الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

الصيام والبر؟! 
سورة البقرة   الآيات 177 - 186



    أقام الله الدين على أسس راسخة ودعائم قوية توحّد المجتمع على الإيمان بالله والولاء له وحده في السر والعلن، ومحبة خلقه محبة حقيقية تقويها الصلة ويشد من أزرها الصبر الجميل، فالبر في القرآن ليس مظاهر لا حقيقة لها؛ ولكنه إيمان بالله إلاهاً واحداً له صفات الجلال وصفات الجمال، أوجد الخلق من العدم ورباهم بالنعم، وكلفهم ليبتليهم فيظهر فضل الصالحين وزيف المخادعين، ويحاسب الخلق على أعمالهم فيثيب المطيعين في يوم يقوم فيه الناس لرب العالمين، يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً، والإيمان باليوم الآخر يصوب المسار، ويحفز الإنسان إلى عمل الخير، وجماع ذلك كله البر، وإذا ما آمن الإنسان باليوم الآخر آمن بالله المبدئ المعيد، وآمن بالملائكة: مخلوقون من نور، كلفهم الله بأعمال من أهمها حراسة ابن آدم لا يصيبه ما يكره، وضبط حركاته وسكناته، وما يأتي وما يذر، يُكتب ذلك في كتاب لينشر يوم الحساب، بهذا وذاك تَصلح الدنيا والآخرة، والإنسان بحاجة إلى معرفة الخير ليُقبل عليه والشر ليحذر منه، ويحدد ذلك خالق الإنسان العالم بما يصلحه، فبين ذلك فيما أنزل من كتب على ألسنة من أرسل من الرسل، ما يوجب الإيمان بهم جميعاً، وعدم التفريق بينهم؛ لأن الكفر بواحد يستلزم الكفر بالجميع، لما فيه من تكذيب المرسِل، ولا بد لهذا الإيمان من دليل يُرشد إليه وثمرة تنتج عنه: الإنفاق على المحتاج حباً لله، وهو يحب المال فينفقه في مرضاته جاعلاً منه وسيلة لإسعاد الناس والتخفيف من آلامهم، والمحتاجون أنواع فمنهم الأقربون فلهم حق الإيمان وحق القرابة؛ فإنه يُقبح بالإنسان أن يترك قريبه في الحاجة، وهو قادر على إعانته، ومنهم اليتيم الذي فقد أباه ولمّا يبلغ فهو بحاجة إلى من يحنو عليه، ويمد يده بالخير إليه، فلو قسا الناس عليه نشأ معقَّداً حاقداً على المجتمع، فكان من المصلحة مساعدته، ومنهم المساكين: جمع مسكين وهو من سكنَهُ الفقرُ أو سكَّنه، فهو بحاجة إلى من يأخذ بيده إلى الخير ليبقى قلبه عامراً بمحبة إخوانه، ومنهم المسافر الذي نفدت نفقته نُسِب إلى السبيل لملازمته إياه وللإشارة إلى حاجته وفي قوله (ابن السبيل) دعوة لعونِه ومنهم السائلون؛ لأن سؤالهم يدل على حاجة لولاها ما عرَّض نفسه لذُلِّ السؤال، وتَشوُّفُ المسلمين للتخلص من الرِّق جعل للعبيد حقاً في المساعدة إذا رغبوا في التخلص منه، ولا بد من أن يصحب ذلك عبادتين: قاصرة تقوي اليقين وترسّخ الإيمان فيمتنع مقيم الصلاة عن معصية الله، وعبادة متعدية تؤمّن لذوي الحاجات حاجاتهم الضرورية ولا يتم ذلك إلا بتنمية الثقة بين أفراد المجتمع عن طريق الوفاء بالعهد؛ وذلك يتطلب صبراً على الطاعة وعن المعصية، والصبر حين تصيب المجتمع الشدائد، فلا يجزَع ولا ييأس ولا يطغى، صادقاً فيما يأتي ويذر، القلوب عامرة بتقوى الله، تنعم بالأمن والأمان.

    هؤلاء الموصوفون بهذه الصفات طابق قولهم فعلهم، وجعلوا بينهم وبين عذاب الله وافياً هو تلك الطاعات التي جمعتها كلمة البر، هذه الكلمة جمعت جميع خصال الخير، تحض المسلمين على إنشاء مجتمع فاضل يعرف كل فرد من أفراده واجباتهم وما يقابلها من حقوق؛ لكن لمّا كانت المجتمعات قد يكون فيها من يتعدى على غيره، فوضعت الشريعة الأسس التي تحفظ بها الحياة من أن تمتد إليها يد آثمة، فشرع القصاص؛ وهو أن يُفْعَل بالجاني ما فعل بالمجني عليه؛ لأنَّ بعض الظلمة لا تردعه الكلمة: فلا بد من الضرب على يده ردعاً له عن باطله وإحقاقاً للعدل وحماية لحياته وحياة من كان يفكر في القضاء على حياته، فتعم السعادة ويتفرّغَ الناس إلى البناء والإنتاج، وهذه هي الحياة التي وهبها الله للناس في قوله (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) حياة لا يقدّرها إلا العقلاء وسداً من الشريعة لباب الخلاف شرعت الوصية: بها يتمكن الموصي من بيان ما له من حقوق وما عليه من واجبات، وما يريد أن يقدمه بين يديّ مغادرة الدنيا قرباتٍ تنفعُهُ بعد موته، وربما أخطأ الموصي في وصيته؛ فأذنت الشريعة لمن يحضره أن يصوب ما في الوصية من أخطاء ويسدد الموصي، وهذا التغيير بحضرة الموصي أذنت به الآيات ولم تأذن بغيره وربّت المهابة من الله، فالله سميع للأقوال عليم بالأصول فراقب الله فيما تأتي وتذر. وخير ما يعين على مراقبة الله في السر والعلن الصيام: امتناعٌ عن الحلال في النهار تربية على التحكم في الجوارح، وضبط السلوك، والترفُّع عن اقتحام الشهوات والمحرمات.

    فرض عليكم الصيام كما فرض على من قبلُ من الأمم كي تتقوا الله وتتقوا المحرمات، وتتقوا الظلم والغفلة، فصوموا راجين أن تحققوا في أنفسكم ما فرض الله الصيام لأجله.

    (أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ)  لأن الدواء لا يفيد إذا كان دائماً؛ لأن المريض يألفه ويتكيف معه، وهذا ما أشار إليه النبي، صلى الله عليه وسلم،  في قوله {لا صام من صام الدهر} ولما كان العاجز عن الصوم بسبب عذر من مرض مزمن أو سفر قاصد يشق الصوم عليه معه، أذن له بالفطر والقضاء بعد الشفاء أو العودة من سفره، فلا يفوته العلاج؛ فإن وصل إلى درجة لا يستطيع معها الصومَ أذن له بالفطر وأمرَهُ بالفدية علّها تخفّف من حاجة، وتؤكد على أهمية الصوم في بناء المجتمع.

    فرض الله الصوم في رمضان؛ لأن إنزال القرآن كان فيه، فيشعر الصائم بأهمية الصوم لتحقيق القيم النبيلة المثل الرفيعة، ويفرغهم للتفكر في القرآن وتدبر آياته فتسموا أرواحهم وتصفو نفوسهم ويستقيم خلقهم؛ ولأهمية الصوم أفرده ولم يدخله في آية البر؛ لأهميته وأثره في حياة الفرد والمجتمع.

    ولذلك رغّب الله المؤمنين باستحضار قرب الله منهم، واطلاعه على خفايا وخبايا نفوسِهم فلا يقولون إلا خيراً، ولا يعملون إلا خيراً فينعم الناس بالأمن والأمان.

    فاللهم حبب إلينا الإيمان والطاعة ووفقنا لمرضاتك.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة