الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

هلم نتعلم بالقدوة  
سورة البقرة   الآيات 224 - 228



    أمر الله المؤمنين أن يقدموا لأنفسهم ما ينفعها في هذه الحياة بطلب الولد الصالح الذي يحمل اسم أبيه ويتابع مسيرته، ويكون له بعد موته عملاً ينفعه في البرزخ؛ ذلك أن ابن آدم إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث، منها ولد صالح يدعو له، ولا يكون ذلك كذلك إلا إذا رعاه في صغره، ورباه فتىً يافعاً، وآخاه رجلاً قوياً، عرفه بالحق وأمره به، ورغبه فيه، وغرس في قلبه صغيراً حب الخير وأداء الأمانة، والنصح للناس كلهم. ولا يمكنه ذلك إلا إذا أطاع أبوه الله ورسوله، فأتى بما به الله أمر، وامتنع عما عنه نهى وزجر، يعلم علماً راسخاً أن مرده إلى الله الذي أعد لأهل طاعته ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، والكريم إذا وعد أنجز وعده، كيف وقد أمر رسوله أن يبشر المؤمنين، أي يخبرهم خبراً يبلغ أثره بشرتهم ولم يقل بما بشرهم لتذهب في ذلك النفس كل مذهب، فإذا كان مؤمناً كامل الإيمان سوي الشخصية، يعرف ما عليه من واجبات، فيؤديها إلى أهلها طيبة بها نفسه محتسباً يبتغي بذلك وجه الله وشكر نعمه.

    ولما كان في المجتمع من يجعل من اليمين سبباً لعدم النصح لمسلم، أو مساعدة محتاج، نهى القوم عن جعل الحلف بالله مانعاً من فعل الخيرات وأداء الواجبات، فاسم الله يجب أن يكون محترماً فلا يُحلف به إلا عند الضرورة ولا يكون ذلك إلا لأداء حق لا يتأتى الوصول إليه إلا باليمين أو منع ظلم لا يتحقق إلا به، (وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ)  أي كراهة أن تبروا، فيقال لأحدهم: صل أو حج أو ساعد محتاجاً فيقول: "والله لا أفعل"؛ فيجعل اليمين بالله مانعاً له من عمل الصالحات والإصلاح بين متخاصمين أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر، وربما كان حلفه سبق لسان عن غير قصد منه، فيجب على المؤمن أن يراقب الله فيما يقول ويفعل؛ لأن الله سميع لأقواله عليم بأعماله.

    ولما كان بعض المؤمنين يدأب على ذكر الله ويتلذذ بذلك؛ فربما أقدم عن غير قصد على الحلف بالله سبق لسان، جاء رفع المؤاخذة عن اليمين التي تجري على اللسان: كمثل: لا والله وبلى والله، وجعل الله المسئولية والحساب على اليمين المنعقدة: التي يقصد بها الحالف الامتناع عن فعل ما، أو الإقدام على فعل ما، يلزم نفسه بذلك بواسطة يمين يقسمه، فهذه اليمين الصادرة عن عزم وتصميم هي اليمين المنعقدة، والتي يجب البر بها، والمسئولية عنها، فإن حنث بها لزمته العقوبة كفارة لذنب ارتكبه.

    ولما كان في الناس من يدفعه الغضب الشديد أحياناً والحمق والهوى أحياناً إلى تعمد الحلف، فتح الله باب التوبة للمذنبين بذكر اسمين من أسمائه الكريمة غفور حليم، يغرس في قلوب من يربيهم خلقين كريمين يجب أن يتصف بهما المؤمن بطريق القدوة. فإن التربية بالقدوة أنجح، فالله مالك الملك وخالق الخلق، المعطي المانع غفور كثير المغفرة يستر على عباده ما يعملون في الخفاء ويحلم عليهم فلا يعالجهم بالعقوبة، وهو القادر على الانتقام ممن أكل رزقه وسكن أرضه وعصاه مستخدماً نعمه في الإساءة إليه –جل جلاله- ومع ذلك يغفر ويحلم، ألسنا معشر المخلوقين الضعفاء الذين لا نملك لأنفسنا من أمرها شيئاً، ألسنا أولى بالصفح عن بعضنا والتجاوز عن إساءة العاقل والحلم عن سفه الجاهل؟.

    ولما كانت الأسرة هي النواة الأولى للمجتمع منها يتكون وإليها يستند هي الأولى بهذين الوصفين، فالتجاوز وتكاليف الحياة وما يكابده الزوجان من عناء وتحكم الهوى؛ كل ذلك يؤدي إلى ضيق في الخلق ربما أدى بالزوج إلى الحلف على أن لا يقرب زوجه فيضارها ويعصي أمر الله له بمعاشرتها بمعروف، والمعروف كل نفس تعرفه وكل قلب يطمئن إليه؛ ولما كان الزمان كفيلاً بنسيان الأخطاء وإعادة المودة والألفة فقد أمهل الله من حلف لا يعاشر زوجه أربعة أشهر فرصة لمراجعة حساباته، وهي مدة كافية لشفاء الصدور وأزاله ما أدى إلى الحلف، فإما أن يثوب الزوج إلى رشده، فيصل ما اقتطع ويؤدي ما وجب أو يطلق طلقة واحدة رجعية في طهر لم يسمها فيه، ويبقيها في بيتها حتى تشارف نهاية عدتها التي يملك فيها ردها إلى ذمته وعصمة نكاحه (ثَلاثَةَ قُرُوءٍ)  أي ثلاثة أطهار كما يوميء إليه تأنيث العدد فيكون المعدود مذكراً، وفي اختيار القرآن لكلمة قرء مفرد قروء دعوة إلى النظر والاجتهاد؛ فإن الكلمة من الأضداد: استعملها العرب في معنيين متضادين، وفي ذلك دعوة إلى حماية جانب الحياء أن يخدش. ولما كانت العدة فرصة يتيحها الشرع للمتخالفين عسى ولعل أن يجتمع الشمل مرة ثانية وانتهاؤها قد يخفى على المطلق وتختص به المرأة، وكانت معرفة ذلك من الصعوبة فقد أوجب على المرأة الصدق في الإخبار بالحقيقة كاملة كما هي، وحرم عليها كتم ما خلق الله في رحمها من ولد تعود معه الألفة إلى القلوب والصفاء إلى النفوس، أو حيض تنقضي به العدة ويتفرق الزوجان وحتم عليها ذلك بجملة شرطية حذف جوابها لدلالة ما قبله عليه والمعنى إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن، وزوجها المطلق لها أحق بردها في العدة إن توفرت النية الصادقة والعزم المؤكد على الإصلاح بالتنازل عن بعض ماله وإعطاء بعض ما يطالب به، كل واحد من الزوجين، فللزوجة مثل ما للزوج من حقوق، وعليها مثل ما عليه من واجبات، وللرجال على النساء الرعاية والحماية، فالرجال قوامون على النساء، والنساء مطيعات للزوج حافظات لما ائتمنهن الله عليه، حافظات ومستحفظات، وختم الآية برد العجز على الصدر، دعوة إلى الحلم والعفو والتعاون، لتكون الزوجية سكناً ومودة ورحمة. فالله عزيز حكيم غفور حليم فلا مناص عن الاقتداء به.

    فاللهم وفقنا للعمل النافع.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة