الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

ألِخِصال الخير روحٌ ؟!!  
سورة البقرة   الآيات 177 - 188



    لا يكون الإنسان إنساناً إلا إذا اجتمع فيه الروح والجسد، فإذا فقد الجسد الروح صار جثة وفقد كل ما كان يتمتع به من مقومات، فالجثة لا تعمل ولا تملك؛ لذلك رأينا أحب الناس إلى الميت يُسرعون به إلى مقره الأخير؛ لأنه لم يعد له تعلق بهذه الحياة، هكذا الدين له روح ومظهر، فلا قيام له إلا بهما.

    من هنا رأينا القرآن ينفي أن يكون البر أعني جميع خصال الخير هي في تولي الوجوه جهة الشرق أو جهة الغرب فالجهات لا ميزة لها بنفسها، ولكن تكتسب الميزة من الله، والتوجه إليها بأمره، وطلباً لرضاه؛ فما البر والحالة هذه؟.

    يأتي الجواب البر الإيمان: التصديق المخصوص، اعتقاد في القلب إيمان بالله واجب الوجود لذاته، وجوده لا بداية له ولا نهاية، متصف لصفات الجلال والجمال، والإيمان باليوم الآخر: يوم يقوم الناس لرب العالمين؛ فإن من لا آخر له لا أول له، فماله بداية لا بد له من نهاية، ولا تصلح النهاية إلا إذا صلُحت البداية؛ لذلك كان الإيمان باليوم الآخر متمماً للإيمان بالله، فمن ضرورة الإيمان باليوم الآخر الإيمان بالله، فالله هو المبديء المعيد: خلق الكون وما فيه، وكلف الإنسان ليبتليه، فيثيبه أو يعاقبه، الإيمان باليوم الآخر يحضّ الناس على العمل الصالح رغبةً فيما عند الله من نعيم لا ينفد وقرّةُ عين لا تنقطع، وفي الإيمان به راحة للمظلوم: هناك يُقتصُّ له من ظالمه الذي قد يفلت في هذه الحياة.

    ومن لوازم الإيمان باليوم الآخر الإيمان بالملائكة: وهم مخلوقون من نور، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، لا يوصفون بجنس فلا هم ذكور ولا إناث، رؤوسهم أربعة: جبريل وميكال وإسرافيل وملك الموت، ولا يعلم عددهم ولا عملهم إلا الله، يحبون المؤمنين ويدعون لهم بالخير، لما بينهم من رابط: الإيمان بالله ووحدة الولاء والمنهج.

    ومن لوازم الإيمان العمل الدال على الصدق، ولا سبيل إلى معرفة ما يجب فعله وما يجب تركه إلا بإعلام الله؛ فكان إنزال الكتب وإرسال الرسل، فكان الإيمان بأن الله أرسل رسلاً ذكر لنا منهم خمسة وعشرين ,انزل خمسة كتب: صحف إبراهيم، والتوراة على موسى، والزبور على داود، والإنجيل على عيسى، والقرآن على محمد صلوات الله عليهم أجمعين، يجب الإيمان بهذا جملة فيما أجمله القرآن وتفصيلاً فيما فصله، ويجب الإيمان أن الله ذكر لنا بعضهم وأمسك عن ذكر الباقين، وإذ قد بيّنت الرسل ما يجب فعله وما يجب تركه، كان واجباً على المكلف العمل، والمتعدّي من العمل خير من القاصر، فبدأ بالمال قوام الحياة فأمر بسد الحاجات الضرورية فقال: (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ)  سمي المال مالاً؛ لأن النفوس تميل إليه وفي الآية إشارة إلى هذا؛ لأن الضمير يدل على المال ومثلها قوله: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) ومنه قول النبي، صلى الله عليه وسلم: أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الحياة وتخاف الفقر، ويجوز أن يعود الضمير إلى الله كما جاء صريحاً في سورة الإنسان 8 و9 (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً● إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ) وبدأ بأشد الناس حاجة لشدة قربهم من المعطي فالأقربون أولى بالمعروف، ومن لا خير فيه لأقربائه لا خير فيه لأحد، ثم اليتامى جمع يتيم: من فقد أباه حتى يبلغ؛ لأن الصغار هم المستقبل من هنا كانت العناية بالأيتام حتى ينشئوا نشأةً صالحة بعيداً عن العقد، وثلّث بالمساكين جمع مسكين والمراد به الفقير الذي عجز عن الحركة لفقره، فالفقر سكَّنه أو سَكَنه، وهم قسمان: من لا يسأل ولو كان في شدة وضيق، وهم أولى بالمساعدة من الذين يسأله فإن الله حض على مساعدة الفقراء المساكين العاجزين عن الكسب الصامتين الذين لا يلحّون في المسالة؛ لذلك قدم المساكين الذين لا يسألون وابن السبيل على السائلين، وابن السبيل هو المسافر المنقطع عن أهله لفَقده المال، نُسب إلى السبيل لملازمته إياه، فهو بحاجة إلى مد يد العون إليه ليشعر بالأمن والأمان، والسائلون من الفقراء؛ لأنهم ما سألوا إلا لحاجة ألجأتهم إلى السؤال، وتشوُّف الإسلام للتخلص من الرق جعل للرقاب حصة في الإنفاق الواجب وجزءاً من المال المنفق، وهذه العبادة المتعدية الناقلة والناشرة للخير بين الناس لا تصدر إلا عن عبادة تصلح النفس وتهذب الإحساس، الصلاة صلة العبد بربه تهذب نفسه وتقوم سلوكه وتصوب مساره، وإيتاء الزكاة تنمّي المال وتبارك فيه وتؤمن للمجتمع ما يسد به الحاجات ويؤمن الضرورات، فالزكاة تصفي النفوس وتهذب المشاعر، فينضبط السلوك على خلق الوفاء والصبر: الوفاء بالعهد والصبر عند الشدائد هذا هو روح العمل تصدق حقيقته، تقوّمه وتقيمه.

    إن المجتمع فيه عناصر غير منضبطة تتمرد على النظام، لا تردعها الكلمة، ولا تنفع معها الموعظة؛ فكان شرع القصاص لردع المعتدي عن القتل؛ فإنه إن علم أنه إن قَتَل قُتِل، امتنع عن الظلم فحفظ حياته وحياة من كان يفكر في قتله. من هنا كان القصاص حياة للعقلاء الذين أدركوا الحكمة والهدف من شرعه، عسى أن يطهر المجتمع بالقصاص من كل ما يشينه من الظلم والبغي، والشريعة قبل فرض القصاص أمنت الضروريات بل كان القصاص وسيلة من وسائل حفظ الضروريات أو بعضها.

    ودرب الله المؤمنين على القيام بأخص شئونهم فشرع لهم تقسيم الميراث بالوصية أول الأمر، ثم لما لم يعرفوا حاجات الورثة: من الابن الذي يتابع مسيرة أبيه وينفق على أمه وإخوته وأخواته، والبنت التي تأخذ ما تُعطاه لنفسها، لا تكلّف بالإنفاق: لا على نفسها ولا على زوجها ولا على ولدها ولا على ضيفانها؛ كل ذلك يتولاه الابن أو الأب أو الزوج، لما لم يدرك المكلَّف هذه التفاصيل وعجز عن قسمة الميراث على مستحقيه بالعدل انتزعها منهم وتولاها بنفسه، وترك للمكلّفين الوصية فيما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات، ولغير وارثٍ من والدَين وأقربين لمانع شرعي من الإرث، وأمر من شهد الوصية أو أوكل إليه تنفيذها أن ينفذها كما أراد الموصي ولا يغيِّر منها شيئاً إلا أن يكون فيها ما يخالف الشرع، فيحاول ثني الموصي عن الظلم أو الميل إليه، وهذه هي الحالة الوحيدة التي يجوز فيها تغيير الوصية أو تصويب مسارها وتعديلُه ليتّفق مع ما شرعه الله ليبقى الترابط بين أفراد العائلة قائما، ومراقبة الله في ذلك كله تورث صلاحاً في العمل واستقامة على المنهج ووعياً للواقع؛ لكن الناس بحاجة إلى الرعاية فكان شرع الصوم كوسيلة عملية لتربية المؤمنين على مراقبة الله تربية حضارية، فشرع الصوم أياماً وخيَّر القوم بين الصوم والإطعام، وأعفى المريض العاجز عن الصوم والمسافر والمسن الذي يجهده الصوم، وأوجب القضاء على المريض إذا بريء، والمسافر إذا أقام، وأوجب الكفارة على من عجز عن الصوم لمرض مزمن أو من تقدمت به السن فأعجزته، وأخبرهم أنه قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، وحضهم على الإقبال عليه، وأباح لهم في ليل الصيام ما حرّم عليهم في نهاره من التمتع بما يحل لهم من الملذات ما كان منها في المأكول وغيره، وأباح لهم طلب الولد الذي يتابع المسار والمسير ويكون امتداداً له بعد موته وما أجمل بيان القرآن حين يصف العلاقة بين الزوجين: فيجعل كل واحد منهما لباساً للآخر، وما أروعه حين كنّى فقال: (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) كيف حمى جناب الحياء في المجتمع وبيّن المطلوب بألطف وأوضح عبارة، فباشروهنّ عبارة عن التقاء البشرة بالبشرة، وكنّى بها عن ما يكون بين الزوجين من علاقة، وأوضح ما في الكلمة من خفاء (وَابْتَغُوا)  أي أطلبوا (مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) من الولد، إنه حريص على أن لا يخدش حياء من يقرأ أو يسمع، وأقام لهم الدليل الحسي على قربه منهم وعلمه بهم، يعلم أخفى أمور حياتهم: أمور تخفى على أقرب الأقربين يعلمها الله ويُطلع عليها ويغفرها ويتجاوز عنها رحمة وتربية على المراقبة عملياً؛ ولأنه لا تكليف إلا بالشرع، وشرع من قبلنا لا يكون شرعاً ملزماً لنا حين يكون النبي بيننا؛ لأن له وحدة والحالة هذه بيان الأحكام والحلال والحرام.

    ولحرمة المساجد منع القرآن من فرَّغ نفسه لعبادة الله في المسجد من الاشتغال بغير العبادة فحرم على المعتكف أن يقرب زوجه؛ لأنه حين فرغ نفسه للعبادة عليه الامتناع عن كل ما يناقضها ولو لذة مباحة وعملاً سمح به الشرع لكن لا في المسجد.

    وختم بحثه في الصوم بإعلان أن ما تقدم حدود الله فلا يحل اقتحامها وتجاوزها بعد أن بيّن الأحكام بياناً واضحاً لا يحتاج إلى مزيد فعلى المكلف أن يعمل بما أمر الله وكله أمل أن ينجو من عذاب الله ويفوز برضوانه، وحتى يكون العمل مقبولاً يجب أن يكون المكسب حلالاً؛ ولأن كل لحم نبت من حرام، النار أولى به، ناسب أن يختم آيات الصوم بالنهي عن الاستيلاء على أموال الناس بدون وجه مشروع، وحذّرهم من التوصل إلى أخذ الحرام برشوة الحكّام أكانوا قضاة أو غيرهم وفي هذا دليل على أن حكم القاضي في الأموال لا يحل حرامها وأن من يثبت دعواه ببيّنة كاذبة لا يصير ما حكم له به القاضي حلالاً، بل تبقى المعاملة المالية حلُّها وحرمتها بحسب الواقع ونفس الأمر؛ فاللهم فقّهنا وارزقنا العمل وجنّبنا الخلل والجدل والكسل؛ أنت القادر.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة