الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

الوسطية والمنافقون  
سورة البقرة   الآيات 8 - 20


قسَّم المجتمع إلى ثلاث فرق وبيَّن أهم ما تتصف به الفرقتان المتناقضتان: المؤمنون المتقون، والكافرون الذين أصموا آذانهم عن سماع الحق، وجعلوا على أبصارهم غشاوة فلم يروا ما ينفعهم مما يضرهم، فلم تصل إلى القلب المعلومات الضرورية، كأن القلب مختوم عليه فلا يدخله ولا يخرج منه شيء، إشارة إلى موانع تمنع الإنسان الإيمان والطاعة، وإضافة الختم على القلوب والسمع إلى الله لأنه الخالق، فالإضافة إلى الله، إضافة خلق وتقدير، اختارها الفاعل دونما تسلط أو إكراه. وطائفة اختارت الوسطية التي لا تكفي ولا تشفي فكانت مع المؤمنين في الظاهر، وعليهم في الواقع ونفس الأمر أشار إليها بقوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) الإيمان لغة التصديق، وشرعاً تصديق النبي، صلى الله عليه وسلم، في جميع ما أخبر به عن الله، والله هو واجب الوجود لذاته، خالق العالم وما فيه، الإله الواحد المتصف بكل كمال المنـزه عن كل نقص، واليوم الآخر: يوم القيامة وما بعده، وسمي الآخر لأنه يأتي بعد الأول: الدنيا وقولهم  (آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ) يوجب أن يصحب القول اعتقاد القلب المطابق لإقرار اللسان وعمل الجوارح؛ ولما كانت لا تعتقد ما أقرت به نفى عنها الإيمان بجملة اسمية منفية بـ "ما" الحجازية، وأدخل على خبرها النكرة حرف الجر، فجردهم من أي شكل من أشكال الإيمان؛ لأن اعتقادهم مخالف لقولهم، فما الذي حملهم على هذا القول (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) الخداع هو التبييت في خفاء وإظهار خلافه، وإضافة الخداع إلى الله على حذف المضاف أي يخادعون رسول الله بإظهار دخولهم في جماعة المؤمنين لحماية أموالهم وأنفسهم، وإضمار الكفر موالاة منهم للمشركين أو اليهود لحفظ خط الرجعة لو وجدوا إلى ذلك سبيلا، ذلك أن الدين دخل المدينة في وقت كان ينظم فيه الخزرج تاجاً لملك المدينة عبد الله بن أبي بن سلول، وفقده بمجيء النبي، صلى الله عليه وسلم، فأظهر الإيمان حفاظاً منه على مكانته وجماعته ونفسه؛ لأنه جبان وله مصلحة مع المؤمنين، وبما أن الله قد أحاط بكل شيء علماً، واطَّلع على ما في نفس المخادع ولم يعاقبه لحلمه بعد علمه، كان المخادع هو المخدوع؛ لأنه ظنَّ أنه يمكن أن يخدع الله ولو للحظة، والذي حمل المنافق على فعل ما فعل المرض النفسي: يشك في الحق، ويخاف الجماعة (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً)  تركهم لأنفسهم فازدادوا اضطراباً وقلقاً وبُعداً عن الهدى، هذا في الدنيا (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ)  الكذب: مخالفة ظاهر الكلام لعقيدة المتكلم به، أو هو عدم تطابق نسبتي الكلام الذهنية والخارجية، وهذا يؤدي إلى عدم الثقة بالمتكلم؛ لأن من يكتشف كذبُه يتوقف الناس عن سماع خبره، فتختل عنده الموازين فيرى الخير شراً، والباطل حقاً، والإفساد إصلاحاً (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ)  بنى الفعل للمفعول اهتماماً بالقول دون نظر إلى القائل؛ وذلك بنشر الأخبار الكاذبة، واستعداء الناس على بعض، وشغل الناس بالأمور التي لا فائدة منها ولا ثمرة لها، (قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) حصروا الصلاح بفعلهم وكأنهم المتفردون بالإصلاح دون الناس، اغتراراً منهم بحلم الله فناسب أن يرد عليهم رداً مسكتاً مؤكداً بـ "إن" وضمير الفصل مصدراً الجملة بالاستفهام والنفي الذي يدل على التحقق: (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ)  رد لكلامهم بأسلوب منطقي ملزم، وهو مع وضوحه خفي عليهم لعدم إحساسهم (وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ)  لانشغالهم بأنفسهم واهتمامهم بها. وإذا دعوا إلى قبول الحق والإقبال عليه (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ)  أي صدَّقوا محمداً وبما جاء به كما صدَّقه أصحابه (قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ)  السفهاء جمع سفيه وأصله يدل على الضعف في النفس فيستهويها ما ترى، وفي العقل لصغر فلم يكتمل بعد أو لكبر بأن أصابته آفة، نسبوا المؤمنين العاملين إلى السفه؛ لأنهم قبلوا الحق عن دليل، وأقبلوا عليه بكليتهم. فمن هو السفيه؟ آلذي قبل عن دليل؟ أم المكابر الذي تمسك بالباطل وحكَّم الهوى؟ (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ)  لضعف عقولهم وتحكم الهوى في تصرفاتهم، همهم البحث في الدنيا والسعي إليها فلا يثبتون على رأي ولا يلتزمون بمنهج، (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ) من اليهود والمشركين (قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ) تأمرون فنطيع وإذا لامهم شياطينهم على إظهار الإيمان للمؤمنين قالوا: (إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ)  أصل الاستهزاء قصد الهزء وهو نوع من المزح في خفية، وعادة ما يكون الاستهزاء فيه بُعد عن الأدب مستتر بالمزح، وفيه احتيال في الألفاظ، ولما كان المستهزيء مغتراً بحلم الله بعد علمه ناسب أن يرد الله عليهم (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)  على طريق المشاكلة إذ أن حقيقة الاستهزاء محال على الله؛ لأنه من صفات المخلوقين، لكن لما لم يعاجلهم بالعقوبة صح أن يطلق لفظاً على شكل لفظهم وبيَّن أنه يفعل ذلك استدراجاً لهم ليعرِّيهم في عيون أصدقائهم، والعَمَهُ: تردد في اضطراب؛ لأنهم آثروا الفاني على الباقي، باعوا الآخرة بالدنيا، والهدى بالضلال، فأخذوا الدنيا وتركوا الآخرة (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ ) لأنهم باعوا الغالي بثمن بخس فكانت خسارتهم محققة (وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) إلى ما فيه صلاح دينهم ودنياهم.

    ولما كان حال المنافقين بحاجة إلى مزيد إيضاح بصرب المثل ينقل المعقول إلى محسوس (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ)  قصة هؤلاء تشبه قصة رجل أوقد ناراً، فلما أضاءت المكان المحيط به، أصابتها مصيبة فانطفأت، ومن يتحول حاله من نور إلى ظلام يبقى فترة عاجزاً عن الإبصار فاستعار ذلك إلى حالهم مع نور الوحي الإلهي وصوت المبلّغ عنه، والنور الذي جاء به، (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ)  فانظر أيها القاريء كيف انتقل القرآن من الصورة الحسية إلى الهدف الذي ساق المثل لتحقيقه فمن يكون في ظلام بعد نور عظيم، يعجز عن الحركة فترة، أما المنافقون فهذه سيرتهم مع النبي، صلى الله عليه وسلم، يعيشون في نور الشرع فإذا ما فارقوه فقدوا الإبصار فتحيروا واضطربوا: حياتهم قلق وشك؛ لأنهم لم يستخدموا ما خولهم الله من قدرات فيما ينفعهم من نظر في الأدلة وتدبر للقرآن، ثم ضرب لهم مثلاً آخر أعجب من الأول، وأوضح من الأول، فيه بيان لاستغلال الدين لتحصيل المنافع العاجلة (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ)  مسافرون في جنح الليل، في ليلة ماطرة اشتد فيها الظلام: ظلام الليل، وظلام الغيم، وظلام المطر والرعد والبرق، جو عاصف مخيف، يحاول المنافقون وضع أصابعهم في آذانهم خوفاً من الموت، صورة المنافق في ظلمات الجهل والكفر والضلال، وآيات القرآن تنـزل مليئة بالأوامر والزواجر: تكشف المنافقين وتبين مساويء أخلاقهم، قوم انتهازيون يبحثون عن الفائدة من كل ما حولهم (يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا) يستغلون أنوار البرق في تحركاتهم وسكناتهم، غافلين عن المنعم المتفضل القادر على سلب المنافقين ما وهبهم من سمع وبصر لم يفيدوا منه، واستغلوه فيما فيه مصلحة لهم.

    إن المنافقين توسطوا بين الحق والباطل، يأخذون من هذا ومن هذا ما يناسبهم، ويفيدون منه، هذه وسطية المنافقين. أما وسطية الإسلام فهي بين الإفراط والتفريط، وسطية خيار وعدل تعرف الحق وتعرِّف به: تنشره وتنصره وتتمسك به، تحب المجتمع وتسعى لخيره وصلاحه، وسطية تأخذ بيد الضعيف حتى توصل إليه حقه، وتأخذ على يد القوي حتى تأخذ الحق منه، تنبذ النفاق وتحذر منه، تحضُّ على الصدق وترغب فيه وتدعو إليه.

    فاللهم وفقنا لقول الحق والدعوة إليه.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة