الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

لا تكتموا واصبروا !!! 
سورة البقرة   الآيات 152 - 162



    أنعم الله على المؤمنين ببعث محمد، صلى الله عليه وسلم، فيهم يبلغهم شرع الله، ويطهرهم من الشرك والجهل وسائر الأمراض القلبية، ما يوجب عليهم شكره عملياً بطاعة الله والتزام أمره ونهيه، مراقبين له فيما يأتون ويذرون، ذاكرينه في جميع أوقاتهم شاكرين هذا التكريم والتشريف، بأداء ما كلفهم به من نصرة الحق وحرب الباطل، ما ناسب طلب العون من الله، فجاء نداء المؤمنين الأول في هذه السورة بالاسم الموصول وصلته آمنوا؛ ولأنهم آمنوا يلزمهم عبادة من آمنوا به وفق المنهج الذي وضعه الله وبيّنه رسول الله، صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله، والصبر على طاعة الله وعن معصيته؛ لأن الله يحب الصابرين: يثيبهم على طاعته وعدم التضجر لما يصيبهم في سبيل الله من جرح أو قتل نتيجة الصراع بين الحق والباطل، وبيّن لهم أن من يقتل في سبيل الله حي وإن قتل؛ لأن المباديء والقيم تحيا بموت حامليها وإن تخيل الغافلون أن موت المجاهد انقضاء لدعوته، ويؤكد على هذه الحقيقة ما ننعم به من إيمان واطمئنان بعد ما يزيد على أربعة عشر قرناً من قيام الإسلام ورحيل الرعيل الأول من الصحابة، رضي الله عنهم.

    الدنيا دار ابتلاء يصبر المؤمن على ما يصيبه فيها محتسباً طيبة نفسه بما يأتيه من الله؛ لأن ما يأتي من الحبيب حبيب، قال عليه الصلاة والسلام {عجبت لأمر المؤمن فإنَّ أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له...} وقد اقتضت الحكمة أن يبتلي الله المؤمنين بشيء قليل من الخوف على أنفسهم، على أولادهم، والجوع الحاصل نتيجة الظلم والبغي، وتسلط الأقوياء على الضعفاء والقحط الذي ينتج عن قلة المطر فترتفع الأسعار، والصراع بين الحق والباطل المؤدي إلى فقد بعض الأنفس، كل هذا لِيُظهر الله فضل الصابرين، فيكونوا لمن بعدهم مثلاً، ويكشف المخادعين فلا يتأثر بهم أحد؛ لذلك قال: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ)  أي أخبرهم خبراً تتحرك له بشرتهم؛ فإن سألت من هم: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ)  من فقد مال أو نقص في قيمته، أو فقد عزيز (قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ)  عبيد بالاختيار نرضى بالقضاء ونقنع بالعطاء ونخاف الله في السر والعلن؛ لأن الدنيا ممر (وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)  هناك نحيا حياة حقيقية خالصة من شوائب الدنيا وأكدارها، ننعم بالأمن والأمان في دار كرامة الرحمن، فأثنى عليهم ثناءً يحضُّ على الاقتداء بهم، ويرغِّب في إتباع منهجهم، وترسم خطاهم (أُولَئِكَ) أصحاب المكانة الرفيعة (عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ).

    إن ما اتصف به هؤلاء من صفات نبيلة وأخلاق حميدة ما كانوا ليكتسبوها إلا بلطف الله وتوفيقه، الذي استحقوه برضاهم عن الله وحبهم له ورغبتهم فيما عنده، ما جعله يصفهم بالمهتدين، والمهتدون هم الذين أفادوا مما خلق الله فيهم من سمع وبصر، وأعملوا عقولهم فيما يرون ويسمعون، وأقبلوا على رسول الله، صلى الله عليه وسلم،  فآمنوا به: أتوا ما أمرهم به، وتركوا ما نهاهم عنه بتوفيق الله لهم يحقق لهم ما رغبوا فيه وحرصوا عليه وسعوا إليه، ففازوا في الدنيا برضاه وفي الآخرة بالنعيم الدائم.

    (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) المروة جبل صغير والصفا جانب من جبل أبي قبيس، أحدهما في الشمال والثاني في الجنوب، وهذه الآية تؤكد حقيقة الاهتداء والتسليم لله بمثل حي من التاريخ لمن ابتلي فصبر فحقق الله له ما تمناه ورغب فيه، فأم إسماعيل أول من طاف بين الصفا والمروة سبعة أشواط تطلب الغوث من الله لها ولطفلها حين تركها زوجها في وادي مكة في مكان قفر لا طعام ولا شراب ولا أنيس وأراد أن يمضي، قالت الزوجة: إلى أين؟ عجز الأب المشفق على ولده المتألم لفراق أحب الناس إليه عن الجواب، تداركت الزوجة الأمر فسألت آلله أمرك بهذا يعني فراق ابنه وزوجه؟ قال: نعم. قالت: إذن لا يضيعنا، امرأة مؤمنة مسلِّمة لله، واثقة أن الله يحفظها وابنها، فلا تهلك في هذه البقعة النائية، والأب يتضرع إلى الله أن يجعل من هذه الأرض القفر بلداً آمناً تأتيه الخيرات وتهوي القلوب إليه تزوره مرة بعد مرة، دعاء أب لابنه الوحيد الذي جاء بعد طول انتظار، والذي أُمِرَ أن يتركه وأمه في واد غير ذي زرع لأمر قدره الله وقضاه، وقف يدعو بعيداً عن عيني زوجه الصابرة، ولما نفد ما معها من طعام وشراب عَلَتِ الصفا علها ترى أو تُرى فتغاث وحركت يديها – تماماً كما يفعل الحاج والمعتمر – ثم إلى المروة ففعلت مثل ذلك، أربع مرات تقف على الصفا ومثلها على المروة تسأل الله أن يغيثها بماء وطعام، وفي نهاية الشوط السابع جاءها الغوث: زمزم طعام طعم وشفاء سقم، ومع الماء جاء الطير والناس وصارت البقعة القفر بلداً آمناً وحفظ الله أهله بمجاورة الكعبة المشرفة التي بنى إبراهيم وابنه وصار الصفا والمروة معلماً من معالم الدين يدلان على أن المهتدين محل عناية الله وخلقه، ويروى أن العرب قبل الإسلام وضعوا على الصفا والمروة رجلاً وامرأة مسخا حجارة لفعل فعلاه، يعتبر بذلك الطائفون بالصفا والمروة فلا يزالون يعظمون بيت الله الحرام، ولما جاء عمرو ابن لُحي بالأصنام من بلاد الشام عُبِدَ إساف ونائلة من دون الله وجاء الإسلام وهدمت الأصنام وطهر منها الحرم، فتحرج من السعي بين الصفا والمروة من سعى بينهما يوم كان عليهما الصنمان من كان طاف بالصنمين عليهما قبل الإسلام، فجاءت الآية لتقرر أن الصفا والمروة معلمان
جعل الله تعظيمهما دليلاً على تعظيمه، فمن حج البيت أي البيت الحرام: قصده بعبادة مخصوصة في وقت مخصوص، وله شروط وأركان وواجبات، أو اعتمر أي زاره بعبادة مخصوصة هي العمرة فيها طواف حول الكعبة وسعي بين الصفا والمروة ونية وحلق أو تقصير، فلا حرج على من طاف بالأصنام على الصفا والمروة، من أن يسعى بينهما بعد أن طُهِّرا من الأصنام فعادا شعيرتين يدلان على تعظيم الله، ثم ختم الآية بقضية كلية شرطية تدعو إلى الخير وتحض عليه وترغب فيه وتعد بالثواب عليه.

    ولما حل ما حل بالناس من عبادة فاسقيْن نتيجة الجهل كان لزاماً على العلماء أن يبينوا للناس ما يحتاجون إلى معرفته من الأمور الضرورية التي يقبح الجهل بها، فجاء إيعاد الذين يكتمون المُنَزَّل من الأدلة الواضحة والبراهين المقنعة التي تحض الناس على إتباع الحق وترغبهم فيه، وتبين الطريق التي يجب على الناس أن يسلكوها ليصلوا إلى رضوان الله والجنة، مما بينه الله في كتابه وسنّة نبيّه، يستحقون الطرد والإبعاد من رحمة الله ويستحقون اللوم والتوبيخ من العقلاء، زجراً لهم عن هذا العمل القبيح حتى يراجعوا أنفسهم ويُقلعوا عن باطلهم فإن تابوا وبينوا ما وجب بيانه، وأصلحوا ما أفسدوا، فأولئك يتوب الله عليهم، وهو يوفق للتوبة ويقبلها.

    أما الذين أصروا على الباطل وعملوا بمعاصي الله حتى ماتوا كافرين بالله عاصين له، مصرين على الباطل معرضين عن الحق فاستحقوا الطرد من رحمة الله، وأن يُنبذوا من المجتمع ليكونوا عبرة، فيرتدع العصاة قبل أن يُخلَّدوا في نار جهنم لا يخفف عنهم العذاب ولا يُمَكَّنون من التوبة، فتداركنا اللهم برحمتك، وفقنا للعمل وجنبنا الزلل، صوب مسارنا وسدده، ونور أبصارنا وبصائرنا بنور الكتاب والسنّة.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة