الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

القرآن ومخالفيه؟  
سورة البقرة   الآيات 106 - 114



    (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) قضية كلية شرطية تعلّم الناس التخطيط والتدريب.

    فبناء الأمة يحتاج إلى جهد وصبر، وصرف الناس عن باطلهم يحتاج إلى تدرج، وتربية الأمة تطلبت النسخ: الذي هو إزالة شيء بشيء يأتي بعده كنسخ الشمس الظل، والظل الشمس، ونسخ الشيب الشباب، فتارة يفهم من النسخ الإزالة، وتارة يفهم منه الإثبات، وثالثة يفهم منه الاثنان، ونسخ الكتاب إزالة حكم الآية بحكم يأتي بعده، ومعنى الآية: ما نزيل العمل بآية أو نزيلها من قلوب العباد، نأت بخير منها إما بالنظر إلى المصلحة العاجلة بالتخفيف عن المكلف كآية المصابرة في سورة الأنفال. فقد فرض الله على المؤمن في الصدر الأول أن يثبت لمقاتلة عشرة ويحرم عليه الفرار منهم، ثم رفع الله عنهم هذا الحكم فكان في ذلك تخفيف عنهم، وإما في العاقبة كتعيين الصوم على المسلم البالغ المقيم بعد أن كانوا مخيرين بين الصوم والإطعام، فحتم عليهم الصوم لما فيه من فوائد دينية ودنيوية. فالمشقة الناشئة عن الصوم تعقب سعادة في الدنيا والآخرة.

    استبعد أهل الكتاب النسخ؛ لأنه يؤدي إلى نسخ ما هم عليه ليحل ما جاء به محمد محل ما جاء به موسى وعيسى.

    وتأثر العرب بهم لمجاورتهم، فجاء قوله (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)  يبين عظمة الله وقدرته أن يفعل ما يشاء يكلف الأمم بما يصلحها من الشرائع، يخفف حيث تدعو الحاجة، ويشدد حين تدعو المصلحة، والاستفهام (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)  استفهام تقريري كالذي قبله والمعنى: اعلم أيها النبي وأبلغ المرسل إليهم أن الله على كل شيء قدير يفعل ما يشاء لا راد لحكمه ولا معقب لأمره، وأن له ملك السموات والأرض، وأنه غني عنكم وأنتم محتاجون إليه، فليس لكم غيره ولياً ينصركم وتنصرونه، لا غنى لكم عنه لا في وجودكم ولا في بقائكم، فاحرصوا على طاعته وأخضعوا له ظاهراً وباطناً، واحذروا غضبه وانتقامه، ثم أضرب عن هذا إلى التحذير من التطبع بطباع قوم موسى الذين رفضوا الإيمان قبل أن يروا الله جهرة وقد رأوا من آياته الحسية ما يلين الصخر ويفتته، إن إبدال الكفر بالإيمان خطأ كبير وانحراف عن الحق (وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) ؛ لأنه فقد الصلة بالله فعميت بصيرته وساءت تصرفاته واضطربت مفاهيمه، واختلط عليه الأمر، فلا يميز بين الحق والباطل والخير والشر، فترى كثيراً من أهل الكتاب يتمنون لو يستطيعون أن يعيدوكم إلى الكفر بعد أن خرجتم منه حسداً من عند أنفسهم؛ لأنهم باعوا الإيمان بثمن بخس، تركوا الحق بعد أن بين لهم تعالٍ منهم عن قبوله؛ فلا تجاوروهم ولا تماروهم، كونوا أقوياء في دينكم، تَرَفَّعُوا عن طلب القصاص واتركوا وليكم يقتص لكم؛ فإنه قادر على الانتقام من ظالميكم؛ لأنه على كل شيء قدير، كونوا دعاةً بالقدوة، تَخَلَّقُوا بالأخلاق الفاضلة التي تجعل الناس يرغبون في اعتناق دينكم (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)  مستعينين بهما في إصلاح أنفسكم وكفاية فقرائكم، واعلموا أن أعمالكم الصالحة التي تعملونها خير تقدموه في دنياكم لتجدوا ثوابه عند الله في الآخرة في دار كرامته، (إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)  دعوة إلى العمل النافع المشغل عن الدعاوي المستندة إلى الأوهام من مثل (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى)  حصر اليهود داخلي الجنة بجماعتهم؛ وكذلك فعل النصارى، فهل لهم على هذا من دليل عقلي أو شرعي، إن كان فحق يجب قوله، وإلا فأماني تحتاج إلى دليل يثبتها وحجة تجعلها مقبولة؛ لذلك قال: (تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)  فيه نقد الدعوة بطريقة لطيفة تلمح إلى كذب القائلين. إن دخول الجنة رهن بإتباع مذهب معين أو الانتماء إلى جماعة، ومن استعمال "إن" التي تلمح إلى ما في القول من شك، وطلب الدليل على القضية التي حكم بأنها أماني: لا ما يدل عليها من عقل أو شرع؛ بل الحق أن من انقاد إلى الله بكليته، وهو مراقب لله فيما يأتي ويذر، يعبد الله كأنه يراه، هو وحده يستحق دخول الجنة، وينعم بما فيها من خيرات، فلا خوف عليهم في مستقبل الأيام، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من حطام الدنيا الفاني. ثم ساق دليلاً حسياً على جهل متبعي الأنبياء السابقين وبُعْدَهم عن الحق وتقليد أعمى، فالكتاب الذي يتبعه الفريقان واحد، والرسول الذي يتبعه اليهود والنصارى واحد ومع هذا قالت اليهود ليست النصارى على شيء من الحق، وقالت النصارى ليست اليهود على شيء من الحق وهم يتلون الكتاب في صلواتهم وعباداتهم المختلفة ما يدل على إيمانهم به وتمسكهم بما جاء به من حكم وأحكام، فكيف يصح هذا عقلاً أو شرعاً؛ إن صح قولهم ثبت بقولهم أن المؤمنين العاملين بما جاء به محمد على حق يجب عليهم المسير إليه والإقبال عليه، لكن الجهلة من العرب قبل الإسلام وبعده تأثروا بمقالة من قبلهم، وقالوا قولهم في جماعتهم، فكتاب المسلمين واحد ونبيهم واحد وربهم واحد، وبينهم ما صنع الحداد يتعززون على بعضهم ويفتكون بمواطنيهم، ولا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة. فالله وحده يحكم بينهم فيما اختلفوا فيه ويختلفون، فهو الحكم العدل، وفي هذا دعوة إلى الإقلاع عن الباطل.

    جعل الله المسجد مكاناً لاجتماع الناس وتعارفهم وتآلفهم بإذابة الفوارق بينهم، فإذا عطلت المساجد ومنع الناس من ذكر الله فيها واجتهد الظلمة في تخريبها يتفرق الناس فلا ما يجمعهم؛ من هنا وجب على المؤمنين حماية بيوت الله من أن تمتد إليها يد آثمة بالتخريب أو بمنع الناس من ذكر الله فيها، وأن يتعاونوا على إقامة المساجد، وأن يتعاونوا على إبقائها منارة تضيء للناس تجمعهم على الحق فلا يذكر فيها إلا اسم الله، ولا يكون الولاء إلا له، يتَّحدون في محاربة أشد الناس ظلماً فلا يمكنوهم من دخولها إلا خائفين منكرين لا يجرؤن على الإساءة إليها بأقل إساءة، فتبقى للمساجد هيبتها ومكانتها، ويرسخ في النفوس الخوف من الله الوعيد بالعذاب العظيم.

    فاللهم وفقنا وسددنا.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة