الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

الطلاق حل أو مشكلة 
سورة البقرة   الآيات 229 - 237



   شرع الله الزواج ليكوِّن مجتمعاً صغيراً صالحاً عنه ينشأ وإليه يرجع المجتمع، فالتكافؤ بين الزوجين ومعرفة كل واحد منهما ما له وما عليه، وأداؤه إلى صاحبه ما عليه قبل أن يطالبه بما له. ينمي المودة بينهما ويقوي رباط الزوجية ويشد على يده مجيء الأولاد الذين هم الامتداد الطبيعي للزوجية، والثمرة له، والحياة الدنيا حفت بالمكاره، والمنغِّصات كثيرة وقد تدفع إلى الغضب المؤدي إلى التقصير في بعض الواجبات والمبالغة في طلب الحقوق، فينشأ عن ذلك خلاف يقويه ويغذيه ويسهر على إيقاد ناره الأهل؛ أعني أهل الزوجين والجيران وبعض المفسدين. فمن لا يرقب في الناس نصيحة فيعمل على شحن القلوب وعواطف كلاًّ على صاحبه ما يؤدي إلى المضارة، ولما كان الأصل في عصمة النكاح أن تكون بيد الرجل إذ كانت له القوامة، كان له قصب السبق في المضارة، فمرة يحلف لا يعاشرها، ومرة يظلمها دون حلف، ومرة يمسكها كالمعلقة.

    وتفنن العرب قبل الإسلام في مضارة المرأة فطلقها حتى إذا ما قاربت عدتها على الانتهاء ردها إلى عصمة نكاحه، ثم يطلقها، فربما قال قائل لزوجه: والله لا أبقيك ولا أخليك، إذ لم يكن الطلاق محدداً بعدد معين تحرم بعده الزوجة على طليقها، فنـزل القرآن يحدد الطلقات التي يحرم على الزوج إمساك المرأة بعدها في عصمة نكاحه بمرتين؛ فإما أن يمسكها زوجة كريمة لها عليه حقوقها كاملة ما دامت تؤدي واجباتها كاملة، أو يسرحها بإحسان فلا يبخس من حقوقها شيئاً: مهرها المسمى في العقد أو مهر المثل إن لم يكن مهر مسمى، والنفقة عن كامل أيام عدتها، إن كان الطلاق بسبب الزوج؛ فإن طلبت المرأة إنهاء الزواج بكامل إرادتها كان عليها أن ترد إليه بعض المهر الذي دفعه عند العقد، أو إبراؤه من مؤخره ونفقة العدة؛ لأنه لا يجوز أن يجمع على كل من الزوجين بين مصيبتين فقد المال وفقد الشريك؛ فإن أراد الزوج إنهاء النكاح كان عليه أن يؤدي إلى المرأة كامل مالها من حقوق في ذمته، وإن أرادت المرأة إنهاءه كان عليها أن تبريء زوجها من بعض الحقوق، أو ترد إليه المهر؛ لكن لا يطيب له أكل جميع المهر بل بعضه ليكون التسريح بإحسان، فذكرت الآية أولاً أن الطلاق الذي يملكه الرجل على زوجته ثلاث تطليقات تحرم بعدها المرأة على الرجل حتى يتزوجها آخر باختيارهما زواجاً حقيقياً؛ فإن حصل بينها وبين الثاني خلاف فطلقت منه، وتوافقت مع الأول على العودة إلى الأول برضاه ورغبته ورغبتها معتقدَيْن أنهما قادران على إقامة حدود الله بينهما، فيباح لهما أن يتراجعا، فيصلان ما انقطع ويجمعان ما تفرق.

    إن الله حد حدوداً يجب الالتزام بها، ولا تجوز مخالفتها؛ لأن من يتعد حدود الله يعرض نفسه للمساءلة، ويظلمها بتعريضها لعذاب الله الواحد القهار.

    ذكر النص الطلقتين وحرم على الزوج أخذ شيء مما أعطاها من مهر أو هدية أو غير ذلك؛ إلا إن خافت المرأة العجز عن القيام بحق زوجها، فأباح لها أن تفتدي من زوجها ليخلعها من ذمته وعصمة نكاحه، دون أن يذكر مقداره ليترك للزوجين تحديد مقداره. لكن قرر الفقهاء أن أخذ جميع ما أعطاها كاملاً أو فوقه لا يجوز؛ لأنه لا يتفق مع المروءة وليس من مكارم الأخلاق، فالحمد لله على هذا البيان ونسأله أن يوفقنا للعمل بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    ثم بينت الآيات ما يجب على المطلق للسنّة فعله: أن يطلقها واحدة في طهر لم يمسها فيه، ويمسكها في بيتها: فالرجعية من المطلقات زوجة يملك مطلقها السكن معها والسفر بها، وتبقى كذلك حتى إذا قاربت نهاية عدتها فهو مخيَّر بين إمساكها بمعروف عازماً على البقاء معها يعطيها حقوق الزوجة كاملة، أو يسرحها بإحسان وحرم على الزوج أن يلحق بمطلقته الضرر في إمساكها، كما حرم على الزوجين الاستهزاء بالشرع، وبيّن حكم من يستخف بالأحكام التي شرعها لمصلحة العامة: فأنصف المرأة وأعطاها الحقوق التي سلبها منها الجاهليون، فلم يجبرها على الزواج ممن لا تريد ولا البقاء مع من زوجت له، وأعطاها المهر وسمح لها بالتصرف فيه، وها هو يذكرهم في الآية بنعمه عليهم وهي كثيرة، أعظمها إنزال الشرع المتلو وغير المتلو، فيه دعوة إلى إصلاح الناس بتخويفهم عذاب النار، علهم يصلحون ما فسد من أعمالهم وأخلاقهم فيجعلهم يعملون الصالحات لتقيهم عذابه، وتحقق لهم السعادة المطلقة مراقبين الله فيما يأتون ويذرون، فلا يُقدمون على عمل مهما كان إلا بعد معرفة حكم الله فيه، لإدراكهم أن علم الله محيط بهم لا يخفى عليه من حالهم شيء.

    وإذا انتهت العدة وتفرق الزوجان، ثم عنَّ لهما العودة إلى ما كانا عليه، فيصلان ما انقطع من عصمة النكاح، فلا حرج ولا ما يمنع إلا الهوى والحمية، فنهى الأولياء أن يمنعا الزوجان من العودة إلى بعضهما إذا تراضوا بينهم بالمعروف، الذي تعرفه كل نفس وتطمئن إليه، ذلك يخوف الله به، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، ذلكم أزكى لكم وأطهر، لما فيه من إصلاح العلاقة بين زوجين عرفا الخطأ وأعرضا عنه وراجعا الحق وأقبلا عليه.

    إن الله خلق الإنسان من العدم ورباه بالنعم فهو الأعلم بما يصلحه في الحياة الدنيا وفي الآخرة. فأطيعوه؛ لأنه شرع عن علم لا يتخلف علم الله لذاته، غير مسبوق بجهل، وعلمكم مكتسب قاصر قد يتخلف، ثم بيّن أحكاماً لا يمكن الاستغناء عنها تتصل بالرضاعة التي هي حق للطفل على والديه، فأطلق الحكم بآيات خبرية (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) أراد بها الأمر، ولجأ إلى الإخبار؛ لأنه أبلغ وأدعى للتنفيذ فكأن من يخالف هذا الأمر ينسب الكذب إلى خبر الله، وعطف عليه ما يؤكد أنه أراد بالخبر الأمر، فعلى الوالدات أن يرضعن أولادهن أربعاً وعشرين كحد أقصى، وتبين الفقهاء أن اقل الحمل ستة أشهر نظراً منهم إلى الآية هذه والآية التي قال فيها (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً)  وأستطيع أن أقول: إن غالب الرضاع عشرون إلى إحدى وعشرين شهراً، لينشأ سوياً قوياً. فإذا كان الزواج قائماً كان الإرضاع من مقتضيات حسن العشرة، أو من باب (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) وإلا فعلى الأب الإنفاق على المطلقة وولده ما يكفيهما من طعام وكسوة وسكن بحسب حاله وضمن إمكاناته، فالتكليف بحسب الطاقة؛ ولا يصح عقلاً ولا شرعاً أن يتخذ الرضيع سبباً لمضارة الزوج أو الزوجة؛ فإن كان الرضيع يتيماً فعلى وارثه النفقة عليه وعلى أمه؛ لأن القاعدة الفقهية تقول: الغنم بالغرم، وهي أصل في وجوب إنفاق الوارث على من يرثه، فكما أوجبت الشريعة إرثاً أوجبت عليه النفقة.

    فالوالدان يقرران ماذا يصلح الطفل الإرضاع أو عدمه؛ فإن رأيا أن مصلحة الطفل فصله عن أمه، واتفق الزوجان على ذلك فحسن، وإن أراد الأب أن يعطي ابنه إلى مرضعة في البادية فلا بأس شرط أن تلزم بحفظه المرضع وتعيده إلى أهله سالماً معافى في الوقت والمكان المحددين.

    إن الله يغرس في قلوب الأزواج المراقبة لله؛ أولاً: عن طريق التذكير بنعم الله عليهم، وثانياً: إعلامهم أن الله يعلم ما في أنفسهم، وثالثاً: تكرار الأمر بالتقوى، وتذييل (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)  كل ذلك لينشأ الأولاد على المراقبة ويعيشون في ظلها ترعاهم أسرتهم برعاية الله يغمرهم الحب والإيمان، بين أبوين متحابين، فيتربوا على الحب سالمين من العقد عاملين صادقين.

    فاللهم فهمنا وعلمنا ووفقنا للعمل.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة