الرئيسية >> حكم و فوائد

  طباعة

حذار من التخلق بأخلاقهم !! 
سورة البقرة   الآيات 88 - 101



    زعم اليهود أن قلوبهم قد امتلأت بالعلم فلا مكان فيها لمزيد، فرد عليهم: إن تمرس الناس بالمعاصي وإقبالهم على الشهوات، وتحكيمهم الهوى في كثير من شئون حياتهم، جعل قلوبهم لا تقبل العلم ولا تُقبل عليه. يعانون من ازدواج في الشخصية؛ ويدل على ذلك أنهم كانوا ينتظرون مجيء نبي آخر الزمان ليؤمنوا به وينصروه (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) فيه نبأ ما قبلهم وخبر ما بعدهم يصدق الأنبياء السابقين، ويقوم ما اعوج من أخلاق المعاصرين. وقد كانوا ينتظرون مجيئه ويستنصرون به على عدوهم. عرفوه معرفتهم أبناءهم، وكفروا به موقنين أنه رسول الله، فاستحقوا أن يعمي الله أبصارهم، فلا يعرفون الحق ولا يقبلون على هديه، مطرودين من رحمته، إيمانهم هزيل وعملهم قليل، وإذا أنكر المُنْعَم عليه النعمة، وكفر بالمنعِم استحق أن يطرد من الرحمة لكفره جزاءً وفاقاً فعميت بصيرته وعجز عن التمييز، فباع نفسه للشيطان واشترى الكفر بالإيمان، فبئس ما باع به نفسه: كفره بما أنزل كارهاً أن يختص الله بالرسالة من يشاء من خلقه، فباؤا بغضب الله لاعتراضهم عليه، وإعراضهم عن الإيمان برسوله، فاستحقوا الغضب مرتين، وللكافرين بسبب كفرهم عذاب مهين؛ لأنهم لم يكرموا من ثبت صدقه بالأدلة القطعية من النقل والعقل والحس.

    وإذا دعي اليهود إلى الإيمان بما أنزل الله على محمد، قالوا: نؤمن بما أنزل علينا، وهم مصرون على الكفر بما وراءه: بما جاء بعده، وهو الحق يصدق ما أنزل على الأنبياء قبله، ويؤكد عليه، فإذا كنتم تؤمنون بما أنزل إليكم فيلزمكم الإيمان بما أنزل على محمد، وإذا لم تؤمنوا بمحمد لم تؤمنوا بما أنزل على أنبيائكم، والدليل إنكم قتلتم أنبياء الله: قتلتم زكريا ويحيى، وأردتم قتل المسيح عيسى ابن مريم؛ فإن كنتم مؤمنين بالله ورسله فَلِمَ تقتلون أنبياء الله؟ إن القتل محرم في جميع الشرائع، وقتل الأبرياء أشد حرمة، وقتل الذين يأمرون بالقسط والأنبياء أعظم جرماً وأكثر إثماً؛ ثم إن الله يذكر اليهود بإحسانه إليهم بإعطاء موسى معجزات حسية تدل على صدقه، فأعرضوا عن الحق الواضح وعبدوا العجل، ناسين جميع ما خصهم الله به من نعم؛ لأن قلوبهم قاسية لم تتأثر بما رأت من نتق الجبل فوقهم كأنه ظلة، وأمرهم أن يأخذوا ما آتاهم من التكاليف بجد واجتهاد ويسمعوا لنبيهم وما جاء به، قالوا: سمعنا بألسنتهم لكنهم لم يأتوا بشيء مما كلفوا به لسان حالهم يقول: سمعنا قولك وعصينا أمرك قد امتلأت قلوبهم بحب العجل الإله الذي لا يأمر؛ لأنه أبكم أصم. وأطلقوا العنان لأهوائهم تشرع لهم فيطيعونها غافلين عن المنعم المتفضل، وهنا يوجه الخطاب إلى رسوله محمد يحج اليهود الذين عاصروه يذم ما يأمرهم به إيمانهم إن كان لديهم ذرة إيمان، ويبطل ادعاءهم أنهم أولياء الله وأن الجنة لهم وحدهم فيطلب منهم تمني الموت رغبة منهم فيما أعد لهم عند الله، وأخبر أنهم كاذبون خبراً صادقاً أقام به الحجة على كذبهم: خوفهم من الموت، وتمسكهم بالحياة لعلمهم أن الحياة أي حياة خير لهم من الموت وما بعده لما ينتظرهم هناك.
   
    احتجوا لرفض الإسلام بحجج واهية تدل على جهل عظيم، قالوا: جبريل عدونا فلو كان الذي يأتيك غيره لآمنا بك وصدقناك.

    من كان عدواً لجبريل فإنه عدو لله الذي أنزله على قلبك بإذن الله بأمره ورضاه، ومن يعادي رسول الله يعادي الله؛ لأن جبريل ما فعل إلا بأمر الله، أنزل القرآن مصدقاً من جاء قبله، يحدد المعالم التي تحقق السعادة في الدنيا بالأمن والإيمان، وفي الآخرة نعيم دائم وقرة عين لا تنقطع، وبشرى للمؤمنين بالفلاح في حياة لا خوف فيها ولا حزن.

    ثم ساقها قضية كلية شرطية مؤداها أن ولاء الله يوجب ولاء رسله، ومعاداة رسل الله كفر ومعاداة لله – عز وجل – والله عدو للكافرين؛ لأنهم كافرون. ثم يقسم الله أنه أنزل على النبي آيات واضحات قوية الحجة توجب الإيمان بها والعمل بمقتضاها، والخروج عليها فسق.

    إن أكثر اليهود لم تخالط بشاشة الإيمان قلوبهم، ولا استحكمت مراقبة الله في أنفسهم، فكلما عاهدوا عهداً لم يلتزموا به جميعاً، ونبذه فريق؛ لأَن غالبهم لا يؤمنون.

    ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم طرح جماعة منهم التكاليف الشرعية، معرضين عنها مقبلين على الأباطيل والأوهام، زاعمين أن سليمان كان ساحراً، ما دعا الله أن يكذبهم في أمرين: الأول إن سليمان كان ساحراً، ولو كان لما صح له ذلك إلا بعد أن يكفر، وسليمان نبي الله المؤيد بالمعجزات المسخر له الجن والريح حاشاه أن يكون كافراً، الثاني أن الله لم ينـزل ما فيه كفر من السحر، فهل للسحر حقيقة يمكن تعلمها وتعليمها، وهل كل السحر شر؛ فإن كان فهل أنزله الله؟ إلى آخر ما يطرح من أسئِلة في المقال التالي.

    في هذا النص يحذّر الله المؤمنين من التخلق بأخلاق اليهود، والتطبع بطباعهم، يحذرهم من الكذب على الله وعلى خلقه، ومن الأثرة وحب الذات، ومن الحسد وما يؤدي إليه، من التحجر والتمسك بالباطل ورفض الحق إذا جاء به غيرهم.

    يحذر المؤمنين من الحمق والجهل، ويدعوهم إلى الإيمان بالله وملائكته ورسله، وأن الولاء لله وحده.

    والله الموفق.

الشيخ أ. د. أنس جميل طبارة