الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

أسئلة أربعة تبحث عن جواب 
سورة البقرة   الآيات 219 - 223



    كان العرب قبل الإسلام يبالغون في شرب الخمر، ويصرفون فيه الأموال ويتحرجون من مخالطة الأيتام، ويهجرون الحائض فلا يؤاكلونها، وكانت لهم بعض العادات السيئة التي يجب تنقية المجتمع الجديد منها، ليكون الناس فيه قدوة لمن بعدهم يسيرون على منهجهم، قوم تربو على عين القرآن فكانوا خير أمة أخرجت للناس: مؤمنوها إخوة متحابين. ودفع حرص الصحابة على التعرف إلى أحكام ما يتصل بحياتهم من حلال وحرام، فسألوا النبي، صلى الله عليه وسلم، عن الخمر والميسر فأجابهم: فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما. الخمر أصله شراب من عصير العنب في الغالب يوضع في إناء محكم الإغلاق، ليتخمر فيخامر العقل ويغطيه فيصير صاحبه في غفلة عما يحيط به، فينسى ما يعاني فيتوهم السعادة ويقبل عليه إتباعاً لهواه فيدمن على شربه وينفق في ذلك ماله؛ وربما دفعته الشهوة إلى تحصيل المال من أسهل طريق يتوهمها من القمار وهو ما تسميه العرب الميسر بناءً على هذا الوهم الخادع، من هنا جمع القرآن بينهما، والسكران غافل لا يذكر الله ولا يؤدي ما عليه من واجبات ولا يهتم بمظهره الخارجي فينفر منه الناس. ولاعب القمار منشغل به غافل عن حكمة وقته، يؤخر الصلاة عن وقتها وقد لا يؤديها؛ من هنا كانا سبباً للوقوع في الإثم، ووصفه كبير لما فيه من أثر على العقيدة والعبادة والسلوك؛ وإن فرض فيهما منافع فالإثم أكبر والضرر أشد، والعاقل يجتنب ما يظن ضرره فأحرى أن يجتنب ما ثبت عقلاً وحساً ضرره، وهذه هي المرحلة الثانية التي تدرج القرآن في تحريمه بعد المقارنة بين اللبن الذي يخرجه الله من بين فرث ودم أبيضاً نقياً لم يؤثر فيه لون الدم ولا لون الفرث ورائحته وبين فعل الناس حين يحولون الشراب المغذي المنشط إلى خمر يغطي العقل ويوقع في الإثم؛ وهنا بيّن أن ضرر الخمر والميسر أكبر من نفعه إن سُلم جدلاً أن فيهما نفع.

    أما السؤال الثاني الذي سألوه للمرة الثانية: ماذا ينفقون؟ أرشدهم في المرة الأولى إلى أن الأَوْلى بهم أن يسألوا على من ينفقون، وأجابهم إجابة وافية كافية، وأجابهم هنا، العفو أي السهل المتيسر الزائد عن حاجة الإنسان الضرورية؛ لأن الدولة كانت تعاني من ضائقة أدى إليها ظروف الحرب ووجود المهاجرين الذين تركوا ديارهم وأموالهم في سبيل الله. مثل ذلك البيان الواضح يبين الله لكم الآيات الواضحة الدلالة كي تتدبروها فتفكروا فيها وتَعرَّفوا على خفاياها وخباياها فاجتهدوا في إصلاح دنياكم وأخراكم، فأصلحوا دنياكم لتصلح آخرتكم؛ فإن من لا آخر له لا أول له، ومن لا أول له لا آخر له. فاعملوا في دنياكم ما ينفعكم في آخرتكم، وتفكروا فيما يصلحهما.

    ولما كان المجتمع لا ينهض إلا على الإحسان إلى الصغار؛ وكان من فقد أباه أولى بالرعاية والاهتمام؛ لأن من له أب يتولى أبوه حفظه والدفاع عنه، جاء السؤال الثالث عن اليتامى، (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لاعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).

    أمر بإصلاح حال اليتامى، وأذن بمخالطتهم على سبيل الإصلاح؛ لأن مخالطتهم تشعرهم بالأمن والأمان، وغرس المراقبة في قلوب الناس ليحسنوا إلى اليتيم، فخير البيوت بيت فيه يتيم يحسن إليه، واعلموا أيها الناس أنكم بحاجة إلى الله فأنتم في هذه الحياة بين نعمتي الإيجاد والإمداد، والله قادر على إلحاق المشاقِّ بكم، فهو الغالب الذي لا يغالب، يضع قوته في موضعها المناسب.

    إن العلاقات الزوجية الصالحة عماد بناء المجتمع الفاضل ولا يكون ذلك إلا إذا بنيت على الإيمان. قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: {تنكح المرأة لأربع: لجمالها ولمالها ولحسبها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك} أي إلا تفعل افتقرت فأصاب يديك التراب.

    فالكافرة التي تعبد الأصنام وتترك الواحد الذي قهر خلقه بالمرض والموت لا يُرجى منها بناء أسرة سليمة يعرف كل فرد من أفرادها واجبه فيؤديه إلى مستحقيه قبل أن يطلب ما له من حقوق، فينشأ الأولاد في رعاية أبوين متحابين على الإيمان والحب، بخلاف أسرة نشأت على غير تكافؤ، فالمشركة ليست مكافئة للمؤمن لاختلاف الولاء؛ فالمؤمن يوالي الله ورسوله وجماعة المؤمنين، والمشركة ولاؤها لمعبودها من كان، وخرج من هذا العموم الزواج بالكتابية؛ لأنها وإن كانت مشركة بنص القرآن فإن دينها الذي تزعمه يحترمه زوجها، ويعظم الرسول الذي تزعم أنها تتبعه، فلا تسمع من زوجها إلا خيراً ولا تلقى منه إلا حباً واحتراماً فتبادله بمثل ما بدأها فتستقيم لهما الحياة الزوجية؛ وإن كان الأوْلى بالمؤمن أن لا يتزوج إلا مؤمنة يتربى على يديها أبناء مؤمنون؛ لأن الفتيان ينشئون على ما أعدهم عليه أبويهم، وتأثير الأم في الطفولة المبكرة أبلغ من تأثير الأب؛ لأنها تبقى معهم أكثر الوقت. وكما منع الله المؤمن من الزواج بالمشركة، منع المؤمنة الزواج بالمشرك وبقي عموم النهي فلم يخص؛ لأن الكتابي الذي يؤمن بموسى أو عيسى أو بهما لا يؤمن بمحمد ولا بالقرآن، ولا يعظم دين زوجته، وربما أساء إليها أو منعها القيام بواجباتها الدينية. فالكتابي والمشرك ليس كفؤاً لمن تؤمن بالله ورسله جميعاً لا تفرق بين أحد منهم؛ لأن دينها غير محترم عنده فلا تستقيم الحياة بينهما. من هنا رأينا القرآن يحضُّ على زواج المؤمنة بالمؤمن، والمؤمن بالمؤمنة، لتبدأ الحياة بالإيمان وينشأ الأولاد عليه، فيعيشوا مؤمنين ويموتوا على الإيمان فيستحقوا الجنة والمغفرة. أما إذا خولفت هذه القاعدة ترتب عليها فساد في الدنيا كبير نتيجة الاختلاف الثقافي والديني بين الزوجين، والعاقبة في الآخرة أسوأ.

    ولما ذكر العقد أتبعه بذكر العلاقة؛ فكان السؤال الرابع عن المحيض: اسم مكان في وقت وعلى صفة، قل هو أذى: إن العلاقة بين الزوجين يجب أن تبنى على نظافة حسية؛ لأن الطهور شطر الإيمان، ومعاشرة الزوجة والحالة هذه فيه ضرر على الرجل حسي ومعنوي فأمر بمنع الالتقاء في المحل حتى ينتهي الأذى، وجمع في الآية بين المنطوق والمفهوم والأمر والنهي: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) أي يرتفع الأذى وينقضي، واستخدم يطهرن زائدة في المبنى ليزيد في المعنى، فأفاد وجوب الاغتسال قبل حل المعاشرة، وعبر عن طلب الولد بقوله (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ)، في هذا دعوة إلى التطهر والتطهير. فالإسلام جاء بالنظافة والطهارة في وقت كانت العرب في أمس الحاجة إليها، ووعدهم بالثواب على الطهارة الحسية النظافة، والطهارة المعنوية من الذنوب والآثام بالمسارعة إلى التوبة والإنابة، وختم البيان بنقل الناس من حضيض المادة إلى قمة الإيمان ودائرة المراقبة فيما يأتي المرء ويذر، ودعوة إلى الإيمان الذي به تصلح الأعمال والأقوال والأفعال فتصلح الدنيا والآخرة.

    فاللهم وفقنا لقول الحق والعمل به.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة