الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

أمة في رجل 
سورة البقرة   الآيات 132 - 142



    إن دراسة القرآن الكريم وتدبر آياته تمكن الإنسان من إدراك ما اشتمل عليه من حكم وأحكام، فيقوى إيمانه ويستقيم سلوكه وتتسع مداركه، ويتأدب بأدبه الرفيع فلا يتكلم إلا بخير ولا يسكت إلا حيث يجب، يقدم لما يريد بمقدمات حقيقية توصل إلى ما يريد من أقرب طريق، ويرد على المخالف بأدلة مقنعة تبين الحق بأوضح عبارة، وترد الباطل بأقوى دليل، وتجلى ذلك واضحاً من خلال ما قدمه من حديث وافٍ عن أهل الكتاب ومعهم من نداء بني إسرائيل في أول السورة إلى يا بني إسرائيل هنا يذكرهم نعمه التي خصهم بها عبر العصور ما يوجب عليهم شكرها، وفي ضمن ذلك دعوة المؤمنين بالرسول الخاتم يذكرهم بنعمه عليهم وتفضيله إياهم كل على عالمي زمانهم، وأمة محمد ببقاء الإسلام إلى يوم القيامة، وبتخصيصهم بكتاب معجز، ما يوجب عليهم أن يكونوا دعاة إلى الدين الحق بسلوكهم الداعي إلى الاقتداء بمكارم الأخلاق التي دعا إليها وحض عليها النبي، صلى الله عليه وسلم، حريصين على النجاة يوم لا تتحمل نفس ذنب نفس غيرها مهما كان ذلك الذنب صغيراً أو كبيراً، ولا يقبل منها فداء ولو كان ملء الأرض ذهباً ولا تنفعها شفاعة، ولا يستطيع أحد أن يدفع أو يدافع عنها مهما كان قريباً من الله، وذكرهم بمن يقتدون به: إبراهيم أبي الأنبياء المثال الذي يقتدى به في طاعة الله والاجتهاد في تنفيذ أوامره، فقد كلفه الله تكاليف شاقة صعبة فأداها على خير ما يرام، ما أهله لأن يكون إماماً يقتدى به ويسار على نور هديه، ولما قال الله له إني مصيرك للناس إماماً تمنى أن ينال هذا الشرف ذريته أو بعضهم على الأقل، أخبره أن في ذريته ظالمين ليسوا صالحين للاقتداء بهم، وذكر شيئاً من مناقب إبراهيم الباقية شاهداً على فضله وحرصه في أداء ما كلفه الله به، فقد كلفه الله أن يبني بيتاً لعبادة الله في وادي بكة بعيداً عن العمران، فكان يكفيه أن يبني إلى حيث تصل يده، لكنه لم يكتفِ بل جاء بحجر حمله وابنَه إسماعيل ووضعه إلى جانب الكعبة بعد أن شيدها إلى حيث استطاع أن يبلغ بيده، وضع الحجر بجانب الكعبة ثم رقى عليه وناوله ابنه حجراً فبناه في جدار البيت، ثم نزل وحرك الحجر الكبير هو وابنه، ثم رقى الحجر وأخذ من ابنه حجراً ليبنيه في جدار البيت المعظم حتى أتم العمل الذي كلفه الله به. وهذا البيت يشهد أن إبراهيم وفّى فاستحق ثناء الله عليه، وأن يجعل الله البيت مثابة: مكاناً يأتون إليه مرة بعد مرة طالبين الثواب خارجين عن التبعات، وأمناً: يأمن فيه مَن دخله على نفسه وماله فلا يروع ولو عاصياً التجأ إليه يحتمي به من عقاب، ولو صيداً فقتله في الحرم حرام.

    وأمر الله زائري البيت المعظم والطائفين به أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى: يصلون وراءه يتأسون به، وأمر الله إبراهيم وابنه إسماعيل أن يطهرا بيته ويهيأه لاستقبال الطائفين حول الكعبة والإقامة بقربها يتعبدون الله يزكون أنفسهم بالإخلاص والاحتماء بحماه.

    وهنا يذكر الله بدعاء إبراهيم لهذه البقعة التي أسكن فيها ولده وأمه – وربما كان ذلك قبل بناء الكعبة حيث طلب إبراهيم أن يجعلها بلداً آمناً يجتمع فيه الناس، ومن لوازم ذلك الرزق من الثمرات، وخص من أهله المؤمنين بالله واليوم الآخر – ظناً منه أن الرزق منوط بالإيمان كما الأمامة التي طلبها لذريته – فاعلمه الله أن الرزق يناله الخلق كلهم؛ لأنه عطاء الربوبية يعم به الجميع برهم وفاجرهم. فالمؤمنون يرزقهم ليكون ذلك عونا على طاعة الله، والكافرون يمتعهم ثم الحساب يوم القيامة، وبئس المصير، مصير الكافرين بالله واليوم الآخر؛ لأنهم لم يطلبوا النجاة ولا عملوا لها، فأضاعوا أثمن ما يملكون باللهو والعبث، لكن إبراهيم وابنه أفنيا عمرهما في طاعة الله طالبين رضاه عاملين بإخلاص في رفع قواعد أول بيت وضع في الأرض لعبادة الله وحده، طالبين من الله أن يتقبل عملهما؛ فإنه السميع لأقوالهما العليم بأحوالهما، فناسب أن يطلبا من الله أن يُصفي قلبيهما من الأغيار، وأن يطهر قلب كلٍ من كل عيب يبعده عن الله والإخلاص له، وأن يجعل من ذريتهما أمة مستسلمة له تطيع أمر الله، وتحكم شرعه وتخشاه حق الخشية، وطلبا من الله أن يبين لهم الوسائل التي تقرب إلى الله ويفقهم لإتباعها فيفوزوا في الدنيا والآخرة، وبعد أن طلبا من الله أن يبعث في ذرية إبراهيم وإسماعيل رسولاً منهم يبلغ وحي الله فيطهر النفوس ويزكيها ليكون الإسلام دين إبراهيم؛ فمن بعده: ابنه إسماعيل وإسحاق ويعقوب ومن بعدهم من الأنبياء، الإسلام ملة إبراهيم التي لا يرغب عنها إلا من حقر نفسه واستخف بها فلم يهتم بما يصلحها كيف لا وقد اصطفاه الله في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين.

    فاذكر يا محمد يوم دعا الله إبراهيم إلى التوجه بكليته إليه فلا يخضع إلا له، ولا يحكم إلا إياه، ولا يرضى إلى عنه، بالإسلام وصى إبراهيم بنيه إسماعيل وإسحاق، وتابعهما يعقوب فأوصى بنيه بأن يخلصوا لله وينقادوا له: الإله الواحد، ولما دعا أتباع الديانات الكبيرة كل إلى دينه، رد الله عليهم: الدين دين إبراهيم فهو الإمام، فيه اجتمعت خصال أمة من الفضائل والمكارم، مطيعاً لله شاكراً لأنعمه، اختاره الله ووفقه لسلوك الطريق المستقيم، فجعله أهلاً لأن يقتدى به ويسلك طريقه.

    من هنا رأينا يعقوب يأخذ العهد على أولاده أن يتبعوا دين إبراهيم: عبادة الله وحده والتوجه إليه، ومع أن كل إنسان مسئول عن عمله، لا يحاسب عن عمل غيره، فقد وجب الاقتداء بالصالحين من سلف الأمة، من هنا رد القرآن قول اليهود كونوا هوداً تهتدوا، وقول النصارى كونوا نصارى تهتدوا، قل بل ملة إبراهيم حنيفاً بل نلزم ملة إبراهيم ثابتين على ما كان عليه، مائلاً عن الشرك إلى التوحيد، وأكد ذلك في تنـزيهه من أي نوع من أنواع الشرك، وفي تكليف الرسول إبلاغهم إيذان بالإعراض عن مخاطبة المدعين ما لا دليل عليه، بل الدليل على خلافه، والمبين في (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)  فإن آمنوا بالذي آمنتم به فقد اهتدوا إلى الطريق القويم الموصل إلى رضوان الله والجنة، وإن أعرضوا عن قبول ما جاء به محمد، صلى الله عليه وسلم،  فإنما هم أعداء للحق اختاروا الحرب وانحازوا إلى الشق المقابل استعداداً لحربك؛ فلا تأبه بهم ولا تخف (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ)  كما كفى أباك إبراهيم من شر قومه الذين ألقوه في النار العظيمة، فجعلها الله برداً وسلاماً عليه (وَهُوَ السَّمِيعُ) لأقوالك (الْعَلِيمُ)  بأحوالك وأعمالهم (صِبْغَةَ اللَّهِ ) الزم الحق واكتسِ به مطهراً قلبك من العيوب الخلقية مظهراً الخضوع لله؛ لكأنك صبغت صبغة الله يظهر أثرها في جميع حركاتك وسكناتك، جعل الإيمان مستولياً على سلوك المؤمن قائماً مقام الزيوت التي يصبغ بها أهل الكتاب مولودهم، والمعمودية التي ينصر بها النصارى أولادهم، ولا أحد أحسن من الله صبغة ونحن خاضعون له ظاهراً وباطناً متذللون بين يديه، نعبده ولا نعبد غيره ولاؤنا له هو ربنا وربكم، لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن أخلصنا لله القول والعمل، بل أتقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هوداً أو نصارى، وهذا لا يصح أبداً؛ لأن التوراة والإنجيل ما أنزلا إلا من بعدهم؛ فكيف يصح عقلاً أو نقلاً أن يكون السابق تابعاً اللاحق والمتأخر إماماً لمن قبله، (قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ)  قطعاً الله الأعلم، فينبغي التسليم له، وإظهار ما أطلعكم عليه من العلم الذي يثبت صدق محمد، صلى الله عليه وسلم،  والشهادة له، وفي هذا دعوة العلماء إلى نشر ما تمس حاجة الناس إليه من العلم؛ لأنه لا أحد اشد ظلماً لنفسه وللناس من كاتم علم الناس في حاجة إليه، فخذوا من أخلاق الماضين ما يقوم سلوككم، واحذروا الوقوع فيما وقعوا فيه من أخطاء، واعلموا أن الله يحاسب كل أمة على أعمالها إن خيراً فخير ولا تسألون أيها المخاطبون عن أعمال من سبقكم، فاحذروا الشائعات التي تفسد العلاقات الاجتماعية، واحذروا الإساءة إلى الشريعة وإثارة الشبه التي تشوش على العامة، فتصرفهم عن إتباع الحق، فإن العقلاء يفهمون الأمور على حقيقتها، يعلمون أن الجهات ليس لها فضل بنفسها بل بتفضيل الله، والتوجه إلى أي جهة بأمر الله وطاعة له، أما السفهاء فينتهزون الفرص للإساءة إلى الحق، ويعلم العقلاء أن الله جعل أمة محمد، صلى الله عليه وسلم، أمة خياراً عدلاً، تشهد بالحق وتقف معه حيث وقف، تنشره وتنصره، هكذا حصن القرآن الأمة من داخلها، فجعلها تسمع وتطيع تقتدي بأبي الأنبياء إبراهيم، وتترسم خطاه، همها رضى الله فإذا ما وجهها إلى جهة توجهت دون أن تسأل؛ لأنها واثقة بالله تعلم أن الله لا يأمر إلا بخير، ولا ينهى إلا عن شر؛ لأنه خالق الإنسان العالم بما يصلحه في الحال والمآل.

    فاللهم نور أبصارنا وبصائرنا بنور الحق، ووفقنا لنصرته.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة