الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

بين المحكم والمتشاب 
سورة آل عمران   الآيات 1 - 9



   ختم الله سورة البقرة بجملة خبرية تفيد أن ما يكلف الله عباده به باستطاعتهم القيام به على أكمل وجه بيسر وسهولة، وبنى عليها أن الثواب نتيجة الإتيان بما أمر الله، والعقاب على ترك الامتثال الناتج عن نسيان المأمور أو الخطأ في القيام بما طُلب منه نتيجة توهم أن ذلك فوق الطاقة فناسب أن يعلم عباده أدعية تعينهم على الطاعة، وتسأل الله أن يخفف عنهم عبء ما في بعض ما في التكاليف من مشاق على النفس الإنسانية بسبب الإعراض عن المنهج، فناسب أن يطلب من الله أن لا يؤاخذه إن نسي الأمر الإلهي وترك الإتيان بما طلب منه أو أتى بما يخالفه، وطلب ثانياً الترفق به بعدم تكليفه ما لا يستطيع القيام به، وأن يتجاوز عنه فيما قصر في القيام به ويغفر له ويرحمه، وقرر أنه يوالي الله ويتولاه، وطلب النصر على القوم الكافرين، بإعادتهم إلى الجادة وتقويم ما اعوج وإصلاح ما فسد، بإظهار الحق ونصر المظلوم على ظالمه ليعيش الناس في أمن وأمان ترعاهم عناية الله الحي القيوم؛ فإنهم أخلصوا الالتجاء إليه ووالوه طالبين منه العون والتأييد. ولما ختم سورة البقرة بما يدل على عظيم قدرته ناسب أن يبدأ سورة آل عمران بما يؤكد على ما ختمت به سورة البقرة، واستفتح البيان بثلاثة حروف من حروف الهجاء يدل بها على أن القرآن معجز في تركيبه من هذه الحروف على خلاف ما اعتاد العرب من أساليب؛ لأن لفظه ومعناه منـزل على النبي من الله الحي لذاته: الذي ليس لحياته بداية وبالتالي ليس لها نهاية، وحياة خلقه بإحيائه لهم بخلق الحياة فيهم إلى وقت علمه ولا يعلمه غيره، وقيوم صيغة تدل على أنه قائم بنفسه غني وكل ما عداه مفتقر إليه؛ كأنه بهذين الاسمين دل على أنه لا يستحق العبادة إلا إياه.

    ولما كان الخلق عاجزين عن معرفة كيفية التقرب إلى الله، جاهلين السبيل الأمثل لصلاح حياتهم مفتقرين إلى ما يبين لهم ما يفعلون وما لا يفعلون. أنزل الله على رسله كتباً تبين للناس ما يجب عليهم: يعاقبون على تركه، وما يحرم عليهم: يعاقبون على فعله، وكان لكل أمة شريعة تناسب حالها فأنزل القرآن على محمد، صلى الله عليه وسلم، خاتم أنبيائه وجعله مصدقاً لما سبقه من الكتب: التوراة التي أنزل على موسى، والزبور الذي أنزل على داوود، والإنجيل الذي أنزل على عيسى ابن مريم، ومن قبل الصحف التي أنزل على إبراهيم أبي الأنبياء، فمن يؤمن بكتاب من هذه الكتب يلزمه الإيمان بجميعها، ومن يكفر بواحد منها فكأنه كفر بجميعها؛ لأن أصل الدين واحد، لذلك رأيناه يتوعد الذين كفروا بآيات الله ورفضوا الإيمان – ولو بنبي – بعذاب شديد لا يقدر قدره أحد وزاد أنه غالب قادر على الانتقام ممن عصاه وتمرد على أوامره، مطلع على ما يجري في هذا الكون الواسع لا يخفى عليه من حاله وما يجري فيه شيء، وقدم دليلاً حسياً مسلماً لا يمكن إنكاره إنه تصوير الإنسان في رحم أمه في ظلمات ثلاث خلقاً متكاملاً؛ وكأني به يثبت بالدليل الحسي المنتـزع من السياق والسباق أن المسيح ليس إلهاً ولا ابن إله، فالمسيح ليس حياً لذاته، بل خلق الله فيه الحياة فحي وهو مفتقر في حركاته وسكناته إلى الله، والمسيح كان يخلق الطير على الأرض يراه الناس عياناً، وإذا نفخ فيه صار طيراً بخلق الله الحياة فيه فيصير حياً بإذن الله واعترى المسيح ما يعتري البشر: من التعب والضعف والمرض ويحتاج إلى ما يحتاج إليه البشر من الطعام والشراب، فلا يصح عقلاً أن يكون إلهاً ولا ابن إله، ولو ولد من غير أب؛ فإن آدم خلق من لا أب ولا أم؛ فإذا كان المسيح إلهاً؛ لأنه خلق من غير أب، فآدم أولى بهذا وأحق ومع ذلك لم يقل أحد: إن آدم إله أو ابن إله، فلا يصح أن يقال هذا لمن جاء من أم بلا أب، ولما استدل النصارى الذين نزلت الآيات في جدالهم بمتشابه القرآن من مثل كلمة الله، روح منه إلخ...، ناسب أن يذكر المحكم والمتشابه ليخلص من ذلك إلى أن العقيدة تبنى على الأدلة القطعية اليقينية لا على النصوص المحتملة، فالقرآن كله محكم لا يتطرق إليه نقض ولا نقص، صينت كلماته وحروفه عن الحشو والتطويل، وكله متشابه في هذا، وبعض القرآن محكم: واضح الدلالة بين المعنى يجب المسارعة إلى الإتيان بما طلبه، متشابه خفي الدلالة يجب الاجتهاد في التعرف على المراد منه، ومحاولة فهم معناه والمراد به بالرجوع إلى ما ورد في سبب نزول الآية وإلى ما يعين على فهمه عن طريق التعرف على عادات العرب وما كانوا عليه وقت نزول القرآن، ومراعاة ما تقدم الآية وما تأخر عنها، لما عهد من ترابط كلماته، والمؤمن يقبل على محكم القرآن يعمل به، ويؤمن بالمتشابه ولا يشتغل بالبحث عن معناه، وشغل الناس بالبحث في ما لا فائدة منه ولا ثمرة له، ولا يعين على ذلك إلا الالتجاء إلى الله والاحتماء به، وطلب التثبيت على الحق، والتوفيق إلى سلوك الطريق الموصل إلى رضوان الله، والفوز بالنعيم المقيم، والفوز يوم القيامة.

    فاللهم وفقنا.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة