الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

من مظاهر رحمة الله 
سورة البقرة   الآيات 163 - 176



   أَخبر الله الناس خبر حق، بعض القوم منكرٌ له فعامل الكل معاملة المنكر وأقام الدليل المنتزع من الطبيعة القريبة والبعيدة ليكون المؤمن على بيّنة من أمره: عنده ما يرد به على المخالف دون أن يتأثر بما يثار من شبه، والإله هو المعبود وإضافته إلى ضمير المخاطبين إضافة اختصاص واستحقاق، والمعنى من يستحق العبادة منكم هو واحد، ولا يكون إلاهاً حتى يكون خالقاً، لا بداية ولا نهاية لوجوده وبقائه، واحد في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله، لا مستحق للعبادة إلا هو الذي عم الخلق برحمته الابتلائية؛ لأنه رحمن ويثيب على شكرها في الآخرة لأنه رحيم، وساق الأَدلة على هذه القضية: خلق السموات على عظم جرمها والأرض التي منها المبدأ، وإليها العودة بعد الموت، ومنها الخروج يوم القيامة واقع حال الخلق يشهد بهذه الحقيقة؛ لأن أحداً ما لم يقل أنا خلقت فكان سكوت الجميع اعترافاً منهم له بأنه الخالق؛ ولأنه يستحيل عقلاً أن تكون السماوات والأرض كل منهما خلقت نفسها لأنهما كانتا معدومتين لا تتصف بالعلم والقدرة والإرادة والحياة، فكانت عاجزة عن الخلق، فثبت أن لها خالقاً مخالفاً لها في الذات والصفات، والله يقول: أنا خلقت ولا معترض، فوجب على الجميع التسليم، وإذا انضاف إلى ذلك: اختلاف الليل والنهار، يطول الليل فيقصر النهار ويطول النهار فيقصر الليل، ما يدل على مدبر حكيم، والفلك: السفن الكبيرة التي كانت تعتمد على الريح في حركتها جعل تصريف الرياح في اتجاهات مختلفة متفاوتة في القوة ولها من الأثر على نزول المطر الذي يحيي به الله الأرض بعد موتها ونشر فيها دواب مختلفة بعضٌ يمشي على بطنه وبعضها على رجلين وبعضها على أربع لَدليلٌ واضح أن لهذا الكون مدبراً أوحد، أوجد هذا الكون وما فيه من العدم، وهو المتصرف الوحيد فيه، لا يكون في ملكه إلا ما يريد، ولا يهتدي إلى هذه الحقائق إلا العقلاء؛ لأنهم أعملوا عقولهم فيما رأوا وسمعوا، فهداهم الله إلى الحق فعرفوه ونشروه ونصروه فكانوا أهلاً لكل مكرمة، أما الغافلون المقلدون لمن اتخذوه نداً لله ومثلاً له، أحبوه كحب المؤمنين لله، والحق أن المؤمنين يحبون الله ورسوله أكثر من حب أولياء غير الله لأوليائهم. ولو أنك رأيت أيها القاريء لكتاب الله حال الذين اتخذوا من دون الله أنداداً لعلمت مقدار ما ينتظرهم من خزي يوم القيامة حين يتبرأ المتّبِِعون من المتّبَعين، حين رأوا العذاب رأي عين، وفقدوا الأسباب التي تنقذهم من عذاب الجبار، هناك يتبرأ المتبوع من تابعه، عندها يقول التابع لو أن لي عودة إلى الدنيا أو يسمح لي فأتبرأ ممن اتبعته كما تبرأ مني وقت احتجت إليه.

    إن هذا المشهد من حال المقلدين مع من قلدوه وما يعقبه من خلود في النار فيه دعوة حقيقية إلى إعمال عقولهم في ما يرون ويسمعون، ولا يقلدون من ليسوا أهلاً للتقليد فينجوْن من عذاب الجبار والخزي يوم القيامة حين يخلدون في النار.

    وبعد أن أرانا عاقبة التقليد وما يصيب أهله من حزن وغم، ناسب أن يدعو الناس كل الناس إلى الأكل من مستلذٍّ لم يرد عن الله نص على تحريمه ولا عن رسوله وكانت العرب ذوي الأنفس السليمة تُقبل على أكله، وجمع في الآية بين الحلال والطيب، في آن معاً وكان الحلال طيباً، والطيب حلالاً فقد وصف الله رسوله بأنه ( يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث) ليبين أن الشريعة تتوافق مع الفطر السليمة التي لم تتلوث بملاقاة من لُوثت فطرهم بتقليد المتمردين من الإنس الذين عميت أبصارهم عن رؤية الحق، وأصموا آذانهم عن سماع الداعي إليه، واتبعوا الهوى لِيَخْلُص من ذلك إلى بيان أن كل حلال طيب، وكل مستلذ تميل الأنفس السليمة إليه حلال.

    وإتباع خطوات الشيطان تقليده وإتباع نهجه، والشيطان من شطن أي بعُد عن رحمة الله وعن ما شرع، أو من شاط إذا أوشك أن يحترق، وهذه كناية عن شدة غضبه على بني آدم وحقده عليهم؛ لأنهم آمنوا وكفر، وأطاعوا وعصى، وكانت العداوة مستحكمة بينهم وبينه، ويدل له وصفه بالمصدر عدو تأصلت العداوة فيه وظهرت، فهو عدو ظاهر العداوة بينها بأمر أَتباعه بالسوء: ضد الحسن، أي بالقول السوء والفعل السوء، والفحشاء: الخصلة المتناهية في القبح ليس أقبح منها من مثل ما تعاطاه العرب في الجاهلية: من الزنى وما في معناه، فتقليد الشيطان طاعته في فعل ما حرم الله والقول على الله بغير علم كتحريم ما أحل، وتحليل ما حرم، وطاعة غير الله في ذلك كله طاعة للشيطان وإتباعٌ له، وهل ثمة عاقل يتَّبع عدوه ويُسلم له قياده وهو يعلم أنه يُساق إلى الهلاك لكن المقلد عميت بصيرته وكلَّ فهمه؛ لذلك رأيناه يصف حاله كلما دعي إلى إتباع الحق الذي أوحى الله به إلى محمد، صلى الله عليه وسلم، وأقام الأدلة القاطعة عليه، قالوا: المقلدين ردوا بل نتبع ما ألفينا أي لقينا عليه آباءنا، والأبوة هنا أعم من الأبوة النسبية مثلها في قوله (... فأبواه يهودانه أو ينصرانه ...) الحديث، فيمكن أن يراد بالآباء: العلماء والمعلمون ومن له عليهم نوعاً من التأثير، تأمل معي جواب القرآن عليهم في سياق سؤال بالهمزة وحرف العطف الداخل عليها وحذف المعطوف عليه ومجي المعطوف مصدراً بـ لو (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ)  والمعنى: أيتبعون آباءهم ولو كانوا معطلين لعقولهم لاغين لعملها غير منتفعين بها، إنّ مَنْ هذا حاله يشبه البهائم التي لا تسمع إلا دعاء الراعي ونداءه بل هؤلاء شر من البهائم فهي تعرف ما ينفعها ما يضرها. أما الذين كفروا بالله فأضل؛ لأنهم صموا عن سماع داعي الله، بُكْمٌ عن النطق بالحق، عمي عن إبصار الأدلة المقنعة والبراهين القاطعة. فهؤلاء عطلوا ما وهبهم الله فلم ينتفعوا بها، وهذا هو الجهل (فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ) لأنهم لم يوصلوا المعلومات إلى عقولهم.

    ولما كان العالم وما فيه من مخلوقات ملك للخالق الذي أوجد، المالك الذي لا يجوز الانتفاع بشيء مما خلق إلا بإذنه جاء النداء الثاني في هذه السورة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)  أباح للمؤمنين الأكل من المستلذ الذي لم يرد دليل من القرآن والسنّة على تحريمه. وكانت النفوس السليمة تميل إلى الأَكل منه، ولما كانت العبادة تقتضي الطاعة في التحريم والتحليل، ناسب أن يذيّل الآية بالجملة الشرطية وحذف جوابها الذي يدل عليه ما قبله، ولما كان بعض ما خلق الله يحرم أكله، وكان الحلال أكثر، ذكر المحرمات لقلتها فذكر أربعة هي أصول المحرمات أولها الميتة: وهي ما مات حتف أنفه من مأكول اللحم من الحيوان كالأنعام: الإبل والبقر والغنم والماعز، وما في معناه كالغزال وبقر الوحش وحمار الوحش المخطط والأرنب من غير تذكية شرعية بقطع الحلقوم والمريء والودجين، وما مات كيفما اتفق من غير مأكول اللحم من الحيوان؛ لأن التذكية لا تحلها.

    الثاني: الدم والمراد به المسفوح السائل لا المتجمد، فإن الكبد والطحال دم متجمد فهو حلال، وكذلك الدم المتبقي في العروق بعد التذكية فيجوز أكله. والثالث: لحم الخنـزير ويلحق به الشحم والشعر وما يتصل به، والخنـزير نجس العين فلا يجوز بيعه ولا شراؤه ولا هبته، فإن ما حرم أكله حرم بيعه وأكل ثمنه. والرابع: ما أهل به لغير الله، ومعنى أهل رفع الصوت عند ذبحه بغير اسم الله، ويلحق به ما ذبح للأصنام وما يذبح للزعماء عند زيارتهم القرى، وما يذبح عند بعض القبور إذا يذكر عند ذبحه مع اسم الله أو دونه اسم ثانٍ، فلو قال عند الذبح: بسم الله ومحمد رسول الله؛ فإنه ميتة لا يحل أكلها، فإن الذبيحة لا يحل أكل شيء منها إلا إذا ذبحت على اسم الله وحده، وإذا لم يجز الأكل حَرُمَ البيع وأكل الثمن، هذا في الأوقات العادية حين يكون الطعام متوفراً والناس في سعة، أما حال المجاعات وفقد الحلال؛ فإنه يجوز الأكل من الحرام ما يُبقي الحياة ويسد الرمق وهذا معنى (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) أي من ألجأته الضرورة أعني شدة الجوع وفقد الحلال فأكل من المحرمات مقدار ما يُبقي على حياته: لا آكلاً فوق الحاجة ولا طالباً الحرام مع وفرة الحلال، فلا إثم عليه ولا عقوبة إن الله كثير المغفرة، رفع المؤاخذة عن من خالف أمره ليحمي نفسه من ألم الجوع المؤدي إلى الموت المحقق، فرحمة الله اقتضت الإذن له والعفو عنه، وخلاصة القول: إن المجاعة إما أن تكون دائمة أو عارضة لسبب ما يمكن زواله في وقت ما، والجائع إما مقيماً أو مسافراً؛ فإن كانت المجاعة دائمة والجائع مسافراً جاز له الأكل والتزود بما حرم عليه أكله حتى يجد الحلال، وإن كان الجائع مقيماً والمجاعة عارضة لم يجز للجائع الأكل فوق ما يسد رمقه ويبقي على حياته، ولما كان الواجب على العلماء أن يبينوا ما شرع الله من الأحكام ولا يحل لهم أن يكتموا منه أو يغيروا شيئاً في مقابل نفع مادي مهما كان فإن فعل لحق به الوعيد (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً)  المراد بالكتاب الوحي المفروض إتباعه، ويشترون به ثمناً قليلاً أي يأخذون في مقابل كتمه، وأي ثمن أخذ في مقابل كتم ما شرع الله قليل مهما كان كثيراً؛ لأنه يفوِّت عليه ما هو أكثر وأعظم؛ لأنه أكل مال بالباطل، وكل لحم نبت من حرام فالنار أولى به؛ لذلك قال: (مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ)  ما يؤول به إلى النار، أو يتحول ما يأكله إلى النار؛ لأنه أخذه في مقابل محرم: تغيير ما أوحى الله به وصرف الناس عنه، (وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) كلام تشريف (وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)  جزاء ما ارتكبوا من آثام، ما ذاك إلا لأنهم أخذوا الضلالة والباطل في مقابل المنهج الواضح والطريق المستقيم، وعرضوا أنفسهم لعذاب الله بدل الحرص على مغفرته، فيا عجباً من شدة صبرهم على عذاب الله ما ذلك إلا لأن الله أنزل الكتاب بالحق, وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد.

    وبعد فالمستحق للعبادة واحد، لا مستحق لأقصى غايات التذلل مع الحب والتعظيم إلا هو؛ لأنه رحمن عم برحمته خلقه جميعاً برهم وفاجرهم، ومما يدل على عظيم رحمته جعل الأرض في موضع مناسب من الشمس يجعل الحياة عليها مريحة، ليل ونهار يتقاسمان اليوم فإذا طال أحدهما قصر الآخر، وثانياً جعْله في الماء قدرة على حمل السفن، يحركها الريح بتحريك أشرعتها. ثالثاً: خلق الماء عصب الحياة يحيي الأرض وينبت الزرع ويحيي ما على الأرض من الحيوان، نِعَم غفل الناس عن شكرها واتخذوا أنداداً غير الله أحبوهم كحب المؤمنين الله، والمؤمنون أشد حباً لله من الكافرين الذين والوا غير الله، مقلدين غيرهم، معطلين عقولهم فلا ينظرون ولا يتدبرون حتى إذا وقعت الواقعة وقام ميزان العدل تفرق الأولياء، تبرأ الأتباع من تابعيهم، وتمنى التابعون التبرؤ ممن اتبعوهم، وفي هذا دعوة إلى إعمال العقل فيما يُرى ويُسمع ونبذ التقليد وإتباع ما شرعه الله، ولما كانت العبادة في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله؛ فكان لزاماً بيان أصول المحرمات، وأخذ العهد على العلماء بيان ما شرع الله، وتحريم إخفاء أو كتم شيء منه، وأوعدهم بالعقاب الشديد جزاء كتم شيء من البينات والهدى وفيه دعوة إلى التوبة والإصلاح والبيان، وفيه دعوة إلى الاجتماع على نصرة الحق وإقامة العدل؛ فاللهم وفقنا.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة