الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

المال وسيلة أم غاية ؟! 
سورة البقرة   الآيات 270 - 277



    وعد الله المؤمنين المنفقين من الحلال الطيب من كسبهم، الذين بذلوا جهداً في تحصيله ومالت أنفسهم إلى الاحتفاظ به، مغفرة منه وفضلاً عظيماً لا يقدر قدره، وأن ينير بصائرهم ويصوب مسارهم؛ فإن من آتاه الحكمة آتاه خيراً كثيراً لا يعلم قدره إلا أصحاب العقول الذين يعملون عقولهم فيما يرون ويسمعون فيدركون الحق ويقبلون عليه، فينتفعون وينفعون؛ فإن الطاعة والعمل الصالح ينفعان العامل نفسه؛ فإن الله غني عن طاعة الطائعين حميد حمده الحامدون أولم يحمدوه. عليم بأحوال خلقه وما يعملون من خير نفقة واجبة أو نذراً يفون به (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ)؛ لأنهم ظلموا أنفسهم بمعصية الله وظلموا الفقراء فلم يؤدوا إليهم ما وجب لهم عليهم من حقوق.

    إن الزكاة الواجبة يجب إظهارها لتشجيع الآخرين على أدائها ويبريء المنفق نفسه من تهمة منعها، وسماها صدقة؛ لأنها تدل على صدق صاحبها، أما صدقات التطوع فإخفاؤها وإعطاؤها مستحقيها سراً يحفظ كرامة الآخذ فهو خير للمعطي؛ لأنه أقرب إلى الإخلاص وأبعد عن الرياء وأدعى إلى القبول والإثابة، وختم الآية بوعد المتصدقين أن يستر سيئاتهم ليغفرها لهم؛ لأنه مطلع على خبايا أنفسهم وما يبدون، وأن الله عالم ببواطن الأعمال وخفاياها وخباياها، وفي ذلك دعوة إلى التوجه بالكلية إليه والاعتماد عليه.

    النبي يبلغ ما أرسل به إلى الخلق لا يلزمهم بالطاعة؛ ولكن يدعوهم إليها ويرغبهم فيها ويحضهم على الإتيان بالمأمور به والله هو الموفق للطاعة لمن علم رغبته فيها وإقباله عليها، وفائدة إنفاق المال تعود على المنفق نفسه ما دام مخلصاً في العطاء مقبلاً على الله طالباً ما عنده راغباً إليه أن يتقبل منه ويثيبه عليها، فلا يخيِّب رجاءه، ويوفيه أجره كاملاً غير منقوص ما كانت نفقته مدفوعة إلى مستحقيها من الفقراء الذين ملكهم الله هذه الأموال. أحصروا: أي منعوا العمل المنتج البنّاء بسبب مأذون به شرعاً، أعجزهم عن الكسب، نفوسهم عامرة بالإيمان، يخفون ما بهم من حاجة، ويظهرون الغنى بالله والتعفف عن سؤال الناس، حتى يظن من لا يعرف خباياهم أنهم أغنياء من شدة حيائهم وقوة يقينهم، يعرف المعطي رقة حالهم وقلة ذات أيديهم من نظره إليهم والتقائه بهم، أما هم فلا يسألون الناس ولا يلحون في الطلب بل يظهرون الغنى ويخفون الفقر موقنين أن الله عالم بحالهم، قادر على إغنائهم وإثابة من يعطيهم غير طالب شكرهم؛ لأن الله قد أحاط علمه بكل ما في هذا العالم، لا يخفى عليه شيء من أمر الخلق. وختم الآيات بمدح المنفقين بالليل والنهار سراً وعلانية، ينفقون على ذوي الحاجات الذين ملكهم الله جزءاً من أموال الأغنياء، ووعد المنفقين بأكرم جزاء وأحسن عاقبة فلا يخافون مما يأتي ولا يحزنون على ما فات.

    ولما ذكر الصالحين الخيرين الساعين إلى بناء مجتمع فاضل يعيش فيه الناس آمنين متحابين متعاونين على ما فيه خيرهم وسعادتهم، يدهم تبني وقلبهم عامر بالمحبة، ذكر طائفة أعمى حب المال قلوبهم وأفسد أخلاقهم وفرق مجتمعهم، يحذر من التخلق بأخلاقهم، وينفر من يسمع من فعلهم، فيطهر المجتمع من شرهم بوصف حالهم في الموقف العظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين، فهم لا يقومون من قبورهم إلا كقيام المصروع الذي كلما وقف وقع؛ لأن أكل الربى أربى بطنه فكبرت فوق الحد فأعجزته عن القيام، فكلما قام وقع، وبينت حاله وتقلب مزاجه لا يصح لعاقل متبصر أن يبلغه ولو أدى به الفقر إلى الموت جوعاً؛ لأن الله كفل لخلقه الرزق فلا يضيِّع من يؤمن به ويعتمد عليه ويطلب بره.

    (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)   أراد بالأكل جميع وجوه الانتفاع وخص الأكل؛ لأنه أهم وجوه الانتفاع الذي يسعى الإنسان لكسب المال من أجل تحصيله، فالمحرم لا يجوز الإفادة منه بأي شكل، وقوله (لا يَقُومُونَ)  أي من قبورهم (كَمَا يَقُومُ)  أي قياماً كقيام المصروع، (الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ)  هو الذي لا يقر على قرار ولا يثبت على رأي؛ لأن الخبط والتخبط السير على غير هدى فلا يعرف ما يريد، همه المال يجمعه كيفما أنفق، فيخسر كل شيء؛ لأن الطمع يجعله يفقد ما جمع، فمن أعمى حب المال بصره وبصيرته فلا يفرق بين المختلف، لكن الحق والباطل لا يلتقيان، فالحرام خلاف الحلال، والربو زيادة في المال من غير بيع أو غيره من العقود المأذون بهما شرعاً وهذه هي المرحلة المتوسطة لتحريم الربو الذي كان معمولاً به قبل الإسلام فأبطله النبي، صلى الله عليه وسلم. فالربو حرام، والمعاملات المالية الخالية منه حلال، وختم الآية بقضية شرطية عامة فيها وعد للمطيعين الذين يسارعون إلى الإتيان بما يؤمرون به، ووعيد وتهديد لا يقدر قدره للعاصين المتمردين المصرين على التعامل بالربو، وبيّن أن عاقبة الربو وإن كثر إلى قل؛ لأنه ممحوق البركة عديم الفائدة، المتعامل به قلق حزين مضطرب النفس لا يدري ما يفعل وكيف يصنع ليكثر ماله وتتحسن أحواله، نسي الله وغفل عن طاعته، تمرس بالمعصية حتى لكأن الإثم صفته والكفر والجحود خلقه، ثم وصف الدواء الشافي من جميع الأمراض النفسية والاجتماعية الذي يكمن في أربعة: الإيمان بالله ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره حلوه ومره من الله وأن ما أخطأ المكلف لم يكن ليصبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه.

    وترجمة ذلك إلى عمل منتج بنّاء ينفع العامل نفسه وغيره، أو يرفع عنهما ما يؤلمهما، يحقق المصلحة للمجتمع، ورأس هذا وذروة سنامه: الصلاة عماد الدين، تقوِّم السلوك وتصوِّب المسار، وتزكي الإيمان، وإيتاء الزكاة تسد الحاجات وتقي المحتاج ذل الحاجة وذل السؤال، ووعد الجميع بأكرم جزاء وأوفر أجر، لا يصيبهم ما يؤلمهم أو يحزنهم.

    فاللهم اجعلنا منهم ووفقنا لطاعتك.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة