الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

ولا تنسوا الفضل بينكم!!! 
سورة البقرة   الآيات 234 - 242



   لما قال: (وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ)  لفت نظر الوالدين المتخاصمين إلى أن الحياة الدنيا ليست بدار قرار بل هي ممر لدار ثانية هي خير وأبقى، ويدعو من خلال الزوجين كل قاريء لكتاب الله أن ينعم النظر فيما يرى ويسمع، والتخطيط والسهر على تنفيذ المخطط، ونشأ عن هذا سؤال ما الذي يجب أن تعمله من مات زوجها؟.

    (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً)  هذه الآية متأخرة في النـزول على الآية 240، فقد نزلت قبل التي نحن بصدد البحث في معناها ذلك أن الآية الثانية (240) لتعدل ما كان يفعل من مات عنها زوجها، كانت الزوجة تدخل بيتاً صغيراً تحت البيت فتمكث فيه سنة كاملة، لا تغتسل ولا تمتشط سنة كاملة، ثم تخرج فتعطى دابة تتمسح بها وغالباً ما تموت الدابة من رائحة كريهة، ثم تعطى بعره أو ما في معناها مما لا قيمة له، فتأخذها وتلقي بها بعيداً لسان حالها: لبثي بعدك سنة على هذه الحال أهون عندي من هذه البعرة، وإلى ذلك أشار النبي، صلى الله عليه وسلم: كانت إحداكن ترمي بالبعرة على رأس الحول، جاء الإسلام فأزال ما أُلحق بالمرأة، فأذن لها أن تبقى في بيت زوجها سنة كاملة، تأكل وتشرب وتغتسل وتتطيب مرة في كل شهر إذا اغتسلت، وألزمها أن تلبس ثياباً تُشعر أنها حادّة وتبقى في بيت الزوجية سنة كاملة على سبيل الاستحباب، أما الوجوب فقرره في الآية 234، أربعة أشهر وعشراً. أولاً تمنع من الزواج هذه المدة إظهاراً للحزن على الزوج ولتبقى الرابطة العائلية بين الزوجة وأهل زوجها: أمه وإخوته وأولاده وأقربائه وإنما أضاف عشر ليالٍ إلى أربعة أشهر؛ لأن خلق الطفل يتكامل فيها، والشهر إما ثلاثون أو تسع وعشرون فأضاف إليه عشر ليالي يتحرك فيها الطفل فتتيقن حياته وتمتد عدتها إلى وضع الحمل، فإن عدة الحامل وضع الحمل، فإذا وضعت قبل الأشهر فرأى بعض الفقهاء مدَّ عدتها إلى أربعة أشهر وعشرا مراعاة للخلاف؛ القاعدة الفقهية (إذا اجتمع الحظر والإباحة غُلِّب جانب الحظر)؛ لأن الأصل في الأبضاع التحريم فلا تحل المرأة إلا بيقين متفق عليه، فإذا قضت المتوفى عنها زوجها أبيح لها أن تزوج أو أن تختار السكن في غير سكن زوجها، ما دام عملها موافقاً للشريعة في ظل مراقبة الله لها وتحت سمع وبصر المجتمع. فالله عالم ببواطن الأمور وخفاياها وربما كان في الزوجات شابات جميلات يرغب في نكاحهن بعض الأحياء فسمحت الشريعة بخطبة متوفى عنها زوجها، مواساة لها لكن تعريضاً لا تصريحاً؛ لأن المعتدة تحرم خطبتها ما دامت في العدة، ويلحق بالخطبة مقدماتها كالمواعدة، (وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ)  أي تنتهي العدة بيقين بانقضاء أبعد الأجلين: وضع الحمل أو أربعة أشهر وعشراً أيها أكثر للتأكد من براءة الرحم حتى لا تتداخل الأنساب، واعتمد في هذا مراقبة الله الذاتية بناءً على (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ)  أي أن تشتمل أنفسكم على ما لا يرضى عنه من الأعمال والأقوال، لكن باب التوبة والإنابة مفتوح، والله يقبل التوبة عن عباده ويحلم عليهم فلا يعاجلهم بالعقوبة ليعلمهم الصبر والصفح والحلم والأناة، ولما أباح التعريض بالخطبة، أباح طلاق من لم يدخل بها فقال: (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً)  أباح ذلك بأحد أمرين أن تكون المرأة غير ملاقية زوجها في خلوة كاملة يكون فيها ما يجعلها زوجة فعلية فتستحق المهر كاملاً أي المفروض؛ فإن طلقها قبل المسيس فإما أن يكون قد سمى لها مهراً مستحلاً في العقد فتستحق نصفه جبراً لكسر قلبها بفراق زوج كانت تأمل أن تبني معه خلية اجتماعية على الحب والتعاون، طار الزوج فيعوض عليها بنصف المهر المكتوب؛ فإن لم يكن قد سمى لها مقداراً معيناً فرض لها القاضي المتعة بحسب حالها وحال من عقد عليها غنىً أو فقراً، بما تعارف عليه الناس فيه حفظاً للمشاعر وإعماراً للقلوب وإشاعة للالفة والمحبة بين جميع أفراد الأسرتين: أسرة الزوجة المطلقة وأسرة المطلق وفي قوله (مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ)  دعوة إلى إحسان القول والفعل، فيه مراقبة لله في جميع الأحوال، فالإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، عندها لا تحقد ولا تخدع ولا تكذب ولا تظلم، ثم قال: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)  فجملة (وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً ) جملة حالية تسلط الضوء على حقيقتين أولاهما أن الطلاق كان قبل اللقاء، والثانية أنه سمي لها صداق في العقد فتستحق نصفه وقوله: (إِلَّا أَنْ يَعْفُون) أي تقول المطلقة: لا أريد شيئاً، عفوت عنك وأسقطت حقي، (أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ)  أي الزوج فيعطيها المسمى كاملاً، تعويضاً لها عن فراق الزوج وما لحقها من ضرر بسببه، ثم أوصى الفريقين بالعفو وحضهما عليه ورغبهما فيه، وبين أن العفو أقرب للتقوى، وأوصى المطلق والمطلقة بالعفو والستر والتسامح فكما دخل بالمعروف يخرج به، فلا تشويه للصورة ولا تجريح متبادل بين اثنين كانا بصدد بناء أسرة فتفرقا، راقب الله في حركاتك وسكناتك فلا يراك حيث نهاك، وفي ختم الآية بجملة مؤكدة بـ إن وخبرها فعل مضارع ليدل على عموم وشمول علمه (إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)  وفي هذا دعوة إلى النظر والاعتبار فيكون على بينة مما حوله، وخير معين على هذا الصلاة إنها صلة العبد بربه تنقل الإيمان من حاشية الشعور إلى مركزه، فتضبط حركاته وسكناته، فلا يعمل ولا يقول إلا ما يرضي الله، فيمتنع عن الفحشاء والمنكر قولاً وفعلاً؛ لذلك أمر الله بحفظها والمحافظة عليها في جميع الأوقات ومختلف الأحوال (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) فالآية فيها الأمر بحفظ الصلاة والمحافظة عليها، من جهتين: المحافظة على الصلوات، والمحافظة على الصلاة الوسطى؛ فإن أي صلاة من الخمسة صلاة وسطى. فإذا بدأنا من المغرب كانت الفجر الوسطى، وإن بدأنا العد من الظهر كانت الوسطى المغرب، وهكذا كل صلاة وسطى، وقوله (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ)  أخلصوا الطاعة لله وأخضعوا في جميع حركاتكم وسكناتكم في ظل الظروف الطبيعية، وهي دعوة إلى لزوم الطاعة والتزامها.

    (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً)  أي إن كانت الظروف غير عادية كأن تكون الحرب بين المؤمنين والكافرين مستعرة تعجزون معها أن تؤدوا الصلاة على النحو الذي أوجب الله أداءها عليه فصلوا رجالاً جمع راجل أي صلوا على حالكم ماشين على أرجلكم أو ركباناً أو راكبين ولم يحدد المركوب ليعم كل مركوب من ناقة أو فرس أو سيارة أو طائرة أو باخرة، المهم أن تحفظوا الصلاة وتحافظوا عليها ولا تضيعوها فتضيعوا، (فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ)  أي إذا زال الخوف فأمنتم فأدوا العبادات كما أمركم الله وبيّن لكم رسوله، صلى الله عليه وسلم،  شكراً لله على ما علم وأنعم.

    وها هي الآيات تعود بنا إلى النهاية. فأول البحث أشار إلى الموت تلميحاً لا تصريحاً بذكر الوارث، الموت نهاية كل حي، والحياة تستمر ولا تتوقف الحياة لموت أحد كائناً من كان، فماذا يجب لمن ترك صاحبة أمضت عمرها إلى جانبه ترعاه يأتي الجواب (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ)  يجازيها على برها له بإبقائها في بيت الزوجية تعويضاً لها عن فقد الزوج تعيش في بيته على ذكره، تتذكر الأيام التي عاشت فيه معه، فتدعو له؛ فإن أرادت ترك بيت الزوجية بعد انقضاء عدتها الشرعية: أربعة أشهر وعشرا أو وضع الحمل – إن كان ثمة حمل – أيهما أبعد ( فَإِنْ خَرَجْنَ ) أي بعد انتهاء العدة (فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ)  أباح لها الخروج وأباح لها أن تتزوج. فالمرأة بعد انقضاء العدة يحل لها أن تتزوج بمن شاءت فهي مسئولة عن فعلها ما دام الله قد أباح لها أن تعيش حياتها، فالحياة تستمر، والموت لا يعطلها؛ فإنه ليس عدماً محضاً بل هو انتقال من دار الفناء إلى دار البقاء، فالله غالب لا يغالب، يضع قوته في موضعها المناسب، ولما ذكر المتوفى عنها زوجها وأوصى بها أهلها وأهل زوجها، ناسب أن يُذكِّر الأزواج المطلقين بمطلقاتهم فأوجب لهن المتعة وجعل ذلك حقاً واجباً على المتقين الذين عرفوا الله وأطاعوه.

    ما أجمل أن يعم العدل والمحبة المجتمع، أن يعرف كل فرد من أفراده واجبه فيؤديه حسبة لله وطلباً لما عنده، إن الله ربى المجتمع تربية عملية عن طريق: وصية الله بامرأة عقد عليها ولم يبن عليها، ولا عاش معها في بيت واحد، فكيف بمن يطلق بعد عمر أليس أولى أن يراعي رجل مطلقته فلا يذكرها إلا بخير، ولا يذكر من حياته معها إلا الخير، خاصة إذا كان بينهما أولاد.

    إن إيذاء الأم أو الأب إيذاء للأولاد، بطريق غير مباشر أو مباشر؛ فالأولاد فرع الأبوين وحاملوا الراية بعدهما يتابعون المسيرة فلا يؤذين ولد بإيذاء أمه أو أبيه، فمن يتق الله لا يؤذ خلقه، خاصة من يؤذى بإيذائه: ولده أو ابنته.

    وسيبقى قوله (وَأَنْ تَعْفُوا) و (وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ)  ميزاناً يضبط حركة الناس ما تعاقب الليل والنهار، فلا ظلم ولا عجب ولا إساءة، بل عفو واعتراف وتناصح وتناصر يتلاقي الناس على الخير والمحبة والتعاون.

    (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) ختم البيان بدعوة الناس كل الناس إلى النظر والتفكر في الآيات المتلوة باحثين عن معانيها والهدف الذي رمت إليه، والأسباب التي دعت إلى التفضيل والبيان الذي لا مثيل له؛ وكأنه بهذا يدعو إلى الفهم والعمل بما فيها، فالعاقل من يعرف الحق ويدعو إليه ويعمل به. فبالعقل ميَّز الله الإنسان عن سائر المخلوقات، وجعله مناط التكليف، ووسيلة تبين الحكم والأحكام، به تصلح الأقوال والأفعال، ويفهم خطاب ذي الجلال.

    فاللهم وفقنا لأحسن الأخلاق، وألهمنا رشدنا، وزكي نفوسنا.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة