الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

حكمة 


    قال ابن عطاء الله الاسكندري: أصل كل معصية وشهوة وغفلة الرضى عن النفس، وأصل كل طاعة وعفة ويقظة عدم الرضى منك عنها، المعصية: مخالفة الأمر الإلهي الواجب اتباعه أكان طلب فعل كالأمر بالمعروف وأداء الحقوق والواجبات العينية: التي يجب على كل بالغ عاقل فعله، أم كان طلب كف أي ترك، كالأمر بالصيام الذي يتضمن الامتناع عن الشهوتين، أو النهي عن فعل المحرمات كالنهي عن أكل الحرام وشرب الحرام وفعل الحرام، والحرام ما يستحق فاعله الذم في الدنيا والوعيد بالعذاب في الآخرة، والشهوة إتباع هوى النفس والبحث عن اللذة من وجهها أو من غير وجهها، أعني أن تكون اللذة مباحة في الأصل أو غير مباحة في الأصل؛ لأن المبالغة في تناول الحلال ربما أدت بالإنسان إلى الوقوع في تناول الحرام؛ لأن المبالغة في الحلال تقوي في النفس الشهوة فتسوقه إلى الوقوع في الحرام. قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: (إن الحلال بيّن) بيّنه الله في كتابه والرسول في سنته (والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات) أي غير واضحة الحكم أهي أقرب إلى الحلال فتلحق به، أم هي أقرب إلى الحرام فتلحق به، لكن لعدم وضوح حكمها قد يعتبرها من الحلال فيبالغ في تناولها فيقع في الغفلة أعني إهمال الحقوق الواجبة والمندوبة، والسير مع دواعي الهوى، من هنا وضح النبي – صلى الله عليه وسلم – الواجب في قاعدة كلية في قضية شرطية (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) فكأنه بهذا يبين أن الواجب التوسط في الأقوال والأفعال وعدم المبالغة في تناول الحلال، فهذا يسلم من الطعن عليه لا في دينه ولا في عرضه؛ لأنه أخذ من الدنيا ما يصلح حاله ويقوم سلوكه؛ لأنه متحكم في عواطفه لم يكن راض عن نفسه؛ لأن الرضى عن النفس أصل كل معصية وشهوة وغفلة، ومن علامته ثلاث: رؤية الحق لنفسه، وذلك يعمي البصر عن رؤية الحق عند غيره، ويصم الأذن عن سماع قول الآخر والشفقة على نفسه والرضى عنها والإغضاء عن عيوبها بحيث يرى قبيحها حسناً بنوع من التأويل، فلا يرى عيب نفسه بل يوجد لها حجة تخفف منه كما قيل:
وعــين الرضى عن كل عيــب كليلـــة          ولكن عيـن السخـط تبدي المساويــا

    وذلك يزكي فيه العجب والكبر والأنانية، وفقد الثقة بالناس، والشك فيهم، ويقوى عنده حب الذات والحرص على المصالح الخاصة وإن عارضت المصلحة العامة.
    ولما كانت عين السخط تبدي المساويء، كان عدم الرضى عن النفس أصل كل طاعة وعفة ويقظة، فيرى عيوبها، لأنه ينظر إليها بعين السخط، فيتهمها فيما تأمره به، ويحذر آفاتها، ويحملها على ما تكره في عموم الأوقات؛ لأنه إن لم يفعل أوردته موارد التهلكة، قال البوصيري – رحمه الله -:
فلا تـرم بالمعاصـــي كسر شهـــوتها
         إن الطعـــام يقـــوي شهـــوة النهــــم
والنفس كالطفل إن تهمله شب على
        حـب الرضــــاع وإن تفطمـــه ينفــــطم
فاصــــرف هــواها وحـــاذر أن تولـــــيه
        إن الهـوى مـا تـــولى يصــــم أو يصــم
وراعـها وهـي في الأعمــال سائـــمة
        وإن هي استحـلت المرعى فلا تسـم
كـــم حسنــت لــذة للمــــرء قاتلـــــة
        من حيث لم يدر أن السم في الدسم
واخش الدسائس من جوع ومن شبع
        فـــرب مخمصـــة شـــر مــــن التخـــم
وخالف النفـس والشيطـان واعصمــها
        وإن همـــا محضـــاك النصـــح فاتهــــم

    وقال تعالى حكاية لقول امرأة العزيز أو يوسف الصديق: ( إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ) والطاعة موافقة أمر الله طلباً كان أو كفاً واجباً كان أم مندوباً، بفعل المأمور به وترك المنهي عنه، والعفة: ترك الدناءة من كل شيء، واليقظة الانتباه لأمر الله، ولابد ممن يبصر بالعيب ويعين على الاستقامة؛ لأن الإنسان مبتلى بالإغضاء عن نفسه لكن لابد من أن يكون هذا الصاحب ممن لا يرضى عن نفسه.
    قال ابن عطاء الله: (ولأن تصحب جاهلاً لا يرضى عن نفسه خير لك من أن تصحب عالماً يرضى عن نفسه) وسواء أكان هذا المصاحب شيخاً أو قريناً أو تابعاً؛ لأن الذي لا يرضى عن نفسه قد جمع خصالاً ثلاثاً وإن كان جاهلاً، وهي: الإنصاف من نفسه، والتواضع لعباد الله، وطلب الحق بالصدق، قال عمار – رضي الله عنه -: ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسه، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار.
    فصحبة من هذه صفته تكسب الصاحب محاسبة نفسه فيما يأتي ويذر، فلا يأتي إلا خيراً، كما يحقق له راحة القلب والبدن من المعانات، وسلامة الدين والدنيا من التكلف والتصنع.
    والراضي عن نفسه قد باء بثلاث: الكبر، وقلة الإنصاف من نفسه، والتصرف بالرياسة، وصحبته تورث ثلاثا: العبودية له، والتكلف، والقطيعة آخر الأمر؛ لأنه يرى لنفسه ما ليس لها من الحق، فلا يستطيع صاحبه أن يرضيه؛ لأنه لا يغفر زلة ولا يقيل عثرة، ولا يرجع إلى ربه فلا يألف ولا يؤلف، ثم إن كان عالماً فعلمه يزيد في شره، وإن كان جاهلاً فجهله بلاء عليه وعلى صاحبه، وإن كان رئيساً فلا ينتفع بالدنيا ولا بالدين، قال سهل بن عبد الله: احذر صحبة ثلاثة من أصناف الناس: القراء المداهنين الذين يبطنون خلاف ما يظهرون، والمتصوفة الجاهلين، والجبابرة الغافلين.
    والصاحب إنما يراد لثلاث: النصيحة والشفقة والإعانة وكلها لا يوجد في الراضي عن نفسه؛ لأنه جاهل قدر نفسه، غافل عن حقوق صاحبه، وإن أتى بشيء أعجب به حتى ليتمنى صاحبه أنه لم يره ولا تعرف عليه، وذلك كله ناشيء عن جهله بنفسه، وهو رأس الجهل، وفي المقابل عدم الرضى عنها من العلم بها وهو قمة العلم، ولا علم فوقه، من هنا تعجب ابن عطاء من علم الراضي عن نفسه، وجهل من لا يرضى عن نفسه فقال: (فأي علم لعالم يرضى عن نفسه، وأي جهل لجاهل لا يرضى عنها).
    من حقائق الجهل ثلاث: الفرار من الحق، وإتباع الباطل، والحكم بما لا يصح، وهذا حال الراضي عن نفسه.
    ومن حقائق العلم: العمل بالحق، ومجانبة الباطل، وإعطاء الشيء ما يليق به، وهذه لا توجد إلا فيمن لا يرضى عن نفسه، فالعلم بالصورة لا عبرة به، إنما هو صناعة، والجهل بالصورة لا ضرر على صاحبه إذ يستطيع أن يحصل على ما يحتاج إليه من العلم بالسؤال مادام سالماً في حاله.
والآخر كلما ازداد مسألة ازداد جهلاً بربه، قال سفيان الثوري: (إنما يُتعلم العلم ليتقي الله، وإنما فضل العلم غيره لأنه يتقي الله به).

    وقال سفيان ابن عيينة: (إذا كان ليلي ليل سفيه، ونهاري نهار جاهل، فما أصنع بالعلم الذي أكتب).
    فالعلم النافع ينفي كل عيب ويذهب بكل ريبة وريب؛ لأنه علم بالله به تتم الخشية، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: (اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعاء لا يسمع). من هنا قالوا: عالم لا يعمل بعلمه معذب فعليك يا أخي بالتعلم، والعمل بما تعلمت تهذب نفسك، وتقوم سلوكك تعرف الحق بدليله، وتعرف به وتدعو إليه، ولا ترضى عن نفسك، بل احرص على مراقبتها، والأخذ بعزائم الأمور وترك سفسافها، والله يتولاك.



الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة