الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

لم الجهاد 
سورة البقرة   الآيات 243 - 251



    (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ).

    الهمزة للاستفهام والرؤية هنا قلبية بمعنى ألم تعلم. وإنما اختار ترى على تعلم؛ لأنه أراد علماً مستنداً إلى الحس كأنه يقرر علم النبي، صلى الله عليه وسلم، بهذه القصة الغريبة العجيبة وما في طياتها من عبرة، قوم اتفقوا على الهرب من الموت، ترى لماذا هربوا؟ ما قصتهم، هل يستطيع مخلوق أن يترك بيته لينجوا من الموت، لم يصرح القرآن بشيء من خبرهم، سوى أنهم خرجوا من بيوتهم جماعات متآلفة فارين من الموت لا يدركهم، أتراهم هربوا من الطاعون لا يصيبهم أم هربوا من مجاهدة أعداء الله وأعدائهم؛ لأن الجهاد مظنة الموت، فيه تعريض النفس للهلاك باقتحام العدو ومحاولة التغلب عليه، فقد يدركه الموت نتيجة.

    إن سهم الموت ينطلق من اللحظة الأولى لمولد المرء وعمره هو المدة التي يستغرقها السهم ليصل إلى صاحبه، وهي مدة يعلمها الله ويجهلها الإنسان فيخيل إليه أنه باق في هذه الدنيا لا يفارقها، فيعمل ويبني ويجمع الأموال، ويجهد في طلب الدنيا والإقبال عليها والتمتع بملذاتها، معرضاً عن منهج الله الذي وضعه للناس، لتستقيم حياتهم في الدنيا والآخرة. وفجأة يصل السهم إلى الهدف وينتهي كل شيء، مسكين من يتوهم أنه يستطيع أن ينجو من قدر الله، مسكين من يغفل عن الله طرفة عين، وبعد أن صار القوم في مكان يظنون فيه أنهم آمنون من الموت، قال لهم الله موتوا ثم أحياهم، يتقلب أحدنا في نعم الله غافلاً عنها، لا يذكرها إلا إذا فقدها فتراه يتمنى عودتها إليه أو عودته إليها، فنعمة الصحة لا يعرف قيمتها إلا المريض، ونعمة البصر لا يدركها إلا من فقده أو بعضه (إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ) تفضل الله على الإنسان فأوجده من العدم ورباه بالنعم، وتأمل معنى مقدار ما خص الله به الإنسان من نعم من لدن أن كان نطفة إلى أن صار رجلاً يملأ المكان ويقوم الحياة ويقيمها؛ ترى ظلمك نفسك وتقصيرك في شكر الله المنعم المتفضل.

    إن أحدنا لو بذل نفسه في سبيل الله لربما أدى بعض ما يجب عليه لله، من هنا جاء قوله (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)  يحض الناس على شكر المنعم، أمر المؤمنين بالثبات في مصارعة الباطل ومقارعة الحجة بالحجة والسلاح بالسلاح، ما دام الباطل يواجه الحق ويسعى في القضاء عليه، فالمفاعلة على بابها؛ لأن الإسلام ينهى عن إيقاظ الفتنة، فالجهاد شرع لنصرة الحق وإقامة العدل ورفع الظلم عن خلق الله، وردع الظلمة والأخذ على أيديهم. فالمجاهد يقاتل من يقاتله ولا يبدأ القتال ما دام الطرف الآخر يسمح له بنقل أفكاره بحرية، وإذا قاتل لا يقتل طفلا ولا امرأة ولا شيخاً كبيراً، ولا يقاتل إلا بعد الدعوة إلى الله وانظار المدعوين مدة كافية للنظر والتفكر والاختيار على أساس ثابت يملء حريته، وتأمل قوله (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)  يجعل الجهاد علاجاً لأمراض المجتمع، وتأمين الحاجات بحاجة إلى المال، لبناء المدارس وإصلاح الطرقات وتأمين الضرورات وحراسة الثغور. من هنا جاءت الدعوة إلى البذل والإعطاء لله قرضاً يقدمه الإنسان راجياً قبوله من الله (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) هذا القرض يجب أن يكون من مال المقرض الحلال الطيب، لا يتبعه مناً أو أذى، يدفعه إلى البذل الإيمان والرغبة فيما عند الله، المال ماله، والخلق خلقه، والله هو المعطي المانع، الرزاق، يعطي خلقه ما هم بحاجة إليه.

    ووعده بالمضاعفة بالفعل المضارع المسبوق بفاء السببية لمزيد الترغيب في الإنفاق لسد حاجات المجتمع المتجددة، وما دام مبدأ التفضل من الله والعودة إليه وحده هو الغني وما عداه مفتقر إليه، فعلام البخل ووعد الكريم لا يخلف إن الله لا يخلف الميعاد. ففي الآية دعوة إلى الوفاء في وقت اشتدت الحاجة فيه إليه، يضبط السلوك ويعيد إلى الأنفس الأمل.

    عدا الأعداء على اليهود فأخرجوهم من ديارهم وأموالهم فطلبوا من نبي لهم – من بعد موسى – أن يبعث لهم ملكاً يوحد صفوفهم ويجمع كلمتهم. يقاتلوا في سبيل الله لدفع الظلم عن خلق الله؛ كأنهم قالوا إن يكن لنا رأس نقاتل في سبيل الله. قال النبي، صلى الله عليه وسلم: أخشى إن فرض عليكم القتال أن تجبنوا فلا تقاتلون، قال قوم النبي، صلى الله عليه وسلم: ليس ثمة شيء يمنعنا من القتال في سبيل الله ولكن ثمة ما يدعونا إلى القتال، فنحن مشردون مهجرون قد فرق الأعداء بيننا وبين أموالنا وأولادنا فهذا يدعونا إلى الجهاد ويرغبنا فيه ويحضنا عليه، وقد صدَّق اللهُ ظن النبي بهم لما يعلمه من خلال تعامله معهم، وهو يقوم ما اعوج من أخلاقهم، ويصوب ما انحرف من سلوكهم (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) الظالمون هم الذين وضعوا الأمور في غير موضعها، وهؤلاء كانوا يطلبون الملك ليجاهدوا فلما فرض عليهم القتال لم يسارعوا إلى الطاعة، ولكن تخاذلوا وبحثوا عن الأعذار التي تبيح لهم مخالفة الأمر ومعصية النبي، صلى الله عليه وسلم ، وجاء هذا مجملاً ليبينه فيما يأتي: قال النبي، صلى الله عليه وسلم،  طلبتم الملك فـ (إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً)  كان طلبهم ملكاً أي ملك ، فلما ملَّك عليهم طالوت (قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ) ذكروا في الملك المختار ما يكون سبباً لمخالفته ووسيلة للهروب من طاعته، الأول: لماذا طالوت لا غيره وفي القوم من هو أولى بالملك منه، وهذا القول ناتج من تحكم الأنانية وحب الذات في النفوس تريد كل الخير، وتريد لغيرها كل الشر، ففي الخير لماذا هو لا أنا، وفي الشر لماذا أنا لا هو، (قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ) لماذا طالوت؟ لأن الله اصطفاه عليكم (وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ)  أما قولكم (وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ) إن الملك يأتي بالمال، فليس من الضروري أن يكون الملك غنياً بل الملك يحتاج إلى العلم والقوة، فالعلم خير من المال؛ لأن المال تحرسه والعلم يحرسك، والمال ينقص بالإنفاق والعلم يزيد. فطالوت آتاه الله ما يحتاج إليه ليقود الناس في رد الأعداء: العلم والقوة، ومهما يكن فالله يؤتي ملكه من يشاء يعلم من يصلح لذلك، وهنا نشأ سؤال ما علامة اختيار الله طالوت ملكاً؟ (إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ) تابوت العهد الذي كان بنو إسرائيل تأتم به في الحرب فحملته هم المقدمون، وكان فيه بقية الألواح التي أنزلها الله على موسى وبعض آثار موسى وهارون تحمله الملائكة إلى بيت طالوت علامة على أن الله قد اختار طالوت ملكاً على بني إسرائيل (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) وحذف الجواب لدلالة ما قبله عليه أي إن كنتم مؤمنين فيكفيكم، فسكن القوم واطمأنوا وبدأوا البحث عن عذر يعتذرون به لترك الجهاد، فوجدوا في قول طالوت طلبتهم (فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ) مضى طالوت بالجنود وفي طريقه أراد أن يختبر معنويات جنوده، فأخبرهم أنهم يمرون في طريقهم إلى عدوهم بنهر، منعهم أن يشربوا منه إلا على طريقة معينة فيها حفظ لأنفسهم من شرب كمية كبيرة من الماء تَثْقُل معها حركتهم فيعجزون عن القتال، فمن شرب على خلاف المطلوب خرج من معسكر المجاهدين، ومن أخذ الماء غرفاً بيده قليلاً بقي في جيش طالوت، فامتثل القليل من جنده لأمره؛ لأنهم كانوا صادقين واثقين بالله عالي الهمة، وعصى أكثرهم؛ لأنهم جبناء فلما تجاوز الجند النهر ووجدوا أنفسهم قليل في جانب عدوهم فقال قائلهم لا طاقة لنا اليوم على مجالدة العدو فنحن قليل؛ وهنا تجلت قوة الإيمان والثقة بالله والاعتماد عليه، (قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) قال العقلاء المؤمنون بالله الواثقون بوعده ولقائه، كثير من المعارك انتصر فيها القليلون على عدوهم، المهم الثبات على الحق والصبر في تنفيذه، فالصبر يؤدي إلى النصر بتوفيق الله وتيسيره.

    ولما واجهوا عدوهم صدقوا في الالتجاء إلى الله والاعتماد عليه، والثقة به، وطلبوا منه أن يؤيدهم بصبر عظيم ويثبت أقدامهم في معركة غير متكافئة في الظاهر، وطلبوا منه النصر، فأجاب الله دعاءهم، فهزم القلة المؤمنة عدوهم، وقتل داوود: الفتى جالوت، وآتى الله داوود الملك بعد طالوت وآتاه النبوة والحكمة، فكان مثلاً للفتى الذي تحسُنُ تربيته وتأديبه، فيصبح قائداً يعرف كيف يسوس الناس وينشر الحق بينهم ويعمل بيده ليؤمن المال ينفق منه على نفسه وأهل بيته، مرهوب الجانب يقيم العدل ويمنع الظلم، تلك هي الحكمة من فرض الجهاد، يدفع الله به الظلم ويقيم به العدل.

    فاللهم وفقنا لنصرة الحق وإقامة العدل.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة