الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

بين المعجزة والسحر 
سورة البقرة   الآيات 101 - 105



    إن المتردد لا يثبت على رأي ولا يقر على قرار، فإن كانوا جماعة فلا يجتمعون على رأي، فكلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم، بل أكثرهم لا يؤمنون، إفساحاً في عودة وتوبة، لكن هيهات أن يتخلى الإنسان عما نشأ وتربى عليه، داء ينشَّأ عليه الصغير، ويحيى فيه الكبير، يؤكد على هذا أن اليهود المعاصرين للنبي، صلى الله عليه وسلم، لما حدثهم عن سليمان وما خصه الله به من المعجزات من تعليمه إياه منطق الطير، وتسخير الجن له: يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كبيرة كأنها البرك الكبيرة، والقدور الكبيرة الثابتة فلا يستطيع أحد أن يحركها لكبرها وثقلها، أسال له النحاس: يصنع منه ما يشاء، قالوا تحدثنا عن سليمان وما كان إلا ساحراً كانت كتب السحر تحت كرسيه، فما الحق في هذا؟.

    الحق أن سليمان حرّم السحر في مملكته الواسعة ومنع الناس من الاشتغال به، وكان إذا وجد كتب السحر أخفاها تحت كرسيه فلا تصل إليها يد فلما مات دلهم الشيطان عليها، فأشاع القوم عنه أن ما أتى به من الخوارق كان نوعاً من السحر، ولما تشبث اليهود المعاصرون للنبي، صلى الله عليه وسلم، بهذا فضحهم القرآن وكشف زيف قولهم وبين أن ما حملهم على ذلك كفرهم (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) هو محمد، صلى الله عليه وسلم، مصدق لما جاء به أنبياؤهم: موسى فمن بعده؛ فإن كانوا مؤمنين بموسى ومن بعده فيلزمهم الإيمان بما جاء به محمد، صلى الله عليه وسلم، لكنهم لم يؤمنوا، وطرح جماعة من أهل الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون أنه موافق لما أوحى الله به إلى أنبيائهم، واتبعوا الهوى والأوهام وما ألصق الشياطين بسليمان، وما نسبوه إليه من تعاطي السحر مستعيناً بالشياطين، وفي هذا كفر من وجهين: الأول: نسب المعجزات إلى السحر، وشتان بين السحر والمعجزة، فالمعجزة أمر خارق للعادة يظهر على يد النبي تصديقاً له في دعوته، يدل بها على الله ويتحدى الخلق أن يأتوا بمثل ما أتى به، وهيهات أن يأتوا بمثله. والسحر من عمل الإنسان يتمكن منه أحياناً بأنواع من الرياضات تكسب الخفة في الحركة وقوة الشخصية التي تؤثر على المشاهدين فتجعلهم يتأثرون بما يرون، وأحياناً عن طريق الاستعانة بأرواح من الجن تكون بين المستعين والمستعان به علاقة تأثر وتأثير لا تدرك بالعقل لكن تُعلّم وتُتعلّم، وإذا كان الله قد أنزل السحر فلتعليم الخاصة كيف يلغون ما عقده السحرة ويبطلونه، وليعلم العامة أنه باطل فلا يلتفتون إليه.

    فمعرفة السحر ليست شراً محضاً بل فيها مصلحة ما؛ لكن يجب أن يكون الممارس له على حذر شديد وخوف من الله، فلا يقدم على تعلّمه إلا بعد أن يتقن علم أصول الدين، يكون قلبه عامراً بذكر الله، مطيعاً لله في السر والعلن، عالماً أن ممارس السحر مهدد وعلى خطر عظيم، وأن الله هو الذي جعل في هذه الأرواح القدرة وهو قادر على سلبها وإبطالها متى شاء وكيف يشاء.

    الثاني: إن إتقان السحر واستخدامه بالشكل الذي نسب إلى سليمان، لا يتأتى إلا بعد الخضوع التام للشيطان؛ وذلك يؤدي إلى الكفر بالله، من هنا ظهر كذب اليهود في نسبة السحر إلى سليمان فنفى الله عنه الكفر فقال: (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْر) فأثبت لسليمان النبوة بالمفهوم، ونفى عنه ما حاول اليهود إلصاقه به، وقرر أن الكافرين هم الشياطين لسببين: تمردهم على الله ورفضهم الخضوع له، والثاني: تعليم السحر لما يؤدي إليه من فساد وإفساد، و"ما" في هذا الموضع نافية باتفاق أهل العلم، وأما "ما" في قوله (وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ ...)  فيجوز فيها أن تكون نافية، وأن يكون في الآية ما يبطل القصة التي تروى عن الملائكة وتحديهم الله أن ينـزل ملكين إلى الأرض، يركب فيهما ما ركب في بني آدم من الغرائز والشهوات ليثبتوا له أنهم خير من البشر، وأنهما ما إن نزلا إلى الأرض حتى وقعا في المعصية، وأن الله بعث إليهما جبريل خيّرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختار عذاب الدنيا فهما ببابل. وهذه القصة باطلة عقلاً لما فيها من سوء أدب مع الباري، ونسبة الحقد على الناس إلى الملائكة مع أن القرآن دل على أن الملائكة يحبون المؤمنين ويدعون لهم بالتسديد والتثبيت، وشرعاً لأن الملائكة معصومون لا تتأتى منهم المعصية، وبنص هذه الآية، وعليه فالجملة متقدمة وحقها التأخير، وهاروت وماروت بدل من الشياطين، ويجوز أن تكون ما موصولة والعائد محذوف، وأن تكون مصدرية وتبقى الآية على ترتيبها، فيكون الله قد أنزل على الملكين نوعاً من السحر يعلمانه الخاصة ليستطيعوا حل ما عقده السحرة مستعينين بالشياطين، لداع دعا إليه، ويجتهدان في النصيحة للمتعلم، ويبينان له أن تعلم السحر ابتلاء من الله، ويحذرانه من الكفر بالله وتعاطي السحر على جهة الإفساد، ويعلمانه أن الله هو المتصرف الوحيد في هذا العالم؛ فإن أصر على تعلم السحر علماه وبينا له أن تعلم السحر يضر ولا ينفع. وأن من يتعاطى السحر ليس له فائدة عملية لا في الدنيا؛ لأنه اشتغال عن المفيد بالأوهام والعبث، ولا في الآخرة؛ لأن صاحبه ليس له عند الله نصيب، فناسب أن يذم الله تعاطي السحر لما فيه من شر وضرر، ثم وجه النداء إلى المؤمنين محذراً من إطلاق الألفاظ التي تحتمل معنى صحيح ومعنى فاسد يسيء إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، ويطعن عليه.

    (... لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا ...) راعنا: كلمة كان اليهود يقولونها للنبي، صلى الله عليه وسلم، يقصدون اتهامه بالرعونة على سبيل التهكم به، يوهمون أنهم يقصدون (احفظنا وترفق بنا من الرعاية)، فأخذها المسلمون بحسن نية؛ فإذا سمعها اليهود من المسلمين ضحكوا، فحذرهم من ذلك، وأمرهم أن يقولوا قولاً يدل على المراد دون أن يكون له معنى فاسد.

    وأمرهم بالسماع طائعين، وحذرهم من العصيان بطريق الإيماء؛ فإنه أخبرهم أن للكافرين؛ لأنهم كافرون عذاب مؤلم؛ لأنهم عصوا الله وأطاعوا أعداءهم المتربصين بهم، والذين ما تمنوا لهم إلا الشر، ولا أحبوا أن يخصهم الله بنبي من أنفسهم يعرفون نسبه وصدقه وأمانته، وأنزل عليه كتاباً بلغتهم، والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم، فأقبلوا على الله، وعلى نبيه وعلى كتابه بالنظر والفكر والطاعة.

     
فاللهم وفقنا.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة