وليس لهم من ينصرهم على الله، ويشفع لهم عنده، فهل من معتبر يسمع ما يُتلى ويؤمن به، يراجع نفسه ويتوب إلى الله.

    فاللهم خذ بنواصينا إليك، صوِّب مسارنا وسدِّد خطانا، تقبل منا واقبلنا جنداً عاملين.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة