الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

أفي الدين إكراه؟!! 
سورة البقرة   الآيات 252 - 257



    بينت الآيات السابقة أن الجهاد وسيلة إلى إقامة العدل ومنع الظلم، وأن الاختلاف يثري الفكر. إن اختلافاً فكرياً كاختلاف الأشاعرة والمعتـزلة أثمر ثروة علمية توزن بالذهب كان من ثمرته متشابه القرآن ودلائل الإعجاز، والكشاف والبحر المحيط إلى ما نتج عنها من مؤلفات أغنت المكتبة وشفت الصدور وأنارت البصائر، ووضحت ما أشكل من معاني، وإن كان اختلافاً عسكرياً طهر الأرض من الفساد، وكشف ما في الطغيان من شر وفساد، وينبغي أن يكون القتال دواءً لا داءً مبنياً على الأسس التي وضعها القرآن وبيَّنها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأن لا يكون فيه ظلم لأحد ولا تسلط على أحد، ولعل قوله: (تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ)، يؤكد على هذه الحقيقة، فالإشارة في (تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) إشارة إلى ما تقدم من أول السورة إلى هنا، وربما يفهم منها جميع ما نزل إلى هذه الآية، وبالحق لبيان أن القرآن جاء بالحق، وأنزل ونزل بالحق، وفيه دليل أن القرآن حق، وختم الآية بجملة خبرية مؤكدة بثلاث مؤكدات: الجملة الإسمية، إن واللام المزحلقة، يثبت فيها ما قد يكون في بعض النفوس من تردد واضطراب على مر الليالي وتوالي الأيام، والرسالة اصطفاء لا تدرك بالجهد مهما كان تقياً خيراً، فالله يصطفي من الناس رسلاً على علم وبصيرة، يخصهم بما يشاء، فضل بعضهم على بعض منهم من أقدره على سماع الكلام النفسي كموسى، ورفع بعضهم درجات كمحمد الذي أعطاه الله الشفاعة العظمى في الفصل بين الخلق، وأعطاه في الدنيا أن أرسله إلى الناس كافة وختم به الرسالات والنبوات وجعل له ولأمته الأرض مسجداً وطهوراً وأحل له ولأمته الغنائم إلى ما فضله به.

    وأيد الله عيسى بن مريم بالمعجزات الدالة على أنه رسول الله لا إلهاً ولا ابن إلاه جعله وأمه دليلاً على قدرة الله، وأيده بجبريل ينصره ويحرسه ويرد عنه كيد اليهود، ولو أراد الله أن لا يقتتل الناس بعد عيسى ما اقتتلوا من بعد ما جاءتهم الأدلة المقنعة والبراهين القاطعة ولكن انقسام الناس إلى طائفتين أو فرقتين حتَّم الاقتتال؛ لأن كل طائفة تمسكت برأيها لا تحيد عنه، فوجب ردع الظلمة فكان القتال حتماً لازماً، وإذا كانت قدرة الله نافذة كان قادراً على منع الاقتتال بين أهل الحق وأهل الباطل، ولكن حكمة الله اقتضت أن يأذن بهذا الصراع أن يظهر فضل الصالحين وزيف المخادعين، فيمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ويطهر الأرض من شرهم، فأفعال الله لا تخلو عن حكمة عقلها من عقلها وجهلها من جهلها.

    ولما كانت الدولة بحاجة إلى المال تؤمن به الحاجات المختلفة ناسب أن يأمرهم بالإنفاق من رزق الله ما داموا في هذه الحياة قبل أن تقوم الساعة، ففي ذلك اليوم لا بيع فتحصلوا على المال تفدون به أنفسكم من المسئولية الجزائية، ولا صداقة تجعل الصديق يدافع عن صديقه أو يدفع عنه (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) ولا شفاعة فيه يشفع مطيع لعاصٍ ففي ذلك لا يجرؤ أحد أن يشفع لأن الظالمين في ذلك اليوم هم الكافرون جحدوا نعم الله عليهم ووضعوا الأمور في غير مواضعها فكان اليوم الآخر: يثيب الله فيه العاملين؛ لأنه لم يخلق عبثاً، فلا من يستحق العبادة إلا هو؛ لأنه الحي لذاته حياةً لم تسبق بعدم ولا تؤول إلى فناء؛ ولأنه غني وكل ما سواه مفتقر إليه حياتهم مخلوقة موهوبة مسبوقة بالعدم آيلة إلى الفناء، وهو قيوم لا يحتاج إلى مخصص، لا في الزمان ولا في المكان ولا في الصفة، وغير محتاج إلى ذلك كله، ومن تمام قيوميته أنه لا تأخذه سنة ولا نوم، فالسنة هي الفتور والتغير الذي يسبق النوم، والنوم معروف، والإله الحق غني عنه، لكمال قيوميته، فما في السموات وما في الأرض، والأرض والسماوات ملك له وحده، لا يجرؤ أحد أن يشفع في أحد إلا بإذنه للشافع أن يشفع، وبرضاه عن المشفوع فيه، فالله وحده يعلم حاضر وماضي ومستقبل جميع خلقه، وخلقه لا يحيطون بشيء مهما كان قليلاً إلا ما يخصهم به، فالغيب كله لله لا يظهر على شيء إلا من شاء: معجزة لنبي يقيم بها الحجة على قومه، أو كرامة لولي يثبته بها ويقوي إيمانه ويقينه، ويبتلي صدقه، أو استدراجاً لغبي ظالم حتى إذا أخذه لم يفلت، ومن عظمة واجب الوجود لذاته أن السماوات والأرض لو جمعتا ووضعتا على الكرسي لكانتا كحلقة في صحراء، والكرسي لو وضع على العرش لكان كخاتم في فلاه، والله أكبر لا يثقله ولا يعجزه حفظ السموات والأرض ومن فيهما، وهو العلي عن أن يكون له ضد أو ند أو شريك، علي عن ظلم عباده، علو قدر وعلو قهر، يعجز العقل عن إدراك ما يتصف به جل جلاله من صفات وعظمة فيكتفي بما جاء في الكتاب العزيز فيؤمن به إيماناً بلا تشبه وينـزهه عن ما لا يليق به، فلا يعرف حقيقة الله إلا الله، فالتسليم لله أسلم.

    جاء القرآن واضح العبارة بين المعنى قوي الحجة فالحق ثابت بيِّن لا يحتاج إلى الإكراه عليه والإلزام؛ لذلك أعطى الله الناس الحرية بعيداً عن المؤثرات الخارجية التي تؤثر على اختياره: من تسلط أو قهر أو شهوة أو هوى أو غير ذلك، فالرشد والغي نقيضان، والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، والرشد تعرفه النفوس الصافية الطيبة وتنفر عن نقيضه، لكن قد تلوث الفطرة نتيجة التأثر بما تلاقيه من المرئي والمسموع والمقروء من تزيين للغي يجعله رشداً في نفوس الغافلين يجعلهم ينفرون عن الرشد ويقبلون على الغي، فعلى العقلاء أن يقبلوا على القرآن يتدبرونه ويعملون بما يأمر به ويمتنعون عن ما نهى عنه، فشتان بين الحق والباطل والرشد والغي (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) قضية شرطية، والطاغوت صيغة مبالغة من الطغيان، فالتحرر من تسلط الطغاة يحرر الفطرة ويجعلها تقبل الحق وتقبل عليه، فمن يكفر بالطاغوت ويتحرر من قهر طغيانه، ويؤمن بالله إيماناً حقيقياً بأنه القوي الغني المعطي المانع، طالباً الالتجاء إلى الله مقبلاً بكليته فقد طلب التمسك بالحق الثابت الذي لا يعجزه شيء، فلا خوف عليه؛ لأنه مطيع لله يعلم أن الله سميع لأقواله، عليم بأحواله، يراقب الله بعنايته ينير بصيرته ويصوب مسيرته، يخرجه من ظلمات الكفر والجهل والضلال، إلى نور الإيمان والعلم والهدى، أما من أظلم قلبه بحب المادة وإتباع الهوى فيخرجون من نور الحق إلى ظلمة الباطل إلى أن ينتهي به حال إلى استحقاق عذاب النار وغضب الجبار.

    فاللهم وفقنا لقول الحق والعمل به.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة