الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

فاذكروني 
سورة البقرة   الآيات 142 - 152



    طاف بنا القرآن في نفوس البشر، فأرانا خفاياها وخباياها، وبيّن لنا أن أهل الباطل لا يقرون على قرار، ولا يثبتون على رأي؛ لأنهم يتبعون الهوى فيهوي بهم في متاهات الجهل والضلال، ويدّعون ما لا دليل عليه. ولما كان إبراهيم أبا الأنبياء الذين جاؤوا بعده، وهو الذي بنى الكعبة المشرفة، ويعترف له الناس بالفضل، وكان العرب من نسله، وكانوا يفخرون بالانتساب إليه، وكان النبي في شوق أن يتوجه إلى بيت الله الحرام، وينتظر
أمر الله في ذلك، ينظر إلى السماء وكله أمل وخجل، والناس حديثوا عهد بجاهلية وشرك، واليهود يثيرون الشبهات محاولين صرف المؤمنين عن محمد، ليبقى الجهل والضلال ظاهراً في جزيرة العرب، والهدى والإيمان غائباً؛ لأنه جاء عن طريق غير طريقهم، واهتم بنشره قوم غيرهم. وكان لا بد له أولاً من تحصين الجبهة الداخلية عن طريق إخبار المسلمين بما سيقال ويثار ليلقنهم الحجة وينقي خاطرهم مما قد يثار من شبه، لماذا التحول من جهة إلى جهة؟ ألا تثبتون على حال؟.

    الجهات لا ميزة لواحدة على ما سواها إلا بما يخصها الله من أمر المؤمنين بالتوجه إليها في صلواتهم لأمر جعله الله فيها، ولحكمة لا يعلمها إلا الله قد نعلمها وقد تخفى لكننا عبيد بالاختيار: نعلم أن المشرق والمغرب لله ونطمع أن يهدينا إلى طريق مستقيم لا عوج فيه، فقد صيّر الله أمة محمد أمة خياراً تعرف الحق وتدعو إليه وتعمل به تهدي الناس بالقدوة قبل الكلمة، ما ذاك إلا ليكونوا شهداء عدل لمن سبق من الأنبياء والرسل، ترعاكم عين رسول الله ليكون الرسول شهيداً عليكم أنكم التزمتم بالمنهج الذي وضعه الله لكم، ورباكم عليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وبيّن الله الحكمة التي لأجلها وجّه المؤمنين إلى بيت المقدس ثم إلى الكعبة ليظهر فضل المطيعين المتبعين لرسول الله، والخارجين عن المنهج في عبارة رائعة (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ) فقوله: (كُنْتَ عَلَيْهَا) احتمال أن يراد بها الماضي أي بيت المقدس، والقرشي يأنف أن يتوجه إلى غير الكعبة، ويحتمل أن المراد القبلة الثانية، وأهل الكتاب يأنفون من التحول إلى الكعبة، فالتحول إلى أي واحدة من القبلتين صعب شاق على الإنسان إلا أن يوفقه الله، فيبرز فيه علم الله القديم ما دل عليه (وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ)  ولما حزِن بعض المؤمنين على وفاة أقربائهم وهم يستقبلون بيت المقدس قبل أن تحول إلى الكعبة القبلة طمأنهم قائلاً: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) أي ثواب صلواتكم التي صليتم إلى بيت المقدس فخففت هذه البشارة من حزْن المؤمنين وطيبت خاطرهم، وختم الآية: (إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ).

    دعوة إلى الناس كل الناس أن يتراحموا: دعوة بالقدوة؛ فإنها أبلغ من الكلمة وأقوى أثراً في النفس، خاصة إذا انضاف إليها ما دل عليه (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ) من العلم المحيط ما يورث المراقبة لله فيما يأتي ويذر، فلا يسيء إلى مخلوق.

    كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يستقبل في مكة بيت المقدس والكعبة معاً في آن: يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس، فيصلي في الحرم بين الركنين: الأسود واليماني، فلما هاجر إلى المدينة صعب عليه أن يفعل؛ لأن المدينة المنورة في نقطة بين القبلتين، فمن يتوجه إلى إحداهما يستدبر الثانية، كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يتمنى من كل قلبه أن يوجهه الله إلى الكعبة؛ لكنه لم يطلب بلسانه حياءاً، يكفيه أن ينظر إلى السماء يتحول فيها من جهة إلى جهة شوقاً إلى استقبال الكعبة في الصلاة إلى أن جاءه الفرج على رأس ستة عشر شهراً من هجرته:  (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) أمره أن يستقبل في صلواته الكعبة أين كان في طيبة الطيبة أو في أي مكان وبيّن له أن أهل الكتاب: قوم موسى يعلمون أن النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، يستقبل القبلتين (وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ) فأكد الجملة الخبرية بثلاث مؤكدات: إن، واللام المزحلقة، والإخبار عن المعلوم بالجملة الاسمية، ويمكن أن ينضاف إلى المؤكدات (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ)  بما فيها من تحذير عن إنكار هذه الحقيقة في الكتاب المنـزل، ثم بيّن للنبي، صلى الله عليه وسلم،  شيئاً من أخلاق اليهود: من التمسك بما هم عليه، ليحضه على التمسك بالحق الذي أكرمه الله به، وثبته عليه ورغبه في لزوم الجماعة وإتباع الحق والصبر على نشره ونصره والبعد عن التعصب الأعمى وإتباع الهوى بأبلغ عبارة وأجلى بيان (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ)  وعزتنا وجلالنا؛ لإن أقمت لأهل الكتاب مئة دليل (مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ) أي ما رجعوا عن باطلهم ولا أقبلوا على الحق يلتمسون الإتباع، فاحرص على التمسك بالحق واحذر الإعراض عنه وإتباع الهوى فإنه يهوي بمتبعه في المهالك، ويجعله يضع الأمور في غير مواضعها، والخطاب للنبي، صلى الله عليه وسلم، والمراد الأمة فإن التربية بالقدوة أبلغ، وبيّن له أن أهل الكتاب يعرفون محمداً، صلى الله عليه وسلم، معرفة حقيقية بصفات وصفه الله بها في ما أوحى إلى أنبيائهم، فأظهرها بعضهم وآمن بمحمد وأخفاها آخرون وهم يعلمون أن ما يكتمونه حق لا مرية فيه، فالزم ما نزل إليك واعمل به واحذر أن تتأثر بما يذيعه ويشيعه أهل الكتاب، واثبت على الحق والمراد الأمة.

    إن الاختلاف يجب أن يكون وسيلة بناء المجتمع وعلى المختلفين أن يُسرعوا إلى النهضة بالمجتمع، وعمل الخير، وأعلمهم أنهم تحت سيطرة الله (أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً ) أمره ماضٍ فيكم يتصرف كيف يشاء لا راد لحكمه ولا معقب لأمره (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)  يعطي ويمنع فاطلبوا بره وأطيعوا أمره (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)  أي جهته ونحوه، تضيق القبلة على من في المسجد الحرام أي المسجد المبني حول الكعبة فيتعين استقبال عين الكعبة التي يطلق عليها المسجد الحرام أو بيت الله الذي بناه إبراهيم، وأهل مكة المجاورون لبيت الله يتعين عليهم قصد الكعبة فإذا بعدوا اتسع الأمر عليهم بقدر البعد عن الكعبة؛ لكن يتعين على المسلم العزم على استقبال الكعبة وهذا هو السر في استخدام كلمة (شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) الذي يراد به تارة البيت الذي بني حوله المسجد، وثانية المسجد الذي هو حول الكعبة، وثالثة مكة ورابعة الحرم كله.

    وأكد أن التوجه إلى الكعبة أين كان المصلي وحيث ما توجه بمؤكدات: إن، اللام، الحق الثابت الذي لا محيد عنه، ووصفه بأنه من ربك أيها المبلِّغ-- الذي تولاك بالرعاية (وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ)  والتذييل بـ (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)  من النفي، وزيادة حرف الجر قبل خبر ما، والفعل المضارع الذي يدل على الحدوث والتجدد، الذي يورث القاريء والسامع المراقبة، وجاءت الآية الثالثة لتؤكد على الأمر باستقبال الكعبة وبيّن الحكمة من التأكيد على هذا حتى لا يتخذ الناس الاختلاف ذريعة إلى الطعن على المؤمنين، فاثبتوا على الحق ولا تخافوا الظلمة؛ لأنهم أعجز من أن يُلحقوا بكم ضرراً ما دمتم واثقين بالله مطيعين له خائفين منه، شاكرين ما خصكم به من نعم وعلى رأسها وفي مقدمها اختيار محمد، صلى الله عليه وسلم، خاتم رسله منكم ما أكسبكم شرفاً يوجب عليكم الشكر عملياً بالطاعة والمراقبة.

    (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ)  تعرفون نسبه وصدقه وأمانته (يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا)  ليخرجكم من ظلمات الجهل والكفر والضلال ويطهركم مما علق بفطركم (وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)  أي القرآن والسنّة (وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ)  من أمور دينكم ودنياكم وأخراكم، فمهما يكن من أمر (فَاذْكُرُونِي)  فيما تأتون وتذرون فلا تأتون أمراً حتى تعلموا حكمي فيه (وَاشْكُرُوا لِي) بإتيان ما آمركم به وترك ما أنهاكم عنه، (وَلا تَكْفُرُونِ) بجحد نعمي عليكم وإفساد البلاد وإهلاك العباد بنشر الظلم والفساد، مستعينين بالله طائعين له، مقبلين عليه، معرضين عن من سواه.

    فاللهم وفقنا وسددنا واحفظنا.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة