الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

بين الجهاد والحج ؟!! 
سورة البقرة   الآيات 189 - 196



   عاش العرب في جاهلية جهلاء، لا يتفكرون فيما يرون، همُّ أغلبِهم البحث عن الملذات العاجلة وإتباع ما كان عليه آباؤهم، جاء الإسلام فأزال الغشاوة عن أعينهم، وحرك فيهم الرغبة في النظر والاستدلال، فكثرت التساؤلاتُ في أنفسهم، فوجدوا رسول الله، صلى الله عليه وسلم،  أمامهم فسألوه فتولى الوحي المتلو الرد، تارةً أجابهم عن أسئِلة تمس حاجتهم إلى معرفة الإجابة عنها، وثانية حذّرهم من الأسئِلة التي لا مصلحة في معرفة جوابها، وحين سألوا عن القتال في الشهر الحرام رد عليهم رداً بليغاً: أسكتهم وكشف ما في سؤالهم من تعريض بالمسلمين، إذ وقع من المسلمين خطأ فقاتلوا في آخر جمادى الثانية ظناً منهم أن رجب الحرام لم يبدأ، فقد ارتكبتم قبائح حقيقية كل واحدة منها أكبر من أختها: صد الناس عن الإيمان، والكفر بالله، ومنع عباد الله من زيارة بيت الله، وطرد أهل الحرم منه، وفتنةُ المؤمنين أكبر من قتلهم، تلومون من أخطأ وأنتم خاطئون، ورابعة لم يجب ولكن لفت نظرهم إلى الحكمة من الحدث، فقد قيل: إن بعض الصحابة سألوا ما السبب الذي يجعل القمر يتحول من هلال إلى بدر، ومن بدر إلى أن يختفيَ ليعود هلالاً، فلم يجبهم ونقلهم إلى أمر هم أشد حاجة إلى معرفته، إنّ تغيّر حاله من هلال إلى بدر، وسيلة لتتعرفوا على الأوقات تضبط أعمالكم ومعاملاتكم وبعض عباداتكم كالصوم والحج، ولما ذكر الحجّ ذكر عملاً يعمله بعض الناس يعتقدون أن في ذلك قربة إلى الله، فبين أن البر بر من اتقى، وحذف معمول اتقى ليدل على عموم ما في اتقائه بر: من الشرك والكفر والمعاصي القلبية وغيرها، من اتقى الله في سره والعلن وأدى ما كلفه، وراقبه فيما يأتي ويذر معتقداً أنه إن فعل أفلح فنال ما تمناه في الدنيا والآخرة.

    إن التقرب إلى الله لا يكون إلا بإتباع ما شرَع الله، لا بإتباع الهوى الذي يعمي البصر ويصمي الآذان ويعرض المتبع إلى ما لا تحمد عقباه.

    إن الله فرض إقامة العدل في المجتمع فلا يطغى الظلمة، وحضَّ على نصرة المظلوم ورفع الظلم عنه، ورغّب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكان الحق بحاجة إلى يد قوية رحيمة تحنو على المظلوم وتردع الظالم، تقيم المجتمع المتماسك المتحاب الذي يعرف كل فرد من أفراده ما له وما عليه، يهابه الأعداء، من هنا شرع الله الجهاد لإقامة العدل، وحماية الدين والنفس والعرض والمال، فأذن في قتال من يقاتل لردعه وردّه ونصرة الحق وأولياء الله، ونهى عن الاعتداء على الأبرياء والضعفاء الذي لا يقاتلون، وبيّن أن الله لا يحب المعتدين، والمحبة لها بداية لا تليق بالله ولها ثمرة ونتيجة: الثواب والإحسان إلى المحبوب، وهذه تليق بالله المنعم المتفضل، وفي الجملة الخبرية المؤكدة (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) المعللة للنهي عن الاعتداء، بيان بأوضح عبارة، فالمؤمن يحب ما يحب الله، ويمتنع عن فعل ما لا يحب الله، حتى يكون الله معه ينير بصيرته ويسدد مسيره.

    (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) إذا تربّص الأعداء بنا واضطرونا إلى الخروج من ديارنا وأموالنا، وهموا بالقضاء على المسلمين وجب رد عدوانهم بكل وسيلة، وطردهم من البلاد التي أخرجوكم منها وحذار من فتن الناس، فالفتنة نائمة ملعون من أيقظها؛ لأن ضرر الفتنة أكبر من القتل وأشد على الفرد والمجتمع، ونهاهم عن القتال في البلد الحرام وعند البيت تعظيماً لله ولبيته حتى يقاتلوكم فيه، فيجب عليكم رد العدوان بكل ما لديكم من قوة جزاءاً وفاقاً كذلك يكون جزاء الذين ستروا نعم الله عليهم، وحاولوا حرب أولياء الله في بيته وحرمه، فإن انتهوا عن الكفر أو عن قتال المسلمين، حذف المفعول ليدل على العموم والأقرب انتهوا عن الكفر؛ فإنّ ختم الآية بوصفين غفور: كثير المغفرة فالإسلام يجب ما قبله، ورحيم: فتح باب التوبة ووفّق لطلبها وقبلها من الذين انتهوا عن الكفر الذي كان الدافع لحرب أولياء الله وبين العلة التي لأجلها شرع القتال، إنه حماية المجتمع من الشرك بالله ويكون الدين لله: له الخلق والأمر، فإن انتهوا عن حرب المسلمين، فلا عقوبة إلا على الذين ظلموا فأساؤا الجوار وروّعوا الآمنين، وال في الظالمين اسم موصول صلته اسم الفاعل، والعدوان يراد به العقاب؛ لأنهم ظالمون، فالظلم حرام ومعاقبة الظالم من المسلّمات في أصول الشريعة.

    قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لتأمرنّ بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطراً... الحديث؛ فلأنهم ظالمون يجب ردعهم، (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ) احترام الشهر الحرام يقابلُ معظّمه بالاحترام، والتعرض لحرمة الشهر الحرام بالإساءة توجب معاقبة المعتدي المسيء لردعه حماية للمجتمع من شره، ومعاقبة المعتدي تمنع الاعتداء، وتحمي المجتمع من شر الظلمة، وسمّى العقوبة اعتداءاً؛ لأنهما نشأت عنه وكانت نتيجة له؛ لكن لا بد من تقوى الله في السر والعلن، في الإكرام وفي العقاب، فيعاقب الجاني بقدر جنايته عقاباً فيه رحمة تراعى فيه إنسانية المعاقب فلا يهدر حقه، ولا يساء إلى شخصه، ولا يزاد في عقوبته إلى حد تصير فيه العقوبة ظلماً، فتقوى الله تجعل من العقاب دواءاً يحقق شفاء الظالم من مرضه الذي جعله يسيء إلى المجتمع، واستشعار معية الله تمنع المعاقب من ظلم المعتدي، وتجعل من العقاب وسيلة إصلاح.

    ولما كان المال قوام الحياة به يمكن تأمين الضروريات والحاجيات، وإليه يحتاج المجاهد لشراء آلات الحرب والإنفاق على المجاهدين فقد وجب على المسلمين بذله وعدم البخل به؛ لأن البخل به يؤدي إلى ضعف الدولة فيتسلط الأعداء على البلاد والعباد؛ فكأن البخل بالمال إلقاء الأنفس باليد إلى الهلاك، وأحسنوا القول والفعل فراقبوا الله وأعلموا أنه مراقب لكم مطّلع على أعمالكم يثيبكم عليها تفضلاً.

    ولما كان الحج قرين الجهاد والمؤسس له والمدرسة العملية التي تخرّج مجتمعاً فاضلاً يعرف كل فرد من أفراده واجباته فيؤديها كاملة قبل أن يطلب ما له وربما يؤثر بعضهم غيره على نفسه، ناسب أن يأمر بأداء الحج تاماً كاملاً، على أحسن ما يكون؛ إذ كان الحج عبادة جماعية تبني مجتمعاً سليماً من الأمراض القلبية والنفسية والاجتماعية. من هنا كان لا بد من الإتيان بما كلّف الله، فإن منع العدو الحجاج من أداء التكاليف فيمكن المحرم التحلل من إحرامه، وذبح شاة عن كل إحرام يعجز الشارع به عن إتمامه ترسل إلى الحرم، تُذبح هناك ليحل المحرم فيباح له التمتع بجميع ما يحرم على المحرم.

    ولما حَرُم على المحرم حلق شعره وتقليم أظفاره والتطيب وستر رأسه ووجهه وقدميه، ناسب أن يبين ما يجب على من اضطر إلى فعل ما حَرُم فعله على المحرم فأوجب عليه الفدية أحد ثلاثة: صيام أو صدقة أو نسك: شاة على الأقل، يُدفع إلى فقراء الحرم، وترك إلى السنّة المطهرة بيان مقدار الصيام: ثلاثة أيام وإطعام ستة مساكين في تفاصيل تكفل الفقهاء ببيانها.

    فإذا زال المانع وأمن الحاج على نفسه وماله جاز له أن يجمع بين الحج والعمرة في أشهر الحج والحج من عامه، وعليه ما تيسر من الهدي أقله شاة ولا حد لأكثره، فمن عجز عن الشاة صام ثلاثة أيام في الحج بعد الإحرام به وقبل عرفة، وسبعة أيام إذا رجع إلى أهله في الآفاق، هذه المقدمات أما تفصيل القول في الحج ففي المقال التالي.

    والله المستعان والموفق.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة