الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

لبيك وسعديك 
سورة البقرة   الآيات 278 - 286



    نداء للمؤمنين يأمرهم بترك التعامل بالربا، وترك ما بقي لهم في ذمة المتعاملين معهم بالربا وترك التعامل بالربا بعد أن حرمه الله تحريماً مبتوتاً لا شبهة معه لأحد، وأكد النهي بجملة شرطية حذف جوابها لدلالة ما قبله عليه؛ كأنه قال: (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)  فامتثلوا ما أمرتكم به. ويهدد المصرين على التعامل به بالحرب الموصوفة بأنها من الله ورسوله، ويا لخزي من أوعده الله بحرب منه ومن رسوله. ما أشد هذا وأقساه، حرب لا تبقي ولا تذر لو أن القلوب تعقل والآذان تسمع، ورحمة الله واسعة وباب التوبة مفتوح (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ)  سمح لهم بأخذ رؤوس أموالهم دون الزيادة التي لا يحل لهم أخذها؛ لأنها محرمة، أعطيت بغير وجه مشروع، لا نسمح لكم أن تظلموا غيركم ولا نسمح لغيركم أن يظلمكم، وإن وجد في المدينين عاجز عن رد ما بيده من مال إلى دائنه، فعلى الدائن أن يمهله حتى تيسر حاله، وإن سامحه وأسقط عنه ما عليه من دين فهو خير، وينشأ هنا السؤال الآتي: هل إمهال المدين خير أو إعفاؤه؟ إعفاؤه فيه راحة للدائن من الدين، وفراغ القلب من أمره؛ لكن فيه إذلال للمدين وإيقاعه في حرج هو في غنى عنه، وإلزامه بما قد لا يكون راغباً فيه، وإمهاله فيه إبقاء الصلة بين الدائن والمدين، وبقاء قلب الدائن متعلقاً بالمال ينتظر عودته إليه، وتتوطد العلاقة بين الدائن والمدين، فالصبر على المدين وإمهال المعسر فيه أجر متجدد ما كان الدائن صابراً محتسباً راجيا إنظار الله له، وطامعاً في الثواب من الله في الدنيا والآخرة، يخاف يوماً عظيماً تتقلب القلوب فيه والأبصار، فيه توفى كل نفس ما عملت من خير تراه ماثلاً، تثاب عليه لا تُنقص من أجرها شيئاً؛ لأن الله الحكم العدل حرم الظلم على نفسه، وجعله بين خلقه محرماً ونهاهم أن يظَّالموا، ولحماية الناس من الظلم أمر بكتابة الدين خاصة ما كان منه مؤجلاً إلى وقت قد ينسى الدائن المبلغ الذي على المدين رده إليه أو يدخل فيه الشك على المدين؛ فمن أجل ضبط التعامل أمر بكتابة الدين بين المتعاملين به، خاصة مع تعقد الحياة وإذا كان الدين مستحقاً ببيع موصوف في الذمة، وذلك حين يدفع المشتري ثمن ما اشترى معجلاً؛ فتجب الكتابة ويتولاها بينهما كاتب بالعدل على الصراط السوي لا يزيد في الدين ولا ينقص منه، يكتب مراقباً الله الذي علمه الكتابة شاكراً إياه على هذه النعمة، ويكتب مراعياً ما شرع الله في كتابته، وحق الإقرار للمدين. فمن هنا كان الإملاء على الكاتب يتولاه الذي عليه حق السداد، وأمره بأمرين وألزمه بهما: أن يتقي الله، ومن يتق الله يعدل في القول والفعل، ولا ينقص مما عليه من حق شيئاً بل يؤديه إليه كاملاً غير منقوص؛ فإن كان الذي عليه الحق عاجزاً عن الكتابة لأي سبب شرعي: من ضعف في عقل أو عجز عن الكتابة  بسبب جهل في أصولها أو غير ذلك من أسباب، تولى الإملاء وليه بالعدل؛ ولا بد من طلب الإشهاد على هذا الإقرار وأنه إقرار ولي القاصر، شهادة عدلين رجلين أو رجل وامرأتان ممن تتوفر فيهم شروط الشهادة ويرضى بشهادتهما الطرفان، وجعل شهادة امرأتين كشهادة رجل لحكمة يعلمها الله لعل منها أن لا يرهق المرأة بكثرة إشهادها على الأمور المالية، وإلا فشهادة امرأة واحدة مقبولة في إثبات بعض ما لا يطلع عليه إلا النساء كالولادة وغيرها، ثم حض الشهود على أداء ما تحملوا من شهادات وأمانات، وحض المتعاملين على كتابة الدين صغيراً كان الدين أو كبيراً إلى أجله المحدد، وذكر بفوائد الكتابة فإنها اضبط في التعامل وأوثق في إثبات الحقوق فإن الشهادة على المكتوب أثبت منها على المسموع وفيها اطمئنان النفس، وتوثيقاً للحق، وأذن في عدم كتابة البيع الناجز وأمر بالإشهاد عليه، ونهى عن الإساءة إلى الكاتب أو الشهيد، وأمر باحترامهما وأوعد مضارِّي الكاتب أو الشهيد وجعله خروجاً من دائرة الطاعة، وأمر بتقوى الله وبيّن فوائدها: إنارة البصيرة والإصابة في القول والفعل بتوفيق الله تعالى، وأذن الله للمسافرين الذين لم يجدوا من يكتب لهم الدين بأخذ رهن على الدين؛ فإن وثق الدائن بالمدين فلا حرج في ترك الكتابة؛ لكن لا بد من أداء ما تحمل من شهادة ويجب إظهارها ويحرم كتمانها؛ فإن من يكتم الشهادة لا يحمله على ذلك إلا امتلاء قلبه بالإثم. فحذار حذار الكتمان.

    إن سعادة الإنسان لا تتحقق إلا بمراقبة الله في السر والعلن، والتقلب بين الخوف والرجاء والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله جميع رسله لا نفرق بين أحد منهم، والسمع والطاعة وصدق الالتجاء إليه والاعتماد عليه، والاحتماء به، وطلب نصره والخضوع له.

    فاللهم وفقنا.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة