الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

كيف نبني المجتمع ؟!!  
سورة البقرة   الآيات 197 - 207



   الحج عبادة مجتمعة تهدف إلى بناء المجتمع الفاضل، فبمقدار ما يكون في أدائه من الالتزام تكون الفائدة المتوقعة منه أعظم؛ لذلك رأيناه يأمر بالإحرام له من الميقات المكاني، ليشعر الحاج بأهمية هذه العبادة وأثرها في حياة الأمة، وأمر بتقوى الله وذكر ما يعين عليها: الخوف من عذابه، وفي ضمن ذلك الترغيب بطاعته، عبادة يشعر فيها العابد بقربه من الله وحرصه على رضاه بتخليه عن المظاهر المادية: تجرد عن المخيط من الثياب التي اعتاد الناس أن يتفاخروا بها، امتناع عن الزينة: عن قص الشعر أو الحلق، وعن تقليم الأظفار، وامتناع عن ما فيه ترفه: من أكل المتطيب ومسّ الطيب، واستعمال مرطبات البشرة التي تريح الجلد، وتضفي على الإنسان راحة وطمأنينة؛ أراده أن يترك مألوفه، ويعيش لإنسانيته فرداً عاملاً لمصلحة الجماعة يؤثرها على نفسه في أشهر معلومات جعلها الله وقتاً للإهلال بالحج: هي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة تنتهي بنهاية ليلة عيد النحر، فمن قرر الحج في هذه الأشهر وعزم عليه وشرع الإحرام له حُرم عليه النكاح ودواعيه والعقد على المرأة لنفسه والوكالة عن غيره فيه ولا توليه لنفسه أو لغيره، وأصل الرفث لا يحسن النطق به، وهو هنا كناية عن الزواج ودواعيه وما يتصل به، والفسوق خروج من قيود الشرع وتخل عن الالتزام بحكمه وأحكامه، مشتق من قولهم فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرتها، ونفي الرفث والفسوق نفي وجود جنسه؛ لأن لا نافية للجنس وفي هذا نهي عن تعاطي هذه المحرمات، ولو كان بعضها حلالاً في غير الحج، فالجدال لإحقاق الحق ودمغ الباطل ورد الشبه التي يثيرها المخالف مطلوب لكن لا في الحج، الحج دعوة إلى التحلي بالمكارم والتخلي عن كل ما من شأنه إثارة الخلاف في القضايا الجانبية والترفع عن الدنايا، والارتقاء بالنفس وبالحجاج إلى مصاف من أخلص دينه لله، وتوجه بكليته إليه، من عزف عن الدنيا فاستوى عنده ذهبها وترابها؛ لأنه أيقن أنها بلاغ يستعين بها في سفره، فالدنيا في يده يبذلها بسخاء تقرباً إلى الله، يراقب ربه فيما يأتي ويذر، يبذل الخير لبني جنسه ويكف الشر عنهم، نصب عينيه قوله: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى)  بعد إعلامهم أن ما يفعلونه من خير يعلمه الله، وترك القسيم اعتماداً على فهم القاريء والسامع وأشار إليه ضمناً في الأمر بالتزود، وحذف المعمول ليدل على العموم، وتزودوا بالطعام والشراب وما تحتاجون إليه في سفركم؛ فإن خير ما يعمله الإنسان أن يقي نفسه ذل السؤال، وفي هذا دعوة إلى ترك السؤال، فإن من أدب النبوة أن لا يسأل أحداً شيئاً، وعلى هذا المعنى يمكن أن يحمل ما روي أن الآية نزلت في قوم كانوا يخرجون إلى الحج بلا زاد ولا راحلة، يسألون المساعدة بحجة أنهم يتوكلون على الله، والاستعداد من التوكل، فأمرهم بالتزود، وإذا بنينا الآية على ما قبلها؛ فإذا كان الله عالماً بما يعملون خيراً كان أو غيره فليكثروا من عمل الخير؛ فإن خير ما يعمله الإنسان عملاً صالحاً ينفعه أو ينفع غيره أو يرفع عنه أو عن غيره، فتعليل الأمر بالتزود بالجملة الخبرية فيه حض على العمل النافع الذي يؤمن للحجاج مؤونة نفسه وعياله ولو في أقدس مكان ومع خير عبادة.

    إن العقلاء الكاملين هم الذين يعملون لله ويعملون لتأمين ما يحميهم من الحاجة ويعرضهم إلى ذل السؤال. من هنا سمح لهم أن يعملوا لتحصيل ما يحتاجون إليه من مال ينفقونه على أنفسهم وعلى من تلزمهم النفقة عليه، على أن لا يشغلهم العمل عن القيام بواجبات الحج والإخلاص فيه، مهما يكن من أمر (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ)، إن نفر الحجاج بعد قضاء واجبات الوقوف بعرفة من الظهر من بعد صلاة الظهر والعصر جمعاً وقصراً، والبقاء فيها لذكر الله والتلبية والدعاء إلى أن تغرب الشمس ثم يدفعون إلى المزدلفة كالسيل، ليذكروا الله عند المشعر وهو جبل في المزدلفة يقال له قزح، ومزدلفة كلها موقف، وفي المزدلفة يصلي الحجاج المغرب ثلاث ركعات والعشاء ركعتين، ويبيتون إلى الفجر، فيذكرون الله عند المشعر الحرام حتى يسفر الفجر وقبل أن تشرق الشمس يدفعون إلى منى، يسرعون الخطى في وادي المحسر ذاكرين ما حل بأصحاب الفيل، فإذا وصلوا منى رموا جمرة العقبة بسبع حصيات، كل حصاة كحبة الحمص، يرفع بها يده ويكبر، عبادة لله بأدب جم يكبر عند كل رمية، ويقصد إصابة الشاخص ويُنـزل الحجر في الجرن المحيط بالشاخص طاعة لله ورجماً للشيطان وحزبه، ووقت رمي جمرة العقبة يوم النحر بعد شروق الشمس وارتفاعها قدر رمح أي من بداية وقت صلاة العيد إلى الظهر أو إلى الغروب على خلاف، وبعدها يذبح أو ينحر هديه، ثم يحلق أو يقصر إن كان رجلاً، وإن كان امرأة فتقصر ولا تحلق؛ لأن حلق المرأة رأسها مثلة نهى النبي عنها، ثم يغتسل ويتطيب ويأتي مكة فيطوف للإفاضة: طواف الركن المتمم للحج، ويسعى بين الصفا والمروة سعي الحج إن لم يكن سعى مع طواف القدوم، أو بعد الإحرام يوم التروية؛ فإن من شرط السعي أن يكون بعد طواف، إما طواف القدوم أو طواف نافلة، وبهذا تنتهي دورة الحج الأولى: من مكة إلى منى إلى نمرة فعرفات، ومن عرفات إلى المزدلفة: المشعر الحرام ثم إلى منى ليرمي الجمرة ثم يذبح هديه إن كان جمع بين الحج والعمرة في نية واحدة أو في نسكين لم يفارق مكة بينهما، فتمتع بما يحرم على المحرم بين قضاء عمرته وإحرامه بالحج.

    ويحلق أو يقصر ويذهب إلى مكة كما مرّ فيؤدي طوافه ثم يعود إلى منى لينام بها ليالي أيام التشريق الحادي عشر والثاني عشر إن تعجل والثالث عشر إن تأخر.

    وهكذا لخص القرآن الحديث وبيّن ما في الحج من فوائد دينية واجتماعية، أهمها شكر الله على هذه النعمة التي تعلم الحاج أَنّ الإنسان بما يقدم لغيره من خير، وبما يتقرب به إلى الله من أعمال صالحة: تجلب الخير للعامل ولغيره من بني جنسه أو تدفع الشر عن العامل أو عن غيره، فحين يذكر الحاج الله عند المشعر يدرك فضل الله على الناس بالتوفيق لأداء هذه العبادة التي تجمع الأمة على طريق واحد ومنهج واحد ولباس واحد ودعاء واحد، همهم رضى الله، هذا المنهج الذي غفل العرب قبل الإسلام عنه وأضاعوا طريقه، فناسب أن يحضهم على طلب المغفرة من الله عند المشاعر وأن يخلصوا العمل والدعاء له.

    كان الحجاج قبل الإسلام يجتمعون في منى يفتخرون بآبائهم طلباً للدنيا وسعياً إلى تحصيلها، وبعد الإسلام صار الناس قسمين: منهم من يعمل طلباً للدنيا ورغبة فيها؛ وهذا نال أجره فيها كاملاً وليس له في الآخرة من حظر ونصيب؛ لأنه لم يطلبها ولا رغب فيها، فما له في الآخرة من خلاق.

    وفريق: يطلب الدنيا ليصلح بها الآخرة، ويطلب الآخرة لينجو فيها من عذاب الله، جعلوا من الدنيا ممراً للآخرة وسبباً للفوز والفلاح (أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا)  من حسنات وفاءً بما وعد العاملين بحياة طيبة في الدنيا، وأجر بأحسن ما كانوا يعملون. ثم ذكر العبادة في منى، فأيام من أكل وشرب وذكر لله – عز وجل – فالذكر عند رمي الجمار عبادة غير معقولة المعنى تؤدى إيماناً بالله، والدعاء بعد رمي كلٍّ من الجمرتين الأولى، والثانية على طريق القادم من مسجد الخيف: مسجد إبراهيم ومحمد، والذكر والدعاء في ذلك المسجد (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ)  مدة يسيرة ثلاثة أيام يقضيها الحاج في عزلة عن عالمه ومظاهره التي لا ثمرة لها ولا فائدة منها، أو يومان لمن تعجل، يخرج بعدها الحاج إنساناً جديداً مرهف الحس طاهر النفس تقي القلب، يعرف ما عليه من واجبات فيؤديها بنفس طيبة راضية يصدق فعله قوله، أخلصوا لله، ولما قسّم قاصدي البيت قسّم الناس بعامة إلى من يحسن القول ويسيء العمل، إذا تكلم أحسن، وإذا أدار ظهره إليك أثار الناس عليك: سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والناس، له شخصيتان: شخصية خارج السلطة وثانية في السلطة يتمسكن ليتمكن؛ فإذا تمكن طغى وبغى، (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ)  لا يثيب أهله ولا يبارك في أهله، فظلم الدولة يؤذن بزوالها خاصة إذا أصم الحاكم أذنيه عن سماع داعي الحق، هذا الفريق يحمل بذور هلاكه في نفسه فلا ذكره محمود ولا فعله، تكفيه جهنم جزاءً وفاقاً لما قدمت يده وعلى الطرف المقابل من باع نفسه لله وأخلص له القول والعمل فصلح في نفسه وأصلح مجتمعه، أقام العدل فيه: رعى الضعيف وقاوم الطغيان.

    فاللهم أعننا على الإفادة من الحج في إصلاح ديننا ودنيانا وآخرتنا وأنفسنا وأعمالنا.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة