الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

متى نفيد من الحج ؟!!  
سورة البقرة   الآيات 208 - 214



     نداء من الله رب العالمين إلى المؤمنين في كل زمان وأين كانوا يلزمهم المسارعة إلى إجابته وامتثال ما يأمر به أو ينهى عنه، فيجب على من يسمع النداء أن يصغي ويعي ما يلقى إليه، والملقى (ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)  أمر بالدخول في الإسلام ظاهراً وباطناً، في السر والعلن، منفردين ومجتمعين، والمطلوب الالتزام بتعاليم وأحكام وتشريعات، وأخذ الإسلام كل الإسلام ما يعجبنا منه وما لا؛ لأن الإسلام يداوي أمراض الفرد والمجتمع النفسية والقلبية والاجتماعية؛ فإنه منـزل من عند الخالق العالم بخفايا وخبايا المخلوقين وما فيه صلاحهم، فدعا إليه ورغَّب فيه وحضَّ عليه، وحذّر مما فيه فساد وشر وضرر عليهم فحذر منه، فشرع الله ما جاء إلا لجلب المصالح ودفع المفاسد، ومتبع شرع الله يعيش في أمن مع الكون إذ كان الكون كله مطيع لله مؤتمر بأمره؛ فإن كان منكم إعراض عن منهج الله، وترك الامتثال، وإقبال على مخالفة أمره ونهيه، فاعلموا علم يقين لا شائبة ولا شك فيه أن الله غالب لا يغالب حكيم يضع القوة في موضعها المناسب، وفي هذا تهديد مبطن. فالغالب الذي يضع قوته حيث يجب قادر على البطش بمن يعصيه، والذي يوضح المراد من (فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)  قوله: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) ينكر تباطؤهم في الإقلاع عن باطلهم والإقبال على الإيمان والطاعة، ماذا ينتظر العصاة حتى يتوبوا أينتظرون أن ينـزل بهم عذاب الله من حيث تُظن الرحمة، كما حل بقوم شعيب الذين جاءهم العذاب من حيث ظنوه عارضاً ممطرهم؛ فكان ريحاً فيها عذاب أليم تدمر كل شيء بإذن ربها فلم تبق لهم إلا مساكن خاوية على عروشها، فهل ينتظر أولئك أن يحل بهم عذاب الله فلا تنفع عند رؤية العذاب ونزوله توبة. لقد انتهى كل شيء وإلى الله عاقبة الأعمال يجزي الخلق بأعمالهم إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.

     
والقرآن يخاطب العقل ويستدل لقضاياه بالتاريخ، فيطلب من نبيه أن يسأل بني إسرائيل عن المعجزات والنعم التي أنعم بها عليهم، أدلة قاطعة وبراهين مقنعة؛ ولكن ما تفعل بمن ضعُفت همته وعميت بصيرته وفسدت سريرته، لقد بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار، والوعيد (فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)  تهديد للمسلمين قبل اليهود، ومعهم إذ أن القرآن كتاب الله الخالد، والمقصود الأول بالخطاب أتباع محمد، وذكر الدليل من الطبيعة والتاريخ إنما هو لإلزام المسلمين بإتباع شرع الله لتستقيم حياتهم وتصفو نفوسهم وتزكو.

     
إن من يكفر بالله تستهويه الدنيا ويركبه الغرور وهذا معنى (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا)؛ فلأنهم ستروا نعمة الله عليهم صارت الدنيا في أعينهم دار مقر، يلهثون وراء متعها الزائلة معرضين عن نعيم لا ينفد وقرة عين لا تنقطع؛ ولأنهم لم يتذوقوا حلاوة الطاعة وأنس المناجاة ولذة القرب من الله يهزؤن من المؤمنين، شأن كل غبي غافل مشتغل بما لا فائدة منه ولا ثمرة له، أما المؤمن فشغلته الطاعة عن اللهو والعبث، فسعى لإصلاح نفسه أولاً وبيته ومجتمعه ودنياه لتصلح آخرته ويفوز برضوان الله والنعيم المقيم في الآخرة، فهل يتفوق عليه أحد. فالله يرزق من يشاء ما يشاء، ويوفق من يخلص إليه الالتجاء، ويُقبل على من أقبل عليه بالدعاء، فيعُمُّه بالخيرات والبركات، فالرزق ما يُنْتَفع به حلالاً كان أو حراماً فيثيب على الانتفاع بالحلال ويبارك فيه، ويعاقب على أكل الحرام وطلبه ويمحق بركته.

    يعتقد المعاصرون من علماء العقائد أن التوحيد طاريء على الناس نتيجة تطور فكري، ويقول علماء العقيدة إن الأمم الماضية كانت على الشرك فجاءت الآية 213 لترد عليهم رداً جميلاً بأسلوب واضح (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً)  على التوحيد يعبدون الله لا يشركون به من لدن آدم أبي البشر إلى ما قبل نوح، حين أقام القوم تماثيل لرجال صالحين يتأسون بهم في عمل الطاعات، ويسيرون سيرهم ومات الذين نصبوا التماثيل ونسي الناس خيرهم، ونشأ الجيل الثاني والثالث لا يعرفون عن التماثيل المنصوبة شيئاً فزين لهم الشيطان والهوى والجهل عبادتها من دون الله، (فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ)  أولهم نوح فإبراهيم فموسى وعيسى يبشرون المطيعين وينذرون العصاة: يخوفونهم عذاب الله، وأنزل مع كل واحد منهم شريعة أوحى بها الله إليه، يحكم بها حركة الحياة في مجتمع كل منهم، فيحكم بينهم بمقتضى هذا الشرع فيما اختلفوا فيه؛ وإنما اختلف في الحق والشرع الذين أوتوه ظلماً منهم لأنفسهم وحسداً لمن ظهر على يده من الرسل، فهدى الله المؤمنين لما اختلف الناس فيه من الحق، فوفقهم لقبوله وأنار بصائرهم لإدراكه وقبل منهم وأثابهم على طلب الحق والسعي إليه وبذل النفس والنفيس في نصرته. ومن يتصدى لذلك يتعرض لصعاب شديدة، فليكن له في الماضين أسوة حسنة: يقتدي بهم ويسير سيرهم، لقد تحمل الأولون في نشر الحق ونصرته ما تعجز عن حمله الجبال، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، واستغاثوا بالله طالبين الفرج من الله. وقد كاد اليأس أن يستولي عليهم، فجاء النصر والفرج.

    واليوم وقد تحلق المسلمون حول البيت العتيق، فهل يفيد المسلمون من هذا المؤتمر العظيم، فيطهروا قلوبهم من النفاق والحقد والحسد وحب الدنيا، ويطهروا مجتمعهم من الطمع والبخل والاختلاف والظلم، فيعودوا من رحلتهم المباركة أمة واحدة تعرف الحق وتنشره وتنصره.

     
فاللهم وفقنا.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة