الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

الله الله ؟!! 
سورة البقرة   الآيات 115 - 131



    لا تنهض أمة إلا إذا عرفت ما تريد وما يراد بها ولها، وسعت مجتمعة لتحقيق ما تريد، وحمت نفسها مما يراد بها، ولا يتم لها ذلك إلا بالتخطيط المحكم على أسس ثابتة ومقدمات حقيقية توصل إلى نتائج ثابتة. والقرآن يبين لنا الطريق العملي الذي يحقق النجاح، ونأخذ مثالاً تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، فقدم بين يدي هذا مقدمات:

    أولاها: إن المشرق والمغرب لا ميزة لواحد منهما على الآخر، إلا إذا ميز الله جهة آمراً بالتوجه إليها، عندها تقدم لأمر الله بالتوجه إليها لا لذاتها، صلى الناس ذات مرة في غيم إلى غير القبلة، فلما انتهى الناس بان لهم أنهم صلوا إلى غير الجهة المطلوب التوجه إليها، فحزنوا وزاد من حزنهم أنهم على سفر يصعب معه اجتماعهم لإعادة الصلاة ثانية، وما أصابهم من غم بأداء فريضة إلى جهة لم يؤمروا بالتوجه إليها، فأنزل الله (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ) والمعنى إلى أي جهة توجهتم قاصدين تنفيذ أمر الله عازمين على طاعته، فتلك هي الجهة التي أمر الله بالتوجه إليها، وكأنه يهيئهم لتحويل القبلة إلى الكعبة، وهكذا يخطو بهم خطوة يسهل معها على العباد الطاعة ومواجهة المخالفين واثقين ثابتين على الحق ثبات الجبال.

    الثانية: في قوله (إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) فالواسع عبارة عن سعة قدرته وحكمته وإفضاله، والعليم صيغة مبالغة من علم، وعلم الله لذاته، قديم كسائر صفاته، علم لا يتخلف فما علمه الله أنه كائن فلا بد أن يكون، وفي الجمع بين واسع عليم دليل على سعة علمه ورحمته، وفيه دعوة إلى الإقبال على التعلم، والثقة بالمعلم فبدونها لا يُنتفع بالعلم، وأن ينضاف إلى العلم الرحمة والصبر، يعينه على إقامة الأدلة على الحق، ورد الشبه التي يثيرها الآخر.

    الثالثة: إقامة الأدلة العقلية التي تبطل قول الآخر، بأدب: يذكر القول كما هو بكل أمانة، ويرده بحجج مقنعة، (وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).

    قال العرب: الملائكة بنات الله، أمهاتهم بنات سادات الجن، وهذا القول بيّن الفساد موغل في الضلال لا بد من رده بدليل ملزم وحجة مقنعة.

    وقال اليهود عزير ابن الله؛ لأنه كتب لهم التوراة الاصطلاحية فقارنها أحبارهم على ما يحفظونه فوجدوه موافقاً فزعموا أنه ابن الله.

    ورأى النصارى المسيحَ بن مريم يولد من أم بلا أب، وأجرى الله على يده معجزات كثيرة ذكرها الله في القرآن في مواضع فظنوا أنه ابن الله، وروج هذا أحدُ الذين دخلوا في دينه بعد رفعه، فأخذ النصارى الفكرة وتمسكوا بها بعد مؤتمر نيقيا المسكوني سنة 325م.

    فرد القرآن الأقوال الثلاثة بذكرها كما هي بكل أمانة دون أن يتعرض للقائل، وردها بأدلة حسية وعقلية مقنعة (سبحانه): إبعاد له عن مثل هذا القول؛ لأنه يتنافى والحقيقة (بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)  ومن جملتهم من يُزعم أنه ابنه، كلهم مطيع له خاضع لأمره، لا يأنف أن يكون له عبداً، (كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ) منقاد لأمره وحكمه، (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)  والله أوجد السموات والأرض على غير مثال، حكمه نافذ، وقضاؤه لا يرد، (وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).

    ولما للكبر والأنانية من خطر على الأمة ناسب أن ينفر عن ذلك الخلق بعرض نموذج في ضمنه بيان لما فيه من مساويء فقال: (وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ) يظهر قبح هذا القول وما فيه من أنانية وكبر من ثلاثة أوجه وصفهم بأنهم لا يعلمون، والجهل داء يوقع صاحبه في المهالك، وحذف متعلق يعلمون لبيان قبح الجهل، وفي هذا دعوة إلى تحصيل العلم الضروري الذي يصلح العقيدة والعبادة والمعاملة ويضبط حركة الحياة على وفق منهج الله.

    والوجه الثاني تمنيهم أن يكلمهم الله أو يخصهم بمعجزة خاصة بهم؛ وهذان دليلان حسيان على أنهم لا يعلمون. فالبشر أعجز من أن يحتمل سماع كلام الله لضعفهم، وقد بين الله أنه ما صح لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب، أو عن طريق رسول يبلغ الناس ما أوحى الله إليه.

    والمعجزات: أمور خارقة للعادة تظهر على يد مدعي النبوة تصديقاً له في دعوته، تعم ولا يخص بها واحد كائناً من كان، وقائلوا هذا القول لهم سلف تأسوا به ووافقوه وقلدوه على عمى ولم ينظروا فيما بيّن الله من أدلة مقنعة ترقى بالمؤمن من الإيمان إلى اليقين الذي لا يتطرق إليه شك، ولمكان الرسول من الدعوة وما تحلّى به من حب للمدعوين وحرص على هداية الناس ناسب أن يشرفه ويشيد به ويواسيه قائلاً: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ) الدين الحق الثابت الباقي إلى قيام الساعة (بَشِيراً) للمؤمنين بنعيم مقيم وقرة عين لا تنقطع (وَنَذِيراً)  للمكذبين تخوفهم غضب الله وعذابه (وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ)؛ لأن كل إنسان مسئول عن عمله، يحاسب عنه ويثاب أو يعاقب، ولما كانت الحياة لا تستقيم إلا إذا كان الناس مقبلين على بعضهم قلوبهم متفتحة لتلقي الحق، تقبل الآخر وتتعاون معه على إصلاح الحياة والتخفيف من أعبائها على العامة، وها هو القرآن يقرر حقيقة طالما حاول الآخر إخفاءها متعصباً لمذهبه ناصراً له (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ)  اعتزازاً منهم بملتهم واهتماماً بها وتقديماً لها على هدى الله (قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى)  ما دام خالقاً رازقاً عالماً بما يصلح الفرد والمجتمع، فيجب الولاء له وحده، والاحتماء به وحده، والالتجاء إليه وحده، وفي توجيه الخطاب إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، دعوة إلى المخالفين للعودة إلى هذه الحقيقة، لما يلمح الإعراض عن مخاطبة المقلدين لردهم عن تقليدهم، وفي توجيه التهديد إلى النبي ، صلى الله عليه وسلم، (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ)  تحذير من الإعراض عن الحق والإقبال على الأهواء التي تهوي بمتبعها في المهالك؛ فإذا ما أصر الإنسان على الهوى هوى ولم يجد من ينقذه من عذاب الله، لا ولي يواليه فتنفعه موالاته، ولا نصير ينصره فيدفع عنه ما ينتظره من عذاب، ولا ما ينقذه إلا العودة إلى كتاب الله يتدبره ويعمل بما فيه فيستحق المدح (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ).

    القرآن يُخَرِّجُ من الفتن، فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبارٍ قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، فأي خسارة أعظم من هذا؟.

    فاللهم اجعلنا ممن يقيم حدود القرآن وحروفه، ووفقنا إلى تلاوته وتدبره والعمل به فيكون حجة لنا لا علينا.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة